نرجسيّةُ الأُدباء

نرجسيّةُ الأُدباء

نرجسيّةُ الأُدباء


26/02/2026

ترجمة وتحرير/ عبود الجابري

"أعتقد أنّ الكُتّاب هم أكثر الناس نرجسية. حسنًا، يجب ألّا أقول هذا، فأنا أحبّ الكثير منهم، والعديد من أصدقائي كُتّاب".

-  سيلفيا بلاث

يعتمدُ النرجسيون على أنفسهم بشكل رئيسي، إذ يسعون لتحقيق اكتفاء ذاتي يبدو مثالياً ظاهرياً، لكنّه في العمق يحمل غضباً داخلياً، شعوراً بالحسد، واحتياجاً شديداً للرعاية أو الإعجاب. فهناك جانب من الأنانية يظهر بشكل خاص في الطابع الفني، حيث يحتاج الكاتب لمساحة خاصة للإبداع، وغالباً ما نغرق في عوالمنا الداخلية ونستخدم ضمير المتكلم "أنا" بكثرة، متعاملين مع حالة دائمة من التركيز على الذات كوسيلة للعثور على الكلمات المناسبة وأسلوب التعبير الملائم.

ليست الكتابة مجرد فعل، بل هي رحلة لاستكشاف الذات، ومن أبرز الأمثلة على ذلك الكتابة الاعترافية التي تمثل تجسيداً مستمراً لعملية التحوّل والنضج. في هذا السياق تبدو النرجسية كمسار لا مفرّ منه؛ إذ تُمنح الأولوية للإحساس بالاستقلالية على حساب التردد أو الخجل، بينما يعمل الكاتب على ترسيخ علاقة متينة بين ذاته الخلّاقة والعالم المتفاعل المحيط به.

ويرى بعض المعالجين النفسيين أنّ النرجسية يمكن أن تكون صفة إيجابية ومهمة في مراحل معينة من الحياة، ومثلهم مثل العديد من الكتّاب، يستمد النرجسيون قوتهم من الانسجام مع محيطهم، إذ يرون العالم من حولهم على أنّه انعكاس وامتداد لذواتهم المتشابكة مع هذا المحيط الحيوي.

تتمحور النرجسية حول وضع الذات في مقدمة الإدراك بدلاً من أن تختفي في الخلفية، وهذا التأمل العميق في أوجه الحياة هو الذي يمنح الكتّاب القدرة على إنتاج أعمالهم. لاختبار مدى اتساع الخيال، ولاستكشاف روعة اللغة، وللتعمق في جوهر التجربة البشرية كما تجسدها الكلمات، نجد أنفسنا بحاجة إلى قضاء بعض الوقت داخل متاهة المرايا. حتى وإن كانت مجرد لحظة مؤقتة، فهي ضرورية لترسيخ الإلهام وتغذيته. يجب أن نركز على ذواتنا أوّلاً ككتّاب، فإنّ عجْزَنا عن فهم أنفسنا، سيجعل من الصعب علينا فهم الآخرين: 

"علينا الآن، أن ننقب في الجذور,

 أن نُلامس الوحل،

أن نُحدّق، كنرسيس ذي العينين الواسعتين، في ربيع ما

هو أمرٌ لا يليق بالكرامة الناضجة.

لذلك أُكتبُ القوافي لأرى نفسي

 وأجعل صدى الظلام يتردد".

-  شيموس هيني، "هيليكون الشخصي"

في قصيدته "هيليكون الشخصي" يكشف الشاعر هيني عن دوافعه العميقة لكتابة الشعر، مبرزاً رغبته في "جعل الظلام يتردد صداه"، وهو ما يشير إلى أهمية مواجهة المخاوف الشخصية والسماح لها بأن تتجلى بشكل مؤثر. يسترجع ذكريات طفولته مع بئر في أيرلندا، هذه البقعة التي اكتسبت الآن، وهو على أعتاب النضج، انعكاساً أعمق يشكل مصدر إلهام له. يتصل جبل هيليكون، التل المقدس الذي استُمد منه الإبداع عبر التاريخ، بشعوره الداخلي، ليغدو رمزاً للإلهام الشعري الذي يغذي تأملاته. 

ويعتمد "هيني" في رحلته التأملية على اندماج حواسه الخمس، حيث يصوغ صوراً تعبّر عن تجربته الحسية بأسلوب فريد. فهو يستخدم التشابك بين الحواس ليستدعي أجواء غنية بالتفاصيل ـ صوت يثير صورة، وصورة تستحضر لوناً، واللون يقود إلى رائحة ـ حتى تصبح الفكرة محسوسة بشكل كامل لكل من القارئ والكاتب على حد سواء. بئر الإلهام الذي ينهل منه الشاعر يُترجم إلى مزيج من الانعكاس الداخلي والصدى الغامض، مشكّلاً مصدراً للطاقة الإبداعية التي تدفعه إلى التعبير عن ذاته من خلال الكلمات.

حاجة النرجسي للاعتراف

تُعيد الكتابة الاعترافية صياغة التجربة الإنسانية من حالتها الخام إلى سياق أكثر تنظيماً يعزز الترابط الفكري، حيثُ تفرض ثقافة الكتابة تركيزاً قوياً على تمجيد الذات وترويج الشخصي كوسيلة لتحقيق النجاح، بينما يُهيئ العصر الرقمي، من خلال منصات التواصل الاجتماعي، بيئة تعزز الكتابة الاعترافية والغوص في طابعها الجدلي والتعبير الشعري العلني، ويمكن لهذه المنصات تسريع انتشار المحتوى، كما أنّها تُسهم في تعزيز إدراك الفرد لذاته في إطار اجتماعي أقلّ عزلة وانقساماً وأكثر ارتباطاً بالآخرين بصورة تكاد تكون حتمية.

وفقاً لنظرية فرويد حول النرجسية، تُعتبر النرجسية خطوة طبيعية في مراحل الطفولة، إذ يسعى الطفل خلالها إلى تكوين صورةٍ ذاتية للأنا، ولاحقاً تتحول الطاقة الجنسية النرجسية لما هو خارج الذات، إلا أنّ فرويد يُقرّ بوجود جانب من حب الذات في كل علاقة عاطفية ناضجة، حيثُ تصبح النرجسية حالة غير طبيعية فقط عندما يتركز الانجذاب الجنسي على الذات بشكل مفرط، أي عندما تنسحب الطاقة الجنسية من الواقع الخارجي لتعود إلى الأنا الداخلية. هذا الميل يظهر بشكل خاص في العصر الرقمي، حيث يتجلى غالباً من خلال تبنّي شخصيات وهمية أو بديلة عبر الإنترنت، بدلاً من التعامل مع الشخصية الحقيقية بصورة مباشرة.

ولا يمكن للمرء أن يصدر حكماً شاملاً على ما يثير انزعاج الآخرين، خاصةً عندما يتعامل الأمر مع الكتابة والتعبير الشخصي، حيثُ يُعرف عن الكُتّاب أنّهم غالباً ما يتحركون بدافع اللحظة، حين تُترجم الأفكار والمشاعر في الزمن الحالي بصورة مباشرة ودون عناء تأمل طويل. ومع ذلك، فإنّ ما يُنشر لا يمكن محوه أو التراجع عنه، ممّا يجعل الكتابة عملاً ذا تداعيات طويلة الأمد.

وتسعى هوية الكاتب النرجسي عادةً إلى فك رموز الهويات الأخرى، حيث لا وجود لشخصية ثابتة أو مستقرة، ولكن تتكرر أنماط محددة من العلاقات ومعالجة التجارب التي يعيشها هؤلاء الكُتّاب النرجسيون. في المقابل يميل البعض خارج هذا النمط إلى تقبُّل الواقع كما هو، دون محاولة تفكيكه أو تحليله بشكل مُبالغ فيه.

 في إطار الحركة النسوية، يظهر طريق النساء كرحلة تجمع بين المعاناة والانتصارات، حيث تُكرّس شخصية "الفتاة المتحررة" النمطية كامرأة غامضة وفاتنة تلفت الأنظار بطرق مُلفقة. لكن ماذا عن الإفراط في تصوير المرأة كعنصر جنسي؟ عندما يتحول صوتها إلى وجه وجسد ويكسب شكلها بُعداً جماليّاً يغذي ثقافة الإعلان السلعية. في هذه الدوامة التي تنبع من تقنيات الترويج الذاتي المستمرة، تصبح المرأة جزءاً من صورة تم استهلاكها تحت عنوان الجاذبية. ورغم محاولاتها التحرر وإبراز الأنوثة على نحو يعكس قوة واستقلالية، يبقى السؤال: ما الذي يتم إخفاؤه وما الذي يُكشف؟ وبين طيف الغرور والرغبة في حضور الصورة، إلى أيّ حد يمكن للنساء السيطرة؟ حينما تظهر المرأة بجرأة وسلاسة لتلفت الأنظار وتطالب بحضورها الذي ترى أنّه حقها الطبيعي، قد تنقلب تلك المواقف أحياناً إلى ما يخلف انطباعات جارحة أو ساخرة. ألم يكمن السحر والجاذبية في الغموض؟ في ذلك الشعور بالفقدان الجزئي، حيث لا تُستعاد الصورة بالكامل؟ هذا الغموض ربما كان مصدراً أكثر قدرة على جذب أولئك الذين يسعون دائماً لرضا الجمهور من خلال تسليط الضوء على ذواتهم.

يمكن للنرجسية في الكتابة أن تلعب دوراً معقداً يتراوح بين تعزيز السلطة وتفكيك الصور النمطية، أو حتى تسليط الضوء على الجوانب الجنسية. ومع ذلك، فإنّ الأثر الحقيقي لهذا النهج يُثير التساؤلات ولا يكون دائماً إيجابيّاً. في سياق التحليل النفسي، غالباً ما تُعدّ النرجسية ظاهرة غير متكيفة ومُدانة؛ إذ كان فرويد، على سبيل المثال، يرى فيها تعبيراً عن اضطراب، وحتى أنّه ربطها بالمثلية الجنسية باعتبارها نتيجة لما سمّاه "حب الذات". لكنّ المفارقة تكمن في أنّ النرجسي ذاته لا يقف عند حب جنس واحد فقط. هذه التناقضات العميقة هي التي تُحرّك الكاتب، معبرة عن حيرة متأصلة تجاه الواقع وما يحمله من إشكاليات. ومن هنا تنبع موهبة كتّاب الخيال، فهي تمتد إلى قدرتهم على بناء العوالم ورسم الشخصيات بثراءٍ يُجسّد التداخل الدائم بين التخيّل والواقع.

أمّا الكتابة بحدّ ذاتها، فهي عملية تتطلب نوعاً من الوعي الذاتي الذي قد يحجب التركيز على الآخرين، إذ تصبح الأنا مركزاً للتأمل والتحليل. وتُعتبر الكتابة وسيلة عميقة لتوثيق التجربة الإنسانية، بمعانيها وعواطفها وأبعادها المختلفة. ولكنّ السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما الذي يجعل الكتّاب يظنون أنّ رؤيتهم الخاصة جديرة بالاهتمام؟ الجواب يكمن فيما يحملونه من جرعة نرجسية "كافية"، تمنحهم الجرأة للإيمان بأهمية أصواتهم ودافعاً لنشر أفكارهم، ويتموج أسلوب الكتّاب في نصوصهم بين التأملات المستمرة والرغبات والمخاوف التي تتحول لعوالم قد تبدو بعيدة أو عصية على الإمساك بها، ممّا يجعل الكتابة انعكاساً لعقل يتأرجح بين السكينة والاضطراب.

وفي سياق آخر، يتناول فرويد "النرجسية الصحية" بوصفها انعكاساً لإعجاب الوالدين وتعزيزهم ثقة الطفل بنفسه، وهو ما يُحفّز السعي لتحقيق الطموحات بطريقة بناءة. ومن هذا المنظور يمكن تصور نرجسية إيجابية تخالف تلك الشهوانية التي لا تراعي مشاعر الآخرين. لكن على الجانب المظلم، أشار فرويد إلى أنّ الجروح النرجسية غالباً ما تكون نتيجة الإهمال أو الإساءة من قِبل الوالدين؛ إذ يلجأ من يعانون هذه الجروح إلى حب الذات كوسيلة للاستمرار. ومع ذلك قد يحمل هذا النمط مشاعر الحسد والمبالغة في تقدير الذات، وقد يؤدي إلى الاكتئاب أو الإحساس بالفراغ عند مواجهة الضعف أو الإخفاق.

يقعُ الكتّاب ذوو الميول النرجسية غالباً ضحية لصراع داخلي مُضنٍ يتأرجح بين القلق وعدم الرضا عن الذات. يعيشون في حالة مستمرة من الجدال بين الحب الذاتي وكراهيته، ويبقون أسيري تلك المعركة النفسية. ولعل هذا الصراع، على شدته، هو ما يمدّ أقلامهم بالوقود اللازم لاستنطاق ما لا يُقال وترجمة الرعب أو اليأس الذي يحتلهم عندما تبرز تفاصيل النقص والتقصير إلى السطح:

"كل شاعر حقيقي هو نرجسي، لأنّ الشاعر الحقيقي متأمل ومبدع. الله هو نرجس. الرجال الذين نصبوا أنفسهم آلهة - المسيح وبوذا - هم نرجسيون. وهذا منطقي، لأنّ ما يحاول الشاعر فعله هو خلق عالمه الخاص، وبالتالي ينظر إلى نفسه في العالم؛ ليس في ماهيته، بل في كل الطبيعة، الأرض والنار والهواء وكل شيء آخر".

 - خوان رامون خيمينيز 

يستمد نرسيس إلهامه من توقٍ عميق إلى الجمال، جمال لا يمكن للإنسان أبداً أن يمتلكه أو يحتويه. هذا الشوق ذاته يعبّر عن محنة الكاتب الذي ينخرط بلا كلل في عملية رسم الخرائط الفكرية وجمع المواد، محاولاً التقاط العالم من حوله. إنّها محاولة للعيش فيه، لاحتضانه، ولإعادة خلقه من خلال الكلمات. على الرغم من أنّ نرسيس ينهار تحت وطأة افتتانه بنفسه، فإنّ الكاتب كذلك يحتاج إلى المرور بمعاناة وجودية لينبعث ثانية في العملية الإبداعية. الكاتب يتحول في هذا السياق إلى وعاء يعكس التجربة الإنسانية، فيسعى إلى التعبير عن آلام الجرح وتحويلها إلى كلمات ومعانٍ.

المصدر:

poetryschool.com

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية