هلال رمضان وتسييس الرؤية

هلال رمضان وتسييس الرؤية

هلال رمضان وتسييس الرؤية


24/02/2026

 

فيما هو عام، لا يمكن قراءة الاختلاف حول الهلال بمعزل عن "تسييس الرؤية"، حيث تحول الموعد في كثير من الأحيان من قضية فلكية شرعية إلى أداة لإثبات التميز المذهبي. ففي بعض الأحيان تُعلن دولٌ مواعيد مختلفة لا لسبب تقني، بل لتأكيد استقلاليتها عن "التبعية" لمركز ثقل ديني مُعيّن، ممّا يجعل الهلال "رؤية سياسية" بامتياز. هذا التسييس يلقي بظلاله الثقيلة على الشعوب، خاصة في دول الاغتراب، حيث تجد الجالية الواحدة نفسها ممزقة بين "الولاء للوطن الأم" وبين "الواقع المحلي" في بلد الإقامة. إنّ إقحام التوازنات السياسية في عبادة الصيام يحوّل الوحدة الروحية المفترضة إلى أداة للمنافسة على الشرعية، وهو ما يستوجب ضرورة "تحرير الهلال" من التجاذبات السياسية، والعودة به إلى إطاره العلمي والشرعي الصرف، ليكون وسيلة لجمع الشمل لا لتفريق الصفوف بناءً على حدود جغرافية أو مصالح سيادية.

فاختلاف المسلمين حول العالم في تحديد غرة شهر رمضان ظاهرةٌ ناتجة عن تداخل "الاجتهاد الفقهي" مع "المعطيات العلمية" و"الاعتبارات الجيوسياسية". ويكمن السبب الأول في الانقسام المنهجي بين فريقين: فريق يرى في "الحساب الفلكي" وسيلةً قطعيةً تتجاوز أخطاء الرؤية البشرية، وتوحد الأمّة تحت تقويم عالمي منضبط، وفريق يتمسك بـ "الرؤية البصرية" المباشرة امتثالاً للنص النبوي، معتبراً أنّ ترقب الهلال جزء لا يتجزأ من روحانية العبادة.

وإلى جانب هذا الخلاف المنهجي تبرز قضية "وحدة المطالع" مقابل "اختلافها"؛ فبينما ترى بعض المدارس الفقهية أنّ رؤية الهلال في أيّ بقعة من الأرض تلزم المسلمين كافة بالصيام، تؤكد مدارس أخرى أنّ لكل إقليم جغرافي مطلعه الخاص، ممّا يشرعن وجود فروق زمنية بين القارات. ولا يمكن إغفال "البُعد السياسي والمذهبي" الذي يلقي بظلاله أحياناً على هذا الملف؛ حيث تميل بعض الدول إلى تأكيد استقلاليتها وقرارها السيادي من خلال إعلان موعد خاص بها، أو تتبع دولاً أخرى بناءً على تحالفات أو تقاربات معينة. وهذا التباين، وإن رآه البعض تشتتاً، إلا أنّه يعكس في جوهره مرونة الفقه الإسلامي واتساع رقعة العالم، محولاً ليلة الشك إلى حدث عالمي يترقبه مئات الملايين بقلوب متلهفة.

أمّا إشكالية "الاختلاف في البلد الواحد" حول بداية الشهر، فهي من القضايا التي تثير جدلاً واسعاً، وتعود بدرجة أولى إلى وضع المسلمين في الغرب وتعدد مرجعياتهم؛ فمنهم من يصوم تبعاً لبلده الأصلي، ومنهم من يصوم تبعاً لـ "مكة المكرمة"، ومنهم من يصوم تبعاً للبلد المقيم فيه. ويرى قطاع كبير من العلماء أنّ هذا التباين "غير مستحب" شرعاً وأنّه مرفوض اجتماعياً؛ لما يسببه من تشتيت لوحدة المسلمين وإرباك لتنظيم الشعائر الجماعية كصلاة العيد، التي تفقد بهجتها ورمزيتها حين تُقام في أيام مختلفة داخل الحي أو المدينة الواحدة. ومع ذلك يستند هذا الانقسام إلى وجهات نظر فقهية معتبرة، منها القول بـ "اختلاف المطالع"، حيث يرى اجتهاد فقهي أنّ لكل منطقة مطلعها الخاص، وهو ما يبرر تفاوت المواقيت حتى داخل الدولة الواحدة إذا اتسعت رقعتها الجغرافية.

علاوة على ذلك، يبرز مفهوم "الحرية الفقهية" كعامل حاسم، خاصة في ظل غياب "سلطة دينية مركزية" ملزمة للجميع في بعض الدول، وهو ما يجعل القرار رهناً بكل مسجد أو جمعية تختار مرجعيتها بناءً على قناعاتها. هذا المشهد يحول قضية الهلال من مسألة تعبدية محضة إلى تحدٍ تنظيمي؛ فبينما يتمسك البعض بالثوابت التقليدية، ينادي آخرون بضرورة تغليب "المصلحة العامة" ووحدة الصف، معتبرين أنّ الاتفاق على يوم واحد هو المقصد الأسمى الذي يقوي الروابط الاجتماعية.

ومع تسارع الخُطا التكنولوجية، دخلت قضية رؤية الهلال مرحلة جديدة من "التنسيق المؤسساتي" المتطور، خاصة في أوروبا التي تشهد توجهاً قوياً نحو تجاوز الخلافات. فقد أتاحت الحسابات الفلكية الدقيقة إمكانية التنبؤ بلحظة تولد الهلال قبل وقوعها، ممّا دفع هيئات إسلامية كبرى إلى تبنّي مشروع "التقويم الهجري الموحد". ولا يهدف هذا التوجه إلى إنهاء التشتت فحسب، بل يسعى إلى "تنظيم حياة المسلمين" بشكل يتناغم مع المؤسسات التعليمية وأماكن العمل، ممّا يسهل برمجة العطلات والأعياد بوضوح مسبق.

إنّ هذا التنسيق الرقمي يعكس وعياً بضرورة تقديم "خطاب إسلامي موحد" يجمع بين الحقائق العلمية والاجتهادات الفقهية المعاصرة. فبدلاً من ليلة الشك التي تثير اللغط، يقلل اعتماد "معايير موحدة" من الفجوات بين الجاليات، ويمنح الوجود الإسلامي ثباتاً تنظيمياً. ورغم استمرار بعض التحديات يظل "التنسيق التكنولوجي" الأداة الأقوى لتحويل هلال رمضان من نقطة اختلاف إلى رمز للوحدة والتقدم الحضاري الذي يجمع بين أصالة النص ودقة العلم الحديث.

ويبقى المقصد الأسمى من الصيام هو "التقوى" وتهذيب النفس، وهي غايات لا تتحقق بالدخول في صراعات فلكية أو سياسية تخرج العبادة عن سكينتها. إنّ التحلي بـ "المرونة" والوعي بأنّ هذا التباين هو اختلاف اجتهادٍ لا يفسد للودّ قضية، يضمن بقاء هلال رمضان رمزاً للبهجة والسمو الروحي، بعيداً عن ضجيج الجدل الذي قد يكدر صفو هذه الأيام المباركة.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية