من يوم المرأة إلى عيد الأم: الكرنفالات النسائية.. إلى متى؟

من يوم المرأة إلى عيد الأم: الكرنفالات النسائية.. إلى متى؟

مشاهدة

29/03/2020

رغم الصعوبات التي تواجهها النساء في المجتمعات المتخلّفة، وخاصة في الأوساط الفقيرة؛ من هدر لحقوقهن ومطالبتهن بأداء واجباتهن رغم ذلك، إلاّ أنّ هؤلاء النساء أنفسهن فرحات بالمنّة الذكورية، التي تُقدّم لهن في عيد المرأة وعيد الأم، مع أنّ المنشأ المنسي لهذين العيدين كان كفاح النساء في سبيل المساواة والحرية، على مدار عشرات الأعوام؛ فقد جاء عيد المرأة أو اليوم العالمي للمرأة، بعد نضال نسوي متواصل، ويعرف الجميع كيف تقرّر عالمياً، وكذلك عيد الأم الذي احتفلت به الأمريكية "أنّا" لأول مرة في أوائل القرن العشرين. لكنّ السلطات الأبوية استغلت تلك المناسبات وجعلتها أعياداً عالمية ذات طابع رمزي، تنتهك تحت رمزيتها وشكلياتها حقوق النساء، ويُهدر وجودهن الإنساني، فلطالما حالَ تغوّل السلطوية الذكورية دون تحقيق العدالة والمساواة بين الرجل والمرأة أو بين "الذكر والأنثى".

المنشأ المنسي لعيد المرأة وعيد الأم، كان كفاح النساء في سبيل المساواة والحرية على مدار عشرات الأعوام

لو أمعنّا النظر في الحقوق المدنية للمرأة، ثم في الحقوق السياسية التي تتمتع بها النساء بالفعل، لبدت هشة وهزيلة في ظل الممارسات التمييزية ضد الإناث؛ بدءاً باستثنائهن من منظومة حقوق الإنسان وانتهاءً بدكتاتورية العادات والتقاليد، ولبدت جميع الأعياد مناسبات مبتذلة ونافلة، تُكرّس الصورة النمطية للمرأة والدور الاجتماعي المنوط بها، ومن ثم تكرّس السلطة الأبوية في جميع المجالات السياسية والاجتماعية والدينية. وإن لم تستنر المرأة ذاتياً؛ أي ما لم تتحرّر من قصورها الذاتي بالمعرفة والثقافة والسلوك والعمل المبدع؛ ستبقى هي الحلقة الأضعف في المجتمعات، تستعيض عن تهميشها واستغلالها باحتفالات رمزية وشكلية تحطُّ من شأنها وتُعزّز دونيتها، بدلاً من الاعتراف بها باعتبارها "إنسانة" ذات كيان حر ومستقل.

اقرأ أيضاً: المرأة... الوردة المظلومة في يومها!
إنّ كل تأطير لمفهوم ما؛ هو تحجيم وتصغير لمضمونه؛ فما الاحتفالات النسائية إلاّ تحجيم لدور المرأة في الحياة العامة، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وعودة إلى تكريم آلهات الخصب؛ أي إعادة إنتاج التقاليد الأسطورية والدينية معاً؛ وذلك لحصر دور المرأة في الأعمال المنزلية والإنجاب وتربية الأطفال، مع أنّ الإنجاب ليس وظيفة، وليس دوراً اجتماعياً؛ إنما هو حالة بيولوجية طبيعية، بينما التربية والرعاية هي أدوار اجتماعية يفترض أنّها من مسؤولية المرأة والرجل على حدٍ سواء، والقيام بهذه المسؤولية المشتركة من شأنه أن يؤسس للمساواة بين الرجل والمرأة في المجالات العامة الاجتماعية والسياسية والثقافية.

اقرأ أيضاً: هل تمكّنت الاجتهادات النسوية من تجاوز موروثات صورة المرأة؟
ويعتبر أي تكريم للمرأة؛ تكريماً رمزياً مقابل كينونتها الإنسانية، التي لا تتجلى إلّا بالمشاركة الحُرّة والمبدعة في الحياة العامة، وفي المؤسسات الخاصة والعامة، لا سيما المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية؛ كي تُسهم في وضع تشريعات وقوانين عادلة ومُنصفة، تُمثّلُ تعبيراً حقوقياً عن المساواة والحرية؛ فإنّ القانون الذي يحط من شأن المرأة ويعتبرها مواطنة من الدرجة الثانية، لا يُجابه إلا بقانون منصف يعترف لها بإنسانيتها ومساواتها بالرجل، ويؤسس لعقل جمعي جديد، ينفي العقل الجمعي التقليدي الذي يعيد إنتاج الموروث بأساليب منمّقة من نوع؛ "المرأة نصف المجتمع"، المرأة أم وأخت وزوجة وابنة" وغيرها من الترانيم التي تجعل المرأة متماهية بالتبعية والانزلاق في هاوية التكريم المصطنع.

اقرأ أيضاً: التشريع والمرأة في مصر: هل قدمّت الدساتير حلولاً لمشكلات النساء؟
ولا يمكن للسلطات الاستبدادية أن تتحكم بالأفراد والجماعات وأن تُخضِعَ المجتمع وتحوّل الدين إلى أداة سياسة، إلاّ حين تفرض سلطتها الاستبدادية على العقل الجمعي ليتجذّر فيه فسادها بغير شعور أو بغير وعي من الأفراد والجماعات، وقد لاحظ ذلك الباحث السوري جاد الكريم الجباعي في كتابه "فخ المساواة"، إذ قال؛ "للطاغية عقل فاسد وضمير فاسد، ولذلك يقترن الطغيان بالفساد، وهذا الأخير هو الوجه الأخلاقي للطغيان. وعلى النقيض من ذلك؛ يُعدّ القانون عقلاً وضميراً جمعياً، حيث يُؤسَسُ كلاهما على عقل الفرد وضميره، كما يتجليان في علاقاتها وعلاقاته بالأخريات والآخرين؛ إذ إنّ العقل والضمير الجمعي يمثلان المبادئ العملية والأخلاقية التي تنطوي عليها هذه العلاقات، في زمان ومكان محددين، وهي قابلة للنمو والتطور والتغير".

اقرأ أيضاً: كيف سعت أدبيات الإخوان لتشكيل عقل المرأة؟
إذن؛ جميع السلطات في المجتمعات المتخلفة هي سلطات طاغية وفاسدة، وإلاّ لماذا تُسنُ قوانينها على شاكلة طغيانها فيما يتعلق بالمرأة على وجه الخصوص؟ وإذا عملت في الحقل السياسي تُقيّد مشاركتها بنسبة مئوية ضئيلة "الكوتا"، مقابل النسبة العظمى التي ينالها الرجال، كما لا يحق للأم منح جنسيتها لأبنائها، ومع ذلك تستمر الكرنفالات النسائية بقوة.
لا تكمن المشكلة الآن في المجتمعات الذكورية والسلوك المجتمعي الذكوري فحسب، بل تكمن أيضاً في المرأة نفسها التي تستبطن السلطة الذكورية، وتتمسك بولائها للصورة النمطية التي صورّها وأطّرها بها المجتمع الذكوري والنظام الاجتماعي والسياسي القائمان على التمييز والإقصاء، من ثم؛ في استسلامها للقوانين المُجحِفة بحقها، مع أنّ المرأة في الوقت الراهن دخلت سوق العمل بقوة، وفي القطاعات الخاصة غير التابعة للدولة على وجه الخصوص، لكنها مُستَغلة فيها كما هي مُستَغلة في قطاع الدولة من حيث الجدارة والاستحقاق.

إذا عملت المرأة في الحقل السياسي؛ تظل مشاركتها مقيدة بنسبة مئوية ضئيلة تسمى الكوتا مقابل النسبة العظمى التي ينالها الرجال

قد نستثني المرأة التونسية التي اجتهدت بالعمل على تغيير القوانين المجحفة بحقها، والحكومة التونسية أيضاً التي تفوقت على ذاتها بتفوقها على التقليد السائد والموروث الاجتماعي، وكذلك المرأة المصرية التي حازت أيضاً على حقها في تسجيل أبنائها باسمها ومنحهم الجنسية المصرية عند زواجها بأجنبيّ، أولئك النساء إذا ما احتفلن بالأعياد المنسوبة للمرأة، فهن قد تجاوزن مرحلة انتهاك حقوقهن، بالوعي والمعرفة اللذين يحددان وجودهن الإنساني وكينونتهن وحريتهن واستقلالهن عن التبعية الذكورية، فلم تعد المرأة في تونس "نصف المجتمع" ولا "زوجة وأخت وأم"، إنما أصبحت فرداً من أفراد المجتمع الحر، مساوية للرجل في الحقوق المدنية والسياسية، لها ما له من حقوق وعليها ما عليه من واجبات.

اقرأ أيضاً: النسوية الإسلامية والسينما: هل ارتقى الفن السابع بقضايا المرأة؟
على الرغم من انفتاحهم على العالم الحديث؛ لم ينج عقل الشباب من الذهنية الجمعية التي جذّرتها السلطات الأبوية، فقد قرأت تعليقاً على وسائل التواصل الاجتماعي لأحد الشباب على صورة لطبيبة مخبرية أخطأت في تحليل مخبريّ؛ "لو أنها بقيت في المنزل وتعلمت حفر الكوسا ثم احتفلت بعيد المرأة، ألم يكن أفضل لها من مهنة الطب"، فهل الرجال لا يخطئون؟

الصفحة الرئيسية