من ضريبة البترول إلى تغيير النظام... كيف وظف إخوان باكستان ورقة الوقود لإسقاط الدولة؟

من ضريبة البترول إلى تغيير النظام... كيف وظف إخوان باكستان ورقة الوقود لإسقاط الدولة؟

من ضريبة البترول إلى تغيير النظام... كيف وظف إخوان باكستان ورقة الوقود لإسقاط الدولة؟


27/08/2026

لم تعد ضريبة البترول وارتفاع أسعار الوقود في باكستان مجرد قضية اقتصادية تتظاهر ضدها الجماعة الإسلامية، الذراع السياسية للإخوان، بل تحولت خلال الأيام الماضية إلى مدخل لحركة سياسية أوسع، تسعى من خلالها الجماعة إلى إعادة فرض نفسها لاعبًا رئيسيًا قادرًا على تحريك الشارع والضغط على السلطة.

فبينما ترفع الجماعة شعار تخفيف الأعباء عن المواطنين، يكشف مسار تحركاتها وخطاب قيادتها أنّ الأزمة تجاوزت المطالبة بخفض سعر البنزين وإلغاء ضريبة البترول، إلى بناء أدوات ضغط متدرجة تبدأ بالاعتصامات والإضرابات، ثم شلّ حركة النقل والإغلاق العام، وصولًا إلى التلويح بمسيرة حاشدة نحو العاصمة إسلام آباد. وهي أدوات تجعل السؤال المطروح أبعد من سعر الوقود: هل تستخدم الجماعة الأزمة الاقتصادية بوصفها مدخلًا لتغيير موازين القوة السياسية، وربما دفع النظام نفسه إلى مواجهة مفتوحة؟

من مطلب اقتصادي إلى أجندة سياسية

انطلقت اعتصامات الجماعة الإسلامية في 16 آب/أغسطس 2026 احتجاجًا على ضريبة البترول وارتفاع أسعار الوقود والكهرباء، وتمركزت في مواقع ذات دلالة سياسية واضحة، أمام مقار السلطة في الأقاليم، من لاهور إلى كراتشي وبيشاور وكويتا. ومع امتداد التحرك إلى 22 و23 و24 و25 و26 آب/أغسطس، لم تعد المسألة مقتصرة على الاعتصام، بل بدأت الجماعة في نقل الاحتجاج إلى مراحل تصعيدية متدرجة.

وترتكز مطالب الجماعة على إلغاء ضريبة البترول، وخفض سعر البنزين إلى 225 روبية للتر، وتقليص أسعار الكهرباء والغاز والرسوم الثابتة، إلى جانب إعادة النظر في عقود شركات الطاقة المستقلة ونظام مدفوعات القدرة.

وقدّمت الجماعة الضريبة بوصفها رمزًا للأزمة الاقتصادية التي يعيشها المواطن، مستندة إلى حجم الضرائب والرسوم المفروضة على الوقود. ففي إحدى مراحل التسعير بلغ سعر لتر البنزين عند خروجه من المصفاة 231.30 روبية، بينما تجاوز إجمالي الضرائب والرسوم المفروضة عليه 110 روبيات، بينها ضريبة بترول بقيمة 80 روبية، وضريبة كربون ورسوم أخرى وهوامش للموزعين.

وفي المقابل، استثمرت الجماعة موجات رفع الأسعار الحكومية لتعزيز خطابها. فقد ارتفع سعر البنزين إلى 341.59 روبية للتر، قبل أن يرتفع لاحقًا إلى 341.98 روبية، ثم إلى 343.10 روبية، وصعد سعر الديزل عالي السرعة من 368.29 روبية إلى 370.69 روبية، ثم إلى 371.80 روبية.

وهكذا، كلما رفعت الحكومة الأسعار، حصلت الجماعة على مادة جديدة لتأكيد روايتها بأنّ السلطة تنقل أعباء الأزمة إلى المواطنين.

معركة الضغط لإسقاط الدولة

لم يحصر حافظ نعيم الرحمن، أمير الجماعة الإسلامية، خطابه في ضريبة البترول، بل ربط أزمة الوقود بأسعار الدقيق والسكر والخضراوات والأسمدة والكهرباء، وحوّلها إلى صورة أشمل لما يصفه بفشل الإدارة الاقتصادية.

وتحدث عن "مافيا الدقيق" و"مافيا السكر"، وانتقد استيراد 765 ألف طن من السكر ثم تحقيق أرباح من تصديره، واتهم الحكومة بتحميل الفقراء أعباء الضرائب في وقت يتمتع فيه كبار المسؤولين وأصحاب النفوذ بالامتيازات. وقال إنّ سعر الدقيق ارتفع بنسبة 62% خلال العام الماضي، وانتقد عدم حصول المزارعين على السماد الرخيص، وقيادة كبار الموظفين سيارات فارهة من أموال المواطنين. 

وانتقد كذلك شراء مريم نواز، رئيسة وزراء إقليم البنجاب، طائرة بقيمة 11 مليار روبية، واعتبر ذلك نموذجًا للفجوة بين السلطة والمواطنين. وأشار إلى معاناة المزارعين وارتفاع أسعار السلع الأساسية، منتقدًا ما وصفه باستمرار الإنفاق الحكومي والامتيازات في مقابل الأعباء التي يتحملها الشعب.

لكنّ البُعد الأهم في تحركات الجماعة لا يتعلق بالاعتصامات نفسها، وإنّما بما وضعته القيادة من مراحل لاحقة. فقد أكد حافظ نعيم الرحمن أنّ الحركة ليست تحركًا عابرًا، وأعلن خطة تصعيد تتدرج من تنظيم الفعاليات الجماهيرية في مواقع الاعتصام، إلى الإضراب العام، ثم إضراب حركة المركبات والنقل والمواصلات، والإغلاق الشامل للأنشطة والمحلات، وصولًا إلى مسيرة حاسمة باتجاه إسلام آباد. وأُعلنت تجمعات جديدة في فيصل آباد وراولبندي، ونُصبت مخيمات احتجاجية في المدن وعواصم الأقاليم، مع إبقاء خيار تنظيم مسيرة راجلة إلى العاصمة أو نقل الاعتصام إليها قيد الدراسة.

وأبقت الجماعة خيار تنظيم مسيرة على الأقدام نحو العاصمة، أو نقل الاعتصام إليها، مطروحًا ضمن السيناريوهات المقبلة، وأعلنت تنظيم مخيمات احتجاجية في المدن وعواصم الأقاليم، إلى جانب تجمعات جديدة في فيصل آباد وراولبندي، في محاولة لتوسيع نطاق الحركة خارج مراكز الاعتصام الرئيسية.

وهنا يتجاوز الحراك مفهوم الاحتجاج الاقتصادي التقليدي؛ إذ إنّ الإضراب العام وشلّ النقل والإغلاق الواسع لا تستهدف فقط الضغط من أجل خفض سعر سلعة، وإنّما تملك القدرة على تعطيل الحياة العامة ورفع تكلفة الأزمة سياسيًا على الحكومة.

وتحاول الجماعة الحفاظ على معادلة دقيقة في خطابها. فمن ناحية، ينفي حافظ نعيم الرحمن وجود خطة عاجلة لإسقاط الحكومة، ويؤكد أنّ الهدف هو تخفيف معاناة المواطنين وانتزاع المطالب الاقتصادية. لكن من ناحية أخرى، يستخدم خطابًا يتجاوز هذا السقف، فقد أعلن أنّ الحركة تعمل من أجل تغيير النظام، ودعا إلى محاسبة المتورطين فيما وصفه بتغييره، وحذّر من أنّ عرقلة الاحتجاج السلمي قد تدفع الحركة إلى التحول إلى حركة مناهضة للحكومة.

ورفضت الجماعة إنهاء اعتصاماتها مقابل وعود أو تعهدات، ولم تقبل العودة إلى الصيغة السابقة التي تقوم على تعليق الاحتجاج مقابل تشكيل لجان أو تحديد مهل زمنية. ورفض حافظ نعيم الذهاب إلى إسلام آباد لتلقي إحاطة من لجنة حكومية، مطالبًا بأن تأتي اللجنة التفاوضية إلى مواقع الاعتصام للاستماع مباشرة إلى مطالب المحتجين، مؤكدًا أنّ أيّ تفاوض يجب أن يركز على إلغاء ضريبة البترول وتنفيذ المطالب بصورة عملية.

وأعلن أنّ الجماعة لن تنضم إلى أيّ تحالف معارضة كبير، وأنّها ستخوض "معركة الشعب" بقوتها الذاتية ومن خلال منبرها السياسي الخاص، معتبرًا أنّ التحالفات السابقة ألحقت بها ضررًا أكبر من الفائدة.

وفي الوقت نفسه، حرصت الجماعة على تقديم نفسها بوصفها قوة احتجاجية سلمية. وأكد حافظ نعيم أنّ الاحتجاج العنيف "لعبة يوم واحد" تؤدي إلى الأضرار واعتقال الكوادر، بينما الرهان الحقيقي هو على استمرار البقاء في الشوارع وتراكم الضغط على الحكومة.

وخلال الفترة التي تناولتها الأحداث، لم تسجل مصادر المتابعة أعمال عنف أو اشتباكات أو إصابات أو وفيات مرتبطة مباشرة بالاعتصامات، ولم يعلن عن استخدام الغاز المسيل للدموع في مواجهتها. لكنّ غياب العنف لا يعني غياب التصعيد، فالاستراتيجية المعلنة تقوم على الاحتفاظ بالسلمية مع توسيع حجم التعطيل والضغط.

وضمن خطة الحفاظ على الزخم، أعلنت الجماعة تنظيم فعاليات ومؤتمرات وجلسات عامة في مواقع الاعتصام خلال احتفالات المولد النبوي في 1 و12 ربيع الأوّل، وفي مقدمتها جلسة عامة كبيرة في لاهور، إلى جانب جلسات وتجمعات في فيصل آباد وراولبندي، مع استمرار الاعتصامات والمخيمات الاحتجاجية. ولم تكن هذه الفعاليات مجرد مناسبات احتفالية في سياق التحرك؛ فقد حملت أهمية تنظيمية للجماعة باعتبارها وسيلة لإبقاء الحشد الشعبي داخل مواقع الاعتصام، واستثمار مناسبة جماهيرية واسعة لمنع تراجع الزخم قبل الانتقال إلى الإضراب والإغلاق. وجاء ذلك متزامنًا مع إعلان الجماعة أنّها ستدخل، بعد 12 ربيع الأول، مرحلة الإضراب العام وإغلاق الأنشطة وحركة النقل، في مسار تصعيدي يُبقي المسيرة نحو إسلام آباد خيارًا لاحقًا إذا لم تستجب الحكومة.

وفي المقابل لم تتراجع الحكومة عن سياساتها السعرية رغم استمرار الاعتصامات، وتوالت الزيادات في أسعار البنزين والديزل، بينما دافع وزير البترول علي برويز مالك عن الإبقاء على الضريبة، مشيرًا إلى أنّ أيّ خفض يصعب أن يحظى بموافقة صندوق النقد الدولي ما لم تحدد الحكومة مصادر إيرادات بديلة.

وقلل مستشار رئيس الوزراء للشؤون السياسية، رانا ثناء الله، من أهمية احتجاجات الجماعة، واعتبر أنّ المواطنين لم يشاركوا فيها، وطالب الجماعة بإنهاء الاحتجاج. وفي إقليم السند أصدر وزير الداخلية ضياء الحسن لنجار تعليمات بتأمين محكم بمناسبة المولد النبوي، شملت المساجد والمواكب والمزارات ونشر أفراد إضافيين والمراقبة بالكاميرات والتنسيق بين الشرطة والقوات شبه العسكرية.

ضريبة البترول كغطاء لمعركة سياسية أوسع

تكشف التحركات أنّ ضريبة البترول أصبحت أداة سياسية مثالية للجماعة الإسلامية؛ فهي تمسّ حياة المواطنين، ويؤدي ارتفاع الوقود مباشرة إلى زيادة تكاليف النقل وأسعار السلع والخدمات، ممّا يسمح بتحويل قضية فنية تتعلق بالضرائب والتسعير إلى قضية جماهيرية واسعة.

وتستخدمها الجماعة لربط ملفات تبدو منفصلة في خطاب واحد: البنزين والكهرباء والدقيق والسكر والفساد والامتيازات الحكومية وعقود الطاقة. والأهم أنّ القضية تمنحها مبررًا مستمرًا للحشد والتصعيد من دون أن تبدأ حركتها بشعار سياسي مباشر يدعو إلى إسقاط الحكومة.

وتكتسب هذه التحركات أهمية إضافية بالنظر إلى تجربة الجماعة في احتجاجات سابقة. فاعتصام روالبندي عام 2024 لم ينتهِ بتنفيذ كامل المطالب الأربعة عشر التي رفعتها الجماعة، بل بتسوية جزئية رفضت الحكومة بموجبها أربعة مطالب، واكتفت بلجان مراجعة ومهل زمنية، أعلنت الجماعة على إثرها تأجيل الاعتصام لا إنهاء الأزمة بصورة نهائية. كما أنّ الاحتجاجات السابقة المرتبطة بفواتير الكهرباء في كراتشي لم تحقق، وفق الخطاب المعتمد في هذا السياق، خفضًا جذريًا للأسعار، بل استمرت الأعباء، وهو ما يعزز نمطًا من التصعيد الذي يقود إلى تسويات جزئية وأزمات مؤجلة.

ويكشف ذلك عن نمط متكرر؛ أزمة اقتصادية، ثم حشد واعتصام، فمفاوضات، ثم تسوية جزئية أو وعود مؤجلة، قبل أن تعود القضية نفسها أو قضية مشابهة إلى إنتاج دورة جديدة من التصعيد.

إنّ ما يجري لا يمكن قراءته باعتباره مجرد احتجاج على ضريبة البترول. فالجماعة الإسلامية تستخدم أزمة الوقود لبناء حركة سياسية متدرجة، وإعادة اختبار قدرتها على الحشد، وتوسيع انتشارها في الأقاليم، وفرض نفسها طرفًا لا يمكن تجاوزه في أيّ مواجهة مقبلة مع الحكومة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية