هل الدين لا عقلانيّ بالضرورة؟

هل الدين لا عقلانيّ بالضرورة؟

مشاهدة

27/08/2019

ترجمة: كريم محمد


تتحدّث الثقافات الليبراليّة اليوم عن "الإرث التنويريّ"، كما لو كنّا نظنّ أنّ العقل يقفزُ فجأة من اللامكان في القرن الثامن عشر. ونفكّر في الدين، بشكلٍ متوازٍ، ولا سيّما المسيحيّة، كمسألة انفعال وإيمان متجاوزة لما هو عقلانيّ، إن لم تكن لا عقلانيّة محضة، ونعارضه بشكل خطير بالمغامرات العقلانيّة للفهم العلميّ.

اقرأ أيضاً: التراث كمسرح لرغبات الحاضر: البحث عن عقلانية "إسلامية"

بيد أنّ هذا منظورٌ معيوب جداً. فحتى الأزمنة الحديثة نسبياً، فإنّ عدداً قليلاً مَن يفكّر في الدين والعقل باعتبارهما معارضين لبعضهما البعض. وهذا حاصلٌ في المقام الأول بسبب أنّهم يفكّرون في العقل نفسه كشيء روحيّ بصورة جوهريّة.

عدد قليل مَن يفكّر بالدين والعقل باعتبارهما معارضين لبعضهما لأنّهم يفكّرون في العقل نفسه كشيء روحيّ بصورة جوهريّة

لقد اعتقدوا هذا بشكلٍ طبيعيّ، نظراً لأنّ التعقّل شيءٌ تنجزه الأدمغة الواعية، والتي لا يمكن تفسير حقيقتها بمحض تفسير ماديّ بسيط. وعلى الرغم من أنّنا نستعملُ الآن، في عمليات الحوسبة، مكافئات ميكانيكيّة لا تُعدّ ولا تُحصَى من أجل العمليات المنطقيّة والحسابيّة والنّحويّة، إلّا أنّه ما يزال هناك فارقٌ مطلق بين الصّلة العقلانيّة والصّلة الميكانيكيّة. والحال أنّ هذا شعور معيّن بـ "الملاءمة" يصل إلى درجةٍ مطلقة في حالة الضرورة المنطقيّة. ومع أنّنا نستطيع أن نبرمجَ الآلات لتأدية عمليّات منطقيّة كهذه، غير أنّه من الحاسم بمكان أنّ الآلات لا تستطيع بشكل متكافئ أن تبرمجَ الأدمغةَ لتأدية هذه العمليّات بدورها. ومن ثمّ، فما يزال هناك اختلافٌ يفوق الوصف.

العقلانيّة تقتضي عقيدةً لا تفصلها عن حقل الانفعال المُجسَّد

وهذا الاختلاف، كما أُشيرَ إليه بالفعل، له صلةٌ بالشعور. فالتعقّل تنجزه الأدمغةُ الواعية التي تقوم بغرس كلٍّ من هيئاتها وبيئتها المباشرة. وإذا اكتشفنا أنّ الواقع يمكن أن يعيد إنتاج مشاعرنا المنطقيّة "الدقيقة" تلقائياً، فإنّ الأولويّة السببيّة إذاً للدماغ على الحوسبة يمكن أن تشكّكنا في أنّها بنية تعقبُ الشعور أو تكمَّل به، وليس العكس. وربّما هذا ينطبق حتى على المستوى الـتحت-إنسانيّ.

اقرأ أيضاً: الدين والتنوير العقلاني والسياسي

يمكن لهذا النوع من النظر أن يقود المرء إلى استنتاج أنّ العقلانيّةَ نفسها تقتضي عقيدةً ميتافيزيقيّة لحقيقة العقل العليا غير القابلة للاختزال، باعتبارها سيرورةً فكريّة وروحيّة وواعية. أضف إلى ذلك، فإنّ العقلانيّة تقتضي عقيدةً لا تفصلها عن حقل الانفعال المُجسَّد والدَّافع بأكلمه الذي ظنّت فلسفاتٌ تقليديّةٌ بأنّه مجال "الروح". لقد نزعت "العقلانيّات" الأنواريّة على النقيض من ذلك إلى إهمال أيّ اعتبارٍ للحقيقة الأنطولوجيّة لنطاقات ما هو عقليّ أو نفسيّ -مثل تلك التي كانت شائعة ذات مرّة في الآفاق الهندوسيّة والبوذيّة والأفلاطونيّة الجديدة والتوحيديّة.

العقلانيّةَ نفسها تقتضي عقيدة ميتافيزيقيّة لحقيقة العقل العليا غير القابلة للاختزال باعتبارها سيرورة فكريّة وروحيّة وواعية

والحال أنّ عاقبة هذا الإهمال عادةً ما تكون توقيراً أعمى أمام ما يتمّ اعتباره على أنّه سيرورات ماديّة جُزافيّة. ولا يوجد الآن أيّ أساسٍ للافتراض بأنّ الحقيقةَ تتكيّف فعلاً مع العقل خارج نطاق محدود جداً ومنقوش بشكل اصطناعيّ. وعلى إثر ذلك، قامَ الفكر الأنواريّ في بعض الأحيان بعزو آفاقنا الجماليّة والأخلاقيّة الـفوق-منطقيّة إلى عمليّة لاعقلانيّة من الاندفاع الطبيعيّ المطلق، والعواطف والتقامص الوجدانيّ، والتي اقتضت بعد ذلك درجة معيّنة من الإكراه العقلانيّ المستقلّ.

اقرأ أيضاً: العقلانية بما هي أزمة الإسلام السياسي.. وكثير من العلمانيين أيضاً

والحال أنّ هذا الموقف من العقل يغدو جوهرياً عندما يبتعدُ المرء عن مجرّد الحسّ بالميل المصاحب لـ[فرضيّة] ١+١=٢، ونحو كافّة الخلاصات الحشويّة التي نتعاطاها مع الواقع لا سيّما الواقع البشريّ. وبالفعل، فإنّ كثيراً من فكرنا، سواء النظريّ منه أو العمليّ، ليس مسألة محض قيام بنسخ للحقائق، ولا هو بتحليل لا يرقى إليه الشكّ. فأغلبيّة الافتراضات اللغويّة هي مسائل متعلّقة بالحكم الذاتيّ، والتي لا يمكن اعتبارها صحيحة أو خاطئة ببساطةٍ. فهي افتراضات تنطوي على "إضافةً" لما نستقبله الذي هو مشبع، بشكل لا لبس فيه، بصبغة انفعاليّة معيّنة. وكما حاججَ ألفريد نورث وايتهايد، فحتى نحذفَ هذه الصبغة من حقل الطبيعيّ أو الفعليّ فلا بدّ من تسليم معظم الوجود البشريّ إلى الإزاحة والنفي. ومن المحتمل أن يصل إلى نفي معظم الحقيقة الفوق-بشريّة أيضاً، إذا كان "إتمام" الأشياء هو مسألة متعلّقة بوجلها المغلق جمالياً من أيّ شيءٍ آخر، كما اعتقدَ وايتهايد.

 كلّ أنماط تعقّلنا هي مسألة متعلّقة بالشعور والإيمان على حدّ سواء

إنّ كلّ أنماط تعقّلنا، إذا نُظر إليها بهذا النظر، هي مسألة متعلّقة بالشعور والإيمان على حدّ سواء. ولا بدّ لنا أن نثق حتى في أنّ حسّنا المنطقيّ بالميل يتوافق قطعاً مع الحقيقيّ بإطلاق. بيد أنّ الأهمّ من ذلك بكثير هو أنّه يتوجّب علينا أن يكون لدينا قدرٌ من الثقة بأنّ حسّنا الفضفاض حيال طبيعة الأشياء والقيم وسمات الناس وما يجعل مجتمعاً ما مجتمعاً صالحاً قد لا تكون مخدوعاً بالكليّة.

اقرأ أيضاً: كيف زيّفت جماعات الإسلام السياسي المعاني الدينية؟

تميلُ الأديان إلى العمل داخل هذا النطاق على مستوى جماعيّ كبير. والأديان، مثلها مثل أيّ وحدة عضويّة أخرى، تصبو إلى صياغة كيان اجتماعيّ ونفسيّ هو "إضافة" محسوسة بشكل مميز، مع كونه في الوقت نفسه يحاكي وينقل، بصورةٍ ما، حقيقة الواقع ككلّ. فالأديان تحثّ على أشياء ككبح النفس، والمحبة للآخرين والتركيز المتصوّف على ما هو مشترك بين كلّ شيء بدلاً من التراكم الشخصيّ للمشاعر. لكنها وهي تفعل ذلك فهي لا تفعله على أسس حِسابيّة، بل بالأحرى تقوم به كمسألة غريزة والتزام. وحتى على مدار التاريخ، أثبتت هذه الغريزة أنّها أكثر عقلانيّة من عمليات العقل المنفصل البارد، وقد أحدثت تأثيراً حضارياً بالغاً.

الأديان تحثّ على أشياء ككبح النفس والمحبة.. لكنها لا تفعل ذلك على أسس حِسابيّة بل كمسألة غريزة والتزام

وبالطبع، يتمثّل عارُ المسيحيّة في ادعائها بأنّ المطلقَ والكونيّ نفسه قد تزامن مع إضافة بشريّة معيّنة أو مع سلسلة من الإضافات على مدار الزمن. ومع ذلك، فإنّه زعمٌ هو الذي دفعَ بالمشروع الغربيّ إلى السعي إلى حقيقة بشريّة أكثر كونيّةً وإلى انسجام سياسيّ، مع وجود اختلافات ثقافيّة أقدم أصبحت الآن مندمجة ومطوّعة.

ليس عصر التنوير سوى حاشية حديثة لهذه السيرورة: فهو يمثّل في بعض الأحيان استمراريّتها المفرطة في العقلانيّة، وفي بعض الأحيان الأخرى يمثّل محاكاتها. والحال أنّه ما من شيءٍ بإمكانه أن يتجاوزَ التتويجَ الكونيّ للعقل الذي هو متورّط في الادعاء بأنّ العقل الإلهيّ قد تجسّدَ هو نفسه على مسار الزمن، وبأنّ هذا التجسيد يُؤدَّى في حضرة وجود مشترك لطقوس، وتعبير رمزي، وممارسة ومشاركة وتأمل وانعكاس فكريّ. وفقط بحكم "تجسيد" العقل في كلّ شيءٍ فيما يتعلّق ببعض الغرائز والمشاعر العليا المزعومة، فإنّه يتمّ تجنّب التنوير الذي يقوم بفصل العقل عن الواقع، والمنطق عن الشعور، والثقافة عن الطبيعة...

اقرأ أيضاً: تقرير جديد: القيود الحكومية على الدين في تزايد

يمكن للمرءِ أن يُمدِّد هذا التعارض إلى تصورات مختلفة على التوالي للموجود البشريّ. فمن وجهة نظر أنواريّة، فإنّ الإنسان مُلقى بين طبيعة خام وجسد حيوانيّ من ناحية، ومن ناحية أخرى هناك أهليّة عقلانيّة وحِسابيّة لديه. وكعاقبةٍ لذلك، فإنّه يكفّ فعلياً عن كونه إنساناً على الإطلاق، ويصبح بدلاً من ذلك فعلياً "سايبورغ": أي هجينٌ أخرق من دوافع "طبيعيّة" خاصّة هي مخيفة وجاهلة وعشائريّة ورجعيّة (أو في أحسن أحوالها "تعاطفيّة" ضمن نطاق ضيّق وإسقاطيّ)، ومن دهاء مبدع من إجراءات متفق عليها وأسيجة محميّة باختيار خاصّ.

 الإنسان مُلقى بين طبيعة خام وجسد حيوانيّ من ناحية ومن ناحية أخرى هناك أهليّة عقلانيّة وحِسابيّة لديه

على العكس من ذلك، فإنّه داخل تاريخ الغرب، عزّزت الآفاق المسيحيّة واليهوديّة من شعور الكائن البشريّ باعتباره "شخصاً": أي كعقلانيّ وفقاً لطبيعته الحيوانيّة العليا وكمشبع جوهرياً بالشعور نحو العدالة والخيريّة. بالإضافة إلى ذلك، فكونه اجتماعيّاً بطبيعته، فإنّه لا يوجد "جوهر" بشريّ منعزل يسبقُ أبداً في الواقع التشابك الزمانيّ والمكانيّ للعلاقات التي يجدُ الكائنُ البشريّ نفسه مغروساً فيها.

اقرأ أيضاً: دراسة توضح حالة المجموعات الدينية المرتبطة بالأديان في العالم

وفي حالة عصر التنوير، فإنّ كلاً من الطبيعة والثقافة يميلان نحو الاختزال إلى حالة الكُلّ الجماعيّ المفرط في ضدّيته للأفراد المعزولين، دون أيّ امتلاك لوساطة علائقيّة. على النقيض من ذلك، لا يشيدُ المنظور اليهوديّ أو المسيحيّ مطلقاً بالشخص المتوحّد ولا بالجماعة الاجتماعيّة. على النقيض من ذلك وبشكل مفارق، يميل التركيز على أوليّة العلاقات إلى الضمانة بأنّ الشخصَ الماديّ والمموقع بتعقيدٍ، المستقبل لكلّ ذلك بطريقته "الإضافيّة" الفريدة، هو مُضطلع به أن يكون ذا قيمةٍ مُطلقة. ولا يجب الخلط بين هذا وبين فرد الليبراليّة "الذريّ" بشكل تجريديّ الذي ربّما يكون أيّ "فرد" ما، لأنّه يتمّ تعريفها فقط من حيث قدرته على الاختيار، بغضّ النظر عمّا قد يكونه هذا الفرد.

كان الدين الحارس الأفطن للعقل بصورة تفوق التقليد المتناقض ذاتياً والأكثر محدوديّةً لعصر التنوير

لهذا السبب، ليس الشخص العلمانيّ الحديث مجرّد سايبورغ فحسب، بل هو أيضاً شيزوفرينيّ بالجوهر -كما يمكن التمثيل على ذلك بالوباء المستشري للصحة العقليّة. فهو شخصٌ مدعو، من ناحية، إلى أن يكون عقلانيّاً بطريقة "الاستعداد المُطلق" التي يمكن تحويلها إلى نظام خوارزميّ وتحميله إلى أنظمة مرقمنة، بينما يُتوقَّع منه، من ناحيةٍ أخرى، (لأنّ السوقَ يطالبه بذلك) أن يمارسَ اختياراتٍ لا أساس لها نهائياً وغير معتبرة وغير متّصلة على أساس عواطفه الخامّ زعماً.

بهذا المعنى، فالشعور بالحاجة إلى التهدئة والتهذيب والتفاوض الاجتماعيّ لا يضيع فحسب؛ بل أيضاً تكون الحقيقة الأعمق للعقل (والتي كانت بالنسبة لأفلاطون بمثابة إيروس الأعلى) غير متوقفة على شيء سوى على هذا العلو، الذي يُمارَس من قبل جسد بشريّ معيش ومشكل نفسياً ومتطلع فكرياً.

بقدر ما كان الدين، وبشكل أساسيّ المسيحيّة واليهوديّة حتى اليوم في الغرب، الوصيّ على الحكمة الخالدة، فإنّه أيضاً كان الحارس الأفطن للعقل بصورة تفوق التقليد المتناقض ذاتياً والأكثر محدوديّةً لعصر التنوير. 


المصدر: جون مليبانك

الصفحة الرئيسية