هكذا فضحت الانتخابات الأمريكية انتهازية الإخوان

هكذا فضحت الانتخابات الأمريكية انتهازية الإخوان


04/11/2020

لا يعكس التحالف الانتخابي بين أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، في الولايات المتحدة، والمرشح الديمقراطي، جو بايدن، سوى إحدى صور الديناميات السياسية التي تبرز حجم الفاعلية والتحول الهائلين في رمال السياسة المتحركة، وتجعل المصلحة والأهداف المشتركة، العامل الثابت في ظل المتغيرات القائمة؛ إذ إنّ التصويت التقليدي، في عقود سابقة، من جانب الإسلامويين في أمريكا لصالح الحزب الجمهوري، لاسيما في مرحلة الحرب الباردة وحتى العام 2001، الذي شهد أحداث ما عرف بـ"غزوة منهاتن"، قد تبدل إلى الضد، كما هو الحال، في الانتخابات التي انطلقت، أمس الثلاثاء، بينما تدعم جماعات ومنظمات الإسلام السياسي المرشح الديمقراطي، وتعمد إلى الدعاية لخطابه وسياساته، بل وتحشد أصوات المهاجرين العرب والمسلمين له.

الإخوان في أمريكا.. قلق في المستقبل

تتصل إحدى المحطات الإشكالية والمثيرة للجدل بين الديمقراطيين والإسلامويين في أمريكا، بتدشين تشريعات لضبط نشاطهم، ووضع قيود على أعمالهم، خاصة المرتبطة بتمويل ودعم "أنشطة مشبوهة" تتعلق بالإرهاب، مثلما جرى في حقبة التسعينات من القرن الماضي؛ حيث عمد الرئيس الأسبق بيل كلينتون إلى وضع قانون لمكافحة الإرهاب، يضمن مراقبة الأنظمة المالية والتحويلات التي تتم من خلال الجمعيات الإسلامية، الخيرية والاجتماعية، والمرتبطة بتنظيم الإخوان المسلمين، كما جرى محاكمة عدد من الأفراد المتورطين في قضايا عنف، وإغلاق عدد من المؤسسات التابعة للجماعة، وهو ما كان مثار دعاية مضادة بعد ذلك في إطار المنافسة الانتخابية، استخدمه المرشح وقتها عن الحزب الجمهوري، جورج دبليو بوش، مطلع الألفية الجديدة.

وبينما شهدت الولايات المتحدة تغييرات عنيفة مع الحقبة السياسية الجديدة، منذ مطلع العام 2000، وتحولات جمة على أكثر من مستوى، إلا أنّ قضايا الإرهاب والإسلاميين والمهاجرين العرب، تعرضت بالتبعية، لنفس الدرجة، من التباين والحدة، وانتقلت المواجهة من التشريعات والقوانين إلى المكافحة الأيديولوجية، ومن ثم، انقلبت العلاقة بين الجمهوريين والإسلامويين، بصورة جذرية، حيث انتهى نموذج الرئيس الأمريكي، دونالد ريغان، الذي تحالف مع الإسلام السياسي، بل ودعمه، في إطار مقاومة الشيوعية، وذلك في مقابل التحفظ الشديد من جانب التيار الديمقراطي الذي نبذ تلك السياسة، الأمر الذي لم يتغير إلا مع عودة الديمقراطيين للحكم، في العام 2009، تحت إدارة باراك أوباما، حيث اعتمدت إدارته على الإخوان المسلمين، كما انفتح على الحوار معهم، وصنفهم ضمن الجماعات "السلمية والملتزمة باللاعنف".

بايدن وأحلام العودة للإسلاميين

وعليه، فإنّه من بين المخاوف التي يقع تحت وطأتها الإسلام السياسي في أمريكا، في إطار السياق الإقليمي والدولي، خلال العقد الأخير، وتحديداً إبان أحداث ماعرف بـ"الربيع العربي"، تتمثل في خشيتها من استمرار استبعادها، محلياً وإقليمياً، ورغبتها في إعادة التموضع من جديد، لإحياء نشاطها على خريطة الحركات السياسية، في منطقة الشرق الأوسط، لاسيما بعدما تم إجهاض مشروعها، السياسي السلطوي والأيديولوجي، في عدد من الدول؛ من بينها مصر، إضافة إلى تصنيف جماعة الإخوان ضمن المنظمات الإرهابية، وهي الإستراتيجية ذاتها، التي اصطف على أساسها دونالد ترامب منذ تولى رئاسة أمريكا، مطلع العام 2017، بعد انتهاء ولاية أوباما، وقد تبنى ترامب رؤية ردايكالية باتجاه تهميش دور الإسلامويين، ومكافحة أنشطتهم المتشددة، ومن ثم، اقتراح قانون بالكونغرس، لتصنيف الإخوان "جماعة إرهابية"، والذي قدمه السيناتور الجمهوري، تيد كروز.

في النصف الثاني من العام الماضي، قامت اللجنة الفرعية للأمن القومي، التابعة للكونغر، بعقد مجموعة من حلقات النقاش الداخلية، تحت عنوان: "التهديد العالمي لجماعة الإخوان المسلمين"

في النصف الثاني من العام الماضي، قامت اللجنة الفرعية للأمن القومي، التابعة للكونغرس الأمريكي، بعقد مجموعة من حلقات النقاش الداخلية، تحت عنوان: "التهديد العالمي لجماعة الإخوان المسلمين"؛ إذ تم تحليل بدايات نشأة الجماعة، والملابسات السياسية التي رافقت ظهورها، وكذا الأدوار السياسية والميدانية التي اضطلعت بها، خلال العقود الثمانية الماضية، إضافة إلى ارتباطاتها التنظيمية الخارجية، بهدف تحديد جملة المخاطر التي يمثلها التنظيم على المصالح الأمريكية، بصورة مباشرة، من ناحية، وتهديداته لباقي دول العالم، من ناحية أخرى.

مخاطر الإخوان

وبحسب معهد "هادسون" الأمريكي، المعني بقضايا الأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة، فإنّ جماعة الإخوان تعد بمثابة المرجعية الأولى لباقي التنظيمات المماثلة، وذلك على اختلاف مسمياتها وطبيعة نشاطها؛ حيث ساهمت من خلال أدبياتها وأفكارها، وحجم تواجدها في العديد من الدول العربية، بظهور العديد من التنظيمات، من بينها تنظيم القاعدة، المصنف على قوائم الإرهاب، لذا طالب الباحثون في جلسات الاستماع بالكونغرس الاستجابة لتصنيف الإخوان كمنظمة إرهابية، واتخاذ كافة الإجراءات القانونية والتشريعية ضدها.

كما دانت جلسات الاستماع بالكونغرس، دور إدارة أوباما في الانفتاح على جماعة الإخوان، وذلك على ضوء النتائج التي جرت في مصر، في الفترة بين عامي 2011و2013؛ إذ تعددت اللقاءات بين المسؤولين الأمريكيين وأعضاء جماعة الإخوان، خلال تلك الفترة، وحضر قيادات الجماعة للبيت الأبيض، في نيسان (أبريل) العام 2012، لمقابلة عدد من المسؤولين، ومناقشة الأوضاع السياسية والإقليمية، وقد كان مهندس تلك اللقاءات، الدبلوماسي الأمريكي، وليام بيرنز، والذي تولى منصب نائب وزير الخارجية الأمريكي، بينما غادر القاهرة في آب (أغسطس) العام 2013، عقب سقوط الجماعة من الحكم، وفشل جهود الوساطة لحل الأزمة السياسية، وقتذاك، والذي كان أحد المشاركين فيها.

د. هاني سليمان لـ"حفريات": هناك تقارير عدة تؤكد دعم التنظيم الدولي للإخوان لبايدن، وذلك حتى يتمكن التنظيم من النجاة من سياسات التضييق على حركات الإسلام السياسي

وعن خصوصية الانتخابات الأمريكية الحالية، يشير الدكتور هاني سليمان، مدير المركز العربي للبحوث والدراسات، مقره القاهرة، إلى أنّ الانتخابات الأمريكية تأتي، هذه المرة، في ظل تأزم جماعة الإخوان المسلمين، على المستويين الأيديولوجي والتنظيمي، ومواجهتها لاحتمالات القضاء نهائياَ على التنظيم، خاصة في ظل الانقسامات الحادة داخلياً، إضافة إلى إخفاق التنظيم الدولي في أكثر من دولة، وقد عمق نجاح الجمهوريين على حساب هيلاري كلينتون، ومجيىء ترامب للسلطة، من التأثيرات السلبية على أوضاع التنظيم، وتراجع أي دعم خارجي لهم؛ حيث كانت حقبة أوباما بمثابة فترة مثالية لهم.

اقرأ أيضاً: الانتخابات الأمريكية وأمن الخليج: اقترب موعد الحسم

ويضيف سليمان في حديثه لـ"حفريات": "هناك مؤشرات وتقارير عدة تؤكد دعم التنظيم الدولي للإخوان لبايدن، وذلك حتى يتمكن التنظيم من النجاة من سياسات التضييق على حركات الإسلام السياسي، وإعادة الأمل في رفع التشريعات المعلقة في الكونغرس، والخاصة بتصنيفهم كجماعة إرهابية، وهو ما يعني بصيصاً من الأمل، مرة أخرى، للتنظيم الذي خسر مساحات نفوذه، في الداخل والخارج".

الصفحة الرئيسية