مومياء يويا وتويا: هل اكتشف المصريون جثمان النبيّ يوسف؟

مصر

مومياء يويا وتويا: هل اكتشف المصريون جثمان النبيّ يوسف؟


14/10/2019

بعد أن حلّت مقبرة الملك توت عنخ آمون مكانة كبيرة في نفوس علماء المصريات، تمّ رفعها من العرض المخصص في المتحف المصري بالقاهرة، لتحلّ محلّها مقتنيات مقبرة الزوجين "يويا وتويا"، التي تشمل مومياواتهما، المكتشفة قبل مقبرة الملك توت بسبعة عشر عاماً.
يجمع العلماء على أنّ يويا، مستشار الفرعون، كان شخصية استثنائية في حكم الأسرة الثامنة عشرة، لدرجة دفعت بعض الباحثين إلى طرح نظرية تثبت أنّ يويا هو نفسه النبي يوسف بن يعقوب، الذي ورد أثره في التوارة والقرآن الكريم.

صورة من قبر يويا وقت اكتشافه 1905

شفرات الكتب المقدسة
حفل كلٌّ من العهد القديم والقرآن الكريم بقصة النبي يوسف، عليه السلام، وإخوته وأبيه يعقوب، عليه السلام، حتىّ إنّ القرآن الكريم نزل بسورة كاملة تروي قصة النبي يوسف، عليه السلام، ورحلته إلى مصر، التي مكث فيها حتى وفاته، ووفق العهد القديم، الذي تتشابه سرديته مع القرآن الكريم في قصة النبي يوسف، عليه السلام، ومن الرواية التوراتية والقرآنية، حاول كتاب "غريب في وادي الملوك"، للباحث المصري في علم المصريات، أحمد عثمان، تقديم نظرية جديدة، تفيد بأنّ يويا المكتشف قبل أكثر من قرن، هو نفسه يوسف الصديق، أبو الفرعون، الذي قدمته الكتب المقدسة، ليدلل عثمان في أطروحته على وجود وزير قد دفن في مقابر الملوك، إنّما يدل على أنّه شخص استثنائي، كما أنّ الاسم الغريب عن اللغة المصرية، ينفي أنّه من أبناء البلد، إضافة إلى عدم ثقب آذان المومياء، على عكس المعهود من آثار الفراعنة، وما زاد شكوك الباحثين، كان خلوّ المقبرة من أيّة نقوش ورسومات تكشف بسهولة أصحاب المقبرة، إضافة إلى الحالة المثالية التي وجدت عليها المومياء، فالجسم والشعر بحالة جيدة جداً، وهو ما أضاف الغموض حول هوية المومياوات.

اقرأ أيضاً: بالصور: الفرعون الحائر يصل محطته الأخيرة

صورة الزوجين وتعكس الشعر بحالة جيدة

إضافة إلى الجثامين؛ حظيت مقتنيات المقبرة باهتمام الباحثين، والتي لم تكن بالكثيرة، سوى عجلة حربية، والتي لا توجد في قبر رجل عادي، وقلادة من الخزرات الكبيرة مصنوعة من الذهب واللازورد، وبعض الخيوط القوية، يبدو أنّ الخيط تمّ كسره بواسطة اللصوص، إضافة إلى بعض المقاعد الخشبية والأثاث الجنائزي، وتوابيت المومياوات التي نقش عليها اسم يويا، بأحد عشر إصداراً من الاسم، باللغة المصرية القديمة، وهنا يطرح عثمان فرضية أنّ الاسم الذي ينقش على قبر أحدهم هو اسم الإله الذي يرعى الميت، وهو ما لم يوجد في قبر يويا.

اقرأ أيضاً: الفراعنة إذ يقتربون من أخلاق الإسلام: قراءة في وصايا الحكماء

تقدم نظرية أحمد عثمان، التي أيدها كثير من الباحثين الأوروبيين، طرحاً يتماس مع الدين

بين المقدَّس والنظري
تقدم نظرية أحمد عثمان، التي أيدها كثير من الباحثين الأوروبيين، طرحاً يتماس مع الدين، فيما تتعالى صيحات المجتمعات المتدينة رفضاً لتلك النظرية، بينما يحاول هو التوفيق بين التواريخ المقاربة لوجود يويا، مع فترة حياة النبي يوسف، عليه السلام، بمصر، وهو ما يرفضه تيار واسع من علماء المصريات، المسلمين بشكل خاص، كون ما يقدمه يدحض القداسة الدينية التي تعلي من الأنبياء؛ حيث إنّ الأرض لا تأكل أجسادهم، وكونها لا تستند إلى نصّ قرآني أو توراتي صريح، يحدّد متى ومع من عاش يوسف الصديق بمصر، إلّا أنّ الرواية التوراتية التي تخبرنا بأنّ النبي يوسف قضى نحبه وهو ابن 110 أعوام، وهو ما ينطبق على الجثة، بحسب كلام إليوت جرافتون سميث، أحد القائمين على تشريح مومياء يويا، فالرجل لم يمت وهو أقل من الستين؛ إذ كان متوسط الأعمار آنذاك 35 عاماً، وهو ما جعل المصريين يعتقدون أنّ الشيخوخة رمز للحكمة، ويقدسون أصحابها، فيما كتب عن يويا على البرديات المصرية؛ أنّه "الحكيم الوحيد الذي يحب إلهه"، فالشيخوخة إنّما كانت رمزاً للقداسة.

يويا وابنته تي

ومن موقع الأحداث التوراتية التي وقعت في طيبة عاصمة مصر العليا، ذات البوابات المئة، التي حكاها الشاعر اليوناني، هوميروس، وأخبر يعقوب أبناءه عنها في العهد القديم، عاش يويا برفقة زوجته، وابنته "تي"، والتي ستنجب لاحقاً "أخناتون"، أول من نادى بالتوحيد في مصر القديمة، وابن امنحتب الثالث الذي عيّن يويا مستشاراً له وقائداً للجيش والجنود، ويروي سيجال؛ أنّ المقبرة كانت تحتوي على ختم فقد لاحقاً، منقوش عليه "أبا الفرعون"، وهو اللفظ الذي منحه حاكم مصر ليوسف الصديق، كما نصّت التوراة أيضاً على العجلة الحربية التي استقبل بها النبي يوسف إخوته، وقد وجدت في قبره، وهنا حدث اللغط بين علماء المصريات الذين اعتقدوا أنّ ملوك الهكسوس الذين حكموا مصر هم أول من أدخل العجلة الحربية، وهو ما لم يكن صحيحاً؛ حيث تمّ التنقيب عن كلّ مواقع الهكسوس في دلتا النيل، ولم يُعثر على أيّ أثر لعجلات حربية، إلّا بقدوم الأسرة الثامنة عشرة، التي طردت الهكسوس وقدّمت العجلة الحربية للمصريين.
مغالطات التاريخ
يبدو أنّ الباحثين الأوروبيين وجدوا في نظرية عثمان قصة أكثر تشويقاً، تجعلهم يؤيدونها وبشدّة، وبحسب مدرّس التاريخ والآثار الفرعونية بجامعة الإسكندرية، الدكتور أحمد حمدي حسين، في تصريحه لـ "حفريات"؛ "كل من يويا وزوجته مصريان من منطقة إخميم بسوهاج، وقد نزحا للإقامة بالعاصمة طيبة؛ إذ كان يويا يعمل كقائد للعجلات الحربية للملك امنحوتب الثالث، وعملت تويا رئيسة للحريم الملكي لقصر الملك، وابنتهما "تي"، التي تزوجها الملك فيما بعد، كان لها من النفوذ في القصر ما جعل السفراء يفضّلون التواصل معها على التواصل مع الملك نفسه، وخُصّص لها مركب، وقد اشتهر الملك امنحوتب بأنّ البلاد انتعشت في حكمه، كما لم تنهض قبل، وبعد أن أنجبت الملكة تي ابنها أخناتون، الذي نادى بتوحيد الآلهة، إلّا أنّ والدته لم ترق لها الدعوة التي ستنتقص من نفوذها الكبير.

حفل العهد القديم بقصة النبي يوسف وإخوته وأبيه يعقوب حتىّ إنّ القرآن الكريم نزل بسورة كاملة تروي القصة والرحلة إلى مصر

رحل أخناتون إلى تل العمارنة في المنيا، وأقام فيها حتى مماته، أمّا يويا، فكان وزيراً استثنائياً وحامل أختام الملك، وذلك بفضل ذكاء زوجته وابنته التي أحبّها الملك لشدّة ذكائها".
ويستطرد الدكتور حسين: "القرآن الكريم والكتب المقدسة هي للحكمة والعبرة والعظة، ولا يجوز أن نحاول إثبات كل ما أتى فيها، أمّا ما يقدمه عثمان فأعتقد أنّ لا أساس له من الصحة، فيويا هو اسم مصري، كما زوجته المصرية وابنتهما التي تزوجّت من الملك هي السبب في أن يصبحا أصحاب مكانة استثنائية عند الملك، لا أنّه نبيّ، كما يزعم عثمان، وأكبر دليل على ذلك؛ أنّ المقبرة لم تتضمّن أشياء عظيمة كمقابر الملوك، وإنّما هي مقابر لشخوص عاديين، عاشا في رحاب البلاط الملكي، ويحاول عثمان أن يثبت أنّهما عاشا في عصر الهكسوس، والحقيقة أنّ الفارق بين وجودهما يقارب المئتي عام، ما ينفي ادّعاءه".

الصفحة الرئيسية