"أخبار النساء" بين ابن الجوزي وابن قيم الجوزية

"أخبار النساء" بين ابن الجوزي وابن قيم الجوزية

مشاهدة

31/10/2019

استأثرت (أخبار النساء) وما زالت تستأثر، بعناية قطاع واسع من الرّجال والنساء، ولم تقتصر هذه العناية على العرب قديماً وحديثاً؛ بل امتدت وما زالت تمتد لتشمل العديد من الشعوب والقوميات، بل لتشمل غير قليل من المفكّرين والأدباء الذين أنفقوا كثيراً من أوقاتهم لفهم المرأة وجلو أسرار تفكيرها ورصد ردود أفعالها، إلى درجة أن بعضهم جعل من المرأة لغزاً عصيّاً.

اقرأ أيضاً: الثنائيات الضدّية المزيّفة في الثقافة العربية
ولعل كتاب (أخبار النساء) المنسوب تارة لابن الجوزي وتارة لابن قيّم الجوزية، يمثل واسطة عقد الموسوعة العربية الخاصة بالمرأة وأحوالها في العشق؛ فهو يعرض لأوصافها الجسدية والمعنوية، فضلاً عن صور من وفائها ومسوّغات غدرها وعبثها وغيرتها وتمرّدها، ويكاد يستغرق في هذا العرض كل شرائح النساء انطلاقاً من مسلّمة غير مكتوبة مؤداها: المرأة هي المرأة... قدّيسة كانت أم غانية.

يمثل الكتاب المنسوب تارة لابن الجوزي وتارة لابن قيّم الجوزية واسطة عقد الموسوعة العربية الخاصة بالمرأة وأحوالها بالعشق

على أنّ مما يحفظ الباحث المدقّق، أن تمر نسبة تأليف الكتاب مرور السّحاب، مع أنّ عرض مضمونه وأسلوبه، على مجمل مؤلّفات ابن الجوزي وابن قيّم الجوزية، لا يمكن أن يستقيم لنا معه التسليم بهذه النسبة العجيبة؛ فكل من قرأ الكتاب وتملّاه شكلاً ومضموناً، لا يملك إلا أن يقطع باستحالة نسبته للاثنين؛ فابن الجوزي (ت 510هـ) فقيه ومحدّث ومفسّر وخطيب وواعظ طبّقت شهرته الآفاق، حتى استفاض ابن جبير في وصف مجالس وعظه التي كان يؤمها آلاف مؤلّفة من أهل بغداد، وإذا أضفنا إلى ذلك التذكير بسيرته الذاتية التي تؤكّد ميله للعزلة والتحرّز الشديد من اللهو بكل صوره، ثم عطفنا هذا الميل على مؤلّفاته الجادة والرّصينة، صار من حقنا أن نتساءل: كيف يمكن لهذا الداعية الذي أنفق جُلّ حياته في تحذير الناس من الاستغراق في هموم الدنيا وملذّاتها أن يُقدم على تأليف كتاب يمور بأشكال من الإقذاع اللّفظي والمعنوي (من المنظور الفقهي)، بل كيف يمكن لبعض الباحثين السطحيين الادعاء بأنّه قام بتجريد أخبار النساء من كتاب الأغاني للأصفهاني بعد أن خلّصها من الفحش والأسانيد الطويلة (كذا!!) متجاهلين حقيقة أنّه تفرّد بين العلماء القدامى بالقول بأنّ النظر في كتاب الأغاني يوجب إقامة الحد على مؤلّفه!

اقرأ أيضاً: من هي الجارية التي هزمت شيخ المعتزلة؟!
لا تقل نسبة الكتاب إلى ابن قيّم الجوزية (ت 751هـ) فداحة عن نسبته إلى سابقه، ومع أنني أكاد أجزم بأنّ التشابه بين لقبي المؤلّفين (ابن الجوزي وابن قيم الجوزية) هو أبرز أسباب هذه المراوحة بينهما، إلا أنني لا أعفي نفسي من ضرورة التذكير بأنّ الشهرة المدوّية التي اكتسبها الثاني منهما في الأوساط السلفية؛ بسبب صحبته لابن تيمية واحتماله السجن معه والتبشير بآرائه بعد موته، قد أكسب الكتاب رواجاً منقطع النظير، رغم تواضع مستوى تحقيقه– حقّقه نزار رضا- ورغم أنّ كل من قيّض له الاطّلاع على مؤلّفات ابن القيّم، يمكنه أن يقطع قطعاً بأنّ الكتاب ليس من تأليفه؛ إن لم يكن بسبب خلوّه من المقدّمة التي لا يستغني عنها أمثاله للخوض في هذا الموضوع، فلأنه ركيك الأسلوب وسطحي المضمون ولا يخلو من التقطّع، فضلاً عن أنّ الفصل قبل الختامي (من أحاديث المؤلّفين) أُقحم على فصول الكتاب بصورة مفاجئة ومباينة لأسلوبه.

اقرأ أيضاً: كتاب "الأغاني" بين التوقير والتكفير
ولعل من أسباب نسبة الكتاب لابن قيم الجوزية، التشابه الكبير في نصوص بعض الأخبار المشتركة بين كتابه (روضة المحبين ونزهة المشتاقين) وكتاب (أخبار النساء)، ولكن من اطّلع على (روضة المحبين) الذي يمثّل ابن قيّم الجوزية تمثيلاً تاماً، يدرك الفرق الشاسع بين الكتابين؛ فالروضة كتاب فلسفي نفسي فقهي رصين جداً إلى درجة أنّ المفكر العربي الدكتور فهمي جدعان اتخذه مصدراً رئيساً من مصادر دراسته اللامعة عن (دواعي المشاكلة في نظرية الحب عند العرب)، وكتاب أخبار النساء لا يعدو كونه كشكولاً للتسلية فقط. وقد بلغ تحرّز ابن القيّم في الروضة حد الإنحاء باللوم على فقيهين كبيرين مثل؛ ابن داود وابن حزم، بسبب تراخيهما أحياناً في (الزهرة) و(طوق الحمامة)، رغم إقراره بفضلهما وعلو كعبهما. ولا أحسبني بحاجة للتنويه بأنّ ما يتداوله بعض المثقفين من كتب مثل (عودة الشيخ إلى صباه)، يمثّل قطاعاً فقهياً شعبوياً مختلفاً تمام الاختلاف، عن القطاع الفقهي الذي تحرّك فيه كل من ابن الجوزي وابن قيّم الجوزية.

كل من قرأ كتاب "أخبار النساء" وتملّاه شكلاً ومضموناً لا يملك إلا أن يقطع باستحالة نسبته للاثنين​

ومع ضرورة التذكير بأنّ هناك كتاباً مُحْدَثاً عنوانه (أخبار النساء في كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني) - وقد قام عبد الأمير مهنّا باستخلاصه والتعليق على ما تضمّنه من أخبار- فإنّ من الضرورة بمكان أيضاً، المغامرة بتحديد هوية المؤلّف الحقيقي لكتاب (أخبار النساء)، وهو كما أُرجِّح نسّاخ ذكي جداً، لاحظ وَلَع الناس بهذا الضرب من الكتب، فجمع أخباره ونسّقها ثم نسبه لابن الجوزي، مراهنة منه على شهرته المدوّية، ثم جاء بعده من نَسَبه لابن قيّم الجوزية؛ بسبب تشابه اللّقبين أو من باب المراهنة أيضاً على شهرته الأكثر دوياً. والغريب أن يتقبل أكاديميون وباحثون ومثقفون هذا التلفيق ويشاركوا في ترويجه.
ورغم كل ما تقدم من استدراكات، فإن كتاب (أخبار النساء) – كائنًا مَنْ كان مؤلّفه- لا يخلو من بعض الأخبار المفيدة للناقد الثقافي النابه، مثل نمط الحب الجاهلي - حيث كان أسفل المرأة لزوجها وأعلاها لعشيقها- ونمط الحب البدوي – الذي يُعَدُّ العاشق الحسّي وفقه طالب وِلْد- ونمط الحب العذري – الذي يمكن للعاشق وفقه أن يتزوج لكنه يظل مخلصاً لمن أحب حتى لو تزوّج أيضاً- فضلاً عن الجرأة في تناول أخص خصوصيات الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين، ناهيك ببعض الصحابة والتابعين.

الصفحة الرئيسية