من أين تبدأ رحلة الملل؟

من أين تبدأ رحلة الملل؟

مشاهدة

09/12/2020

لا شك أنّ بعض الأحاسيس استولت على اهتمام الكثير من الفلاسفة وعلماء الاجتماع وعلماء النفس؛ حيث شكّل وقوع الإنسان فيها مادّة دسمة لقراءة منسوب تعيّنات الأفراد أو اغترابهم عن الواقع، فتقصّي الإحساس بالملل قادهم إلى فضح الأحلام الهشّة للعقائد التربوية، التي صاغها الأمل والتفاؤل بولادة الإنسان السعيد، والمتصالح مع ذاته، والمتناغم مع الحياة، ولكن جلّ هذه الجهود ذهب ويذهب أدراج الرياح، في ظلّ الاستثمار الحثيث لعوائد الملل الفاحشة على الأنظمة التي تتحكّم بمصائر الشعوب، وهذا ما أدى إلى تنامي الشعور بالعدميّة، إثر اصطدام الفرد بعجزه أن يكون ما هو، في عالمٍ يحشره فيما يجب أن يكون.

أوشو: البشرية كلها تشعر بالملل؛ لأن الناسك أصبح سياسياً، والسياسي أصبح رياضياً، والشخص الذي كان من الممكن أن يصبح شاعراً، صار تاجراً

تُحيل أحد التوصيفات الفلسفيّة  للملل إلى لبّ المشكلة، حين اعتبره "شوبنهاور": (أصل الشرور)،  ولكن هل يمكن للشرور أن تنجم عن الملل حقاً؟ ألا يتوقف هذا على طبيعة فهمنا للملل؟ لا شكّ أنّ الملل واحدٌ من أقسى المشاعر النفسية التي يمكن أن نتعرّض لها؛ حيث يتملّكنا فقدان الرغبة في أيّ شيء، كما هناك إحساس بقرفٍ ما، يجعلنا نعرّف الملل ـــــ إذا طُلب منّا ذلك ــــــ بأنه فقدان كامل للرغبة، ولكن هناك لبس يصعب التقاطه في هذا التعريف؛ إذ إنّ فقدان الاهتمام هو ما يكرّس الملل وليس فقدان الرغبة، فالاهتمام يولدُ عن الحبّ والثقة، بينما الرغبة قد تولد عن عكس ذلك، وإذا أردنا أن نمتحن هذا، فبإمكان الأنظمة المدرسية أن تقدّم دليلاً واضحاً على صناعة الملل، فعند إدراكنا أنّ الأنظمة التربوية تعلّم الأطفال ما تريده، وبالطريقة التي تختارها، سوف ننجح في فهم لماذا لا يحبُّ أطفالنا المدرسة؟

اقرأ أيضاً: ما الغاية من محو ذاكرتنا؟

تحمل الأنظمة التربوية المسؤولية الأهم في صناعة الملل؛ لأنّ هيمنة هذه الأنظمة ترافقت مع تفشّي الإحساس العالمي بالملل، فقد بات الملل اليوم السمةَ الأكثر عمومية للفرد الحديث، وهذا قد يتضمن مؤشراً خطيراً إلى تفاقم الحس الاغترابي للفرد في عالمٍ لم يعد يجد فيه نفسه، أو في عالمٍ بالرغم من كل إمكانات الرفاه التي  يقدّمها، إلّا أنّ أفراده يشعرون بالإنهاك الدائم، باعتبار الإنهاك النفسي أحد التطورات الحديثة للإحساس بالملل، فالمساحة الهائلة التي تُطلقها التقنية أمام تصورات الأفراد، ومساهمتها الحاسمة في صناعة الرغبة، جعلت من الجميع في مراوحة فارغة بين الملل والألم، هذا لأنّ الأنظمة التربوية ليست سوى نتاج علاقات القوة التي تنتجها السلطة، والتي تستثمر في اغتراب الإنسان وانحرافه عن الواقع؛ فالملل ليس سوى مؤشر على أنّ الإنسان يعيش حياةً خاطئة.

لهذا اعتقد "أريك فروم" أنّ الشعور بالملل، لم يحظ بالاهتمام الذي ينبغي أن يحظى به: "قد نتحدّث عن شتى الفظائع التي يمكن أن تصيب الناس، لكن نادراً ما نتطرّق لواحد من أفظع الأمور، ألا وهو الشعور بالملل، سواء أكان شعور الإنسان بالملل وحده، أو الأسوأ هو شعور الناس بالملل مع بعضهم البعض"، لقد اعتبر "فروم" أنّ التحولات الحديثة التي خلقتها الثورة الصناعيّة سبباً في تفشي الملل؛ فالنزعة الاستهلاكيّة تخلق هذا السعي الحثيث باتجاه الاستهلاك والحصول على الكثير من المنتجات دون هدفٍ واضحٍ من امتلاكها، وهو ما يُفاقم مشكلة الملل، "إنّ الإنسان الحديث يشعر أنه بحالة فقدان دائمة للوقت، إن لم يقم بالعمل سريعاً، لكنه لا يعلم سوى قتل الوقت وسيلة للتعامل مع الوقت الذي يكتسبه".

اقرأ أيضاً: لماذا يُفكّر أطفالنا بالهجرة إلى المريخ؟

فحين يعرّف "أوشو" المسؤولية بأنها لا تقتصر فقط على قيام المرء بواجباته بل هي استجابته للواقع، هذا لأنّ الاستجابة للواقع تمكّن الفرد من إعادة فهم الضرورة ـــــ التي يعتبرها الجميع مشكلةَ الوجود ــــــ كجزء أساسي من الحياة، ليس بالإمكان تجاهلها أو القفز عنها، بالتالي هذا الفهم سيساعد في فرز الضرورة الحقيقيّة من الضرورة المزيّفة، حيث إنّ الضرورات المزيّفة التي تحيط بالفرد قد أغرقته في مستنقعات الملل؛ إذ إنّ الشعور بالإحباط المستمر من عدم القدرة على ملاحقة المنتجات، والملل المرافق لهذه المطاردة العبثيّة الفارغة، انتهى بما تنبأ به نيتشه، "إنه عصر العدميّة القادم لا محالة، إنه عصر الإنتاج الذي يستهلك نفسه بنفسه".

تحمل الأنظمة التربوية المسؤولية الأهم في صناعة الملل؛ لأنّ هيمنة هذه الأنظمة ترافقت مع تفشّي الإحساس العالمي بالملل

"المرء يشعر بالملل لأنه يعيش في نظام ميّت قدّمه له الآخرون"، ثم يكمل "أوشو": البشرية كلها تشعر بالملل؛ لأن الناسك أصبح سياسياً، والسياسي أصبح رياضياً، والشخص الذي كان من الممكن أن يصبح شاعراً، صار تاجراً، وليس هناك أحد في مكانه الصحيح الذي يجب أن يشغله". المكان الصحيح الذي عناه "أوشو"، هو المكان المناسب، ويبدو أنّ هذه الأمكنة أصبحت من الندرة حيث إنّ البشرية كلّها تشعر بالملل، فلو كان كل فردٍ في مكانه المناسب، لما كان عالم اليوم على هذه الصورة من القبح؛ فالأمكنة المناسبة هي ما تتوفر على الحياة والتفتح، بينما غير المناسبة هي التي تتوفر على الذبول والموت، هي بالضبط الأمكنة التي ستنتج العنف دائماً.

لا شك أنّ نشاط الأنظمة التربوية يستهدف الطفل في مراحله العمرية المختلفة، فعملية القولبة لا تؤتي ثمارها إذا لم تبدأ عملية التطويع في وقت مبكّر، لذلك ما تبدأ به الأسرة ستكمله المدرسة، فالتربية على الطموح، والذي ينشر ثقافة التنافس ويعمّمها، وتَحطّم هذا الطموح على ضوء الإخفاقات المستمرة، قد يصبح سبباً مباشراً للشعور بالملل، لكن الملل يُنتج في مكانٍ مختلف، إنه ينتج تحديداً من كوننا لا نفعل ما نحب فعله، بل نفعل ونرغب أن نفعل ما يتوقعه منّا الآخرون. إننا ببساطة نتبع أفكار الآخرين، لقد تمّ إرشادنا منذ البداية إلى ما هي الأشياء التي يجب علينا فعلها، إنها الأنظمة التي صمّمت الفرد على القيام فقط بما يُطلب منه، أو ما تريده منه، أو ما تريد أن ينساق إليه، من هنا تبدأ رحلة الملل.

الصفحة الرئيسية