هل أصبحت المبادرة الإثيوبية في السودان على كفّ عفريت؟

السودان وإثيوبيا

هل أصبحت المبادرة الإثيوبية في السودان على كفّ عفريت؟

مشاهدة

23/06/2019

ما إن حطّ الوسيط الإثيوبي، السفير محمود درير، بين المجلس العسكري السوداني وقوى إعلان الحرية والتغيير، مجدداً في العاصمة الخرطوم، حتى تواترت الأنباء عن محاولة انقلابية في مدينة (بحر دار) الإثيوبية، عاصمة إقليم أمهرة، شمال إثيوبيا، وعلى حدود السودان، أعقب ذلك قطع الإنترنت بشكل تام عن إثيوبيا، الأمر الذي أحدث ارتباكاً شديداً وتضارباً في الأخبار وأفرد مساحة كبيرة لترويج الشائعات وتمريرها.

اقرأ أيضاً: وساطة إثيوبيا.. هل تنجح في لم شمل السودانيين؟

ما جعل الأمر يبدو أكثر خطورة؛ ظهور رئيس الوزراء الإثيوبي الإصلاحي، آبي أحمد علي، بالزي العسكري أثناء كلمة له بثّها التلفزيون الرسمي، قال فيها: إنّ "الأوضاع تحت السيطرة"، وإنّ "رئيس هيئة الأركان وضابطاً آخر لقيا حتفهما على خلفية المحاولة الانقلابية الفاشلة في إقليم أمهرة"، وطلب من الإثيوبيين "التصدّي لأيّة محاولة لإعادة البلاد إلى الوراء مجدداً، فلم يعد أحد يريد حكماً عسكرياً مرة أخرى".

السفيرالإثيوبي محمود درير

ليلة قاسية

لم ينم الإثيوبيون والسودانيون، وربما سكان القرن الإفريقي، ليلة أمس، فانهيار الأوضاع في إثيوبيا، أقوى وأكبر دولة في هذه المنطقة شديدة الهشاشة، يعني انهياراً للمنطقة برمّتها؛ حيث تصعب السيطرة على الأوضاع مجدداً.

اقرأ أيضاً: هل ينجح زعماء القبائل في إنقاذ السودان؟

في السودان، حيثُ تلعب إثيوبيا دوراً مهماً في تقريب وجهات النظر، وإيجاد صيغة مقبولة لتقاسم مهام الفترة الانتقالية بين المجلس العسكري الانتقالي، وقوى إعلان الحرية والتغيير عبر مبادرة رئيس الوزراء آبي أحمد، المدعومة من الاتحاد الإفريقي وهيئة "إيقاد"، وبينما أعلنت قوى إعلان الحرية والتغيير موافقتها على المبادرة الإثيوبية، وفيما كان الجميع يترقبون ردّ المجلس العسكري، إذا بالوسيط يجد نفسه بين أن يكون أو لا يكون، فظلّ الجميع يضعون أيديهم على قلوبهم خشية حدوث ما لا تحمد عقباه، خاصة أنّ رئيس الوزراء الإثيوبي يحظى بقبول شعبي واسع في كلّ دول منطقة القرن الإفريقي، باعتباره رمزاً للإصلاح الديمقراطي وداعية إلى السلام والمحبة بين الشعوب المختلفة.

ناصر: منذ تولّي تسيغي منصبه الجديد بدأ بفتح معسكرات تجنيد سرية وغير نظامية، بالتزامن مع توجيهه انتقادات للحكومة الفيدرالية

وفي هذا السياق، يقول المحلل السياسي الإثيوبي، جمال ناصر، لـ "حفريات": إنّ "مسؤول الأمن بالولاية، الجنرال أسامينيو تسيغي، هو من يشتبه فيه بالوقوف خلف المحاولة الانقلابية، وفق ما أوردت وكالات الأنباء"، وأضاف: "الغريب في الأمر؛ أنّ رئيس الوزراء، آبي أحمد علي، هو من أطلق سراح الجنرال أسامينيو، وعيّنه مسؤولاً للأمن في إقليم أمهرة، وقد كان معتقلاً منذ عام 2009 في عهد الرئيس الأسبق، مليس زيناوي، على خلفية اتهامه بالتخطيط لأعمال عنف وتهريب وتدبير محاولة انقلابية، وإن تعرّض للتعذيب الشديد داخل السجن حتى فقد عينه اليسرى وصار يُلقب بالجنرال الأعور".

 الجنرال سياري ميكونين

ويمضي ناصر مفصلاً: "إنّ كثيرين حذروا آبي أحمد من مغبة الأفراج عن الجنرال الأعور، لكنه لم يستمع إليهم فأطلق سراحه العام الماضي وأعاده إلى رتبته العسكرية وعينه مسؤولاً أمنياً رفيعاً، لكن الرجل ومنذ تولّيه منصبه الجديد بدأ في فتح معسكرات تجنيد سرية وغير نظامية، بالتزامن مع توجيهه انتقادات قاسية للحكومة الفيدرالية، وقد قال في خطاب له أمام حشد جماهيري، قبل أسبوع من الانقلاب، بمناسبة تخريج دفعة من القوات الأمنية: "شعب الأرومو يتمدّد وينتشر على حسابنا"، في إشارة لرفضه تولي آبي أحمد علي رئاسة إثيوبيا، كونه من شعب الأرومو".

سر الختم: أخشى أن تؤثّر محاول الانقلاب سلباً على السودان وأن تضع التطورات المبادرة الإثيوبية على كفّ عفريت

وكانت إثيوبيا أحبطت محاولة انقلاب فاشلة قتل فيها رئيس هيئة الأركان في الجيش الإثيوبي حين أطلق حرسه الشخصي النار عليه بعد ساعات من محاولة انقلاب في ولاية أمهرة التي قتل رئيسها المحلي أيضاً، وفق ما أعلنت الأحد متحدثة باسم رئيس الوزراء.

وقالت المتحدثة للصحافة إنّ "فرقة قتل" يقودها رئيس الأمن في أمهرة (شمال غرب) اقتحمت اجتماعاً بعد ظهر أمس السبت، فأصابت رئيس الولاية أمباشو ميكونين إصابة قاتلة وجرحت مسؤولاً كبيراً آخر، ثمّ بعد قليل قتل رئيس هيئة الأركان الجنرال سياري ميكونين من قبل حرسه الشخصي، في عملية وصفتها المتحدثة بأنّها "هجوم منسق".

إثيوبيا أحبطت محاولة انقلاب فاشلة قتل فيها رئيس هيئة الأركان في الجيش الإثيوبي

خشية سودانية

من جهته، عبّر الباحث السياسي السوداني والخبير في شؤون القرن الإفريقي، عادل سر الختم، عن خشيته من "تأثير ما حدث في إثيوبيا سلباً على الأوضاع الهشّة في السودان، وأن تضع التطورات الأخيرة المبادرة الإثيوبية على كفّ عفريت". وأضاف "أنّ هنالك اتجاهاً قوياً في المجلس العسكري الانتقالي خاصة من قبل نائب رئيسه، الجنرال حميدتي، برفض المبادرة الإثيوبية بالالتفاف عليها بحجة أنّ متغيرات مهمة حدثت بعد فضّ الاعتصام، وأنّ هنالك قطاعاً كبيراً من الثوار يقفون بجانب المجلس العسكري، لا بدّ من استيعابهم في المعادلة الجديدة التي لا ينبغي أن تستأثر قوى إعلان الحرية والتغيير بنصيب الأسد منها".

اقرأ أيضاً: هل ينجح "العسكر" في إدارة مرحلة انتقالية في السودان والجزائر؟

وأشار سرّ الختم، في حديثه لـ "حفريات"، إلى أنّ ذلك لو حدث؛ فإنّ الأوضاع في السودان "ستشهد تدهوراً كبيراً، وربما أفضت إلى صدام أكثر حدة ودموية بين المجلس العسكري والمحتجين الذين ما يزالون يواصلون مظاهراتهم بالعاصمة الخرطوم والولايات، وإن كانت بوتيرة أخف، لكن لا شكّ لديّ في أنّها ستتصاعد كلما تعنّت المجلس العسكري الانتقالي في قبول المبادرة الإثيوبية".

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد

ما بين أحداث إثيوبيا وأوضاع السودان

من جهتها، أرجعت الناشطة السياسية الإثيوبية، مِحرت أبرها، تطورات الأوضاع في إثيوبيا إلى "محاولة أمهرة السيطرة على الحكم في إثيوبيا مجدداً وبالقوة، وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وإن ذلك لن يحدث لأنّ ثمنه سيكون غالياً"، وقالت أبرها لـ "حفريات": "آبي أحمد، ورغم ما يثار حول خبرته الأمنية وحضوره الطاغي، إلاّ أنّه أثبت عكس ذلك، بميله إلى التحالف مع أمهرة على حساب شعب التيغراي، الذي لولا نضاله ضدّ حكم الاستبداد الأمهري، وإطاحته بنظام منغستو هيلي مريام، لما وصل آبي أحمد وشعب الأرومو إلى السلطة، لذلك كان الأجدر به أن يتحالف مع التيغراي، عوضاً عن الأمهرة،  على أن يصل بالبلاد إلى نظام ديمقراطي راسخ، ومن ثم يأتي إلى الحكم من تنتخبه الشعوب الإثيوبية".

اقرأ أيضاً: كيف تقرأ النخب الإثيوبية مبادرة آبي أحمد في السودان؟

أما بالنسبة لتأثر الوساطة الإثيوبية في الأزمة السودانية بتداعيات الأحداث في إثيوبيا، تقول أبرها: "فلا أرى علاقة بينهما، خاصة أنّ المحاولة الانقلابية فشلت فشلاً ذريعاً، وأنّ الأوضاع هادئة الآن، وقد عادت خدمة الإنترنت، وعاد الناس إلى أعمالهم في بحر دار؛ حيثُ دارت الأحداث، ولكن يبدو أنّ تعقيدات الأزمة السودانية تتسبب بها دول أخرى، عربية على الأرجح، وستكشف الأيام عن ذلك بشكل جليّ".


الصفحة الرئيسية