مناورات شرق المتوسط: هل اقترب الخيار العسكري في ليبيا؟

مناورات شرق المتوسط: هل اقترب الخيار العسكري في ليبيا؟

مشاهدة

14/07/2020

تبرز التطورات الأخيرة، التي تفاعلت فيها القوى الدولية والإقليمية المنخرطة في المشهد الليبي، سياسياً وميدانياً، تعقيدات عديدة؛ إذ عكست نقاشات مجلس الأمن الدولي، مطلع الشهر الجاري، بصورة واضحة، تعثراً في حسم الأمور على نحو مباشر ونهائي، من جهة، أو حتى التحرك بالأحرف الأولى لجهة وضع تصورات سياسية وتفاوضية، من جهة أخرى، وهو ما تزامن مع المناورات العسكرية التي قام بها عدد من اللاعبين السياسيين على مسرح أحداث شرق المتوسط، والتي تطرح في مجملها رسالة أساسية؛ مفادها أنّ الخيار العسكري أضحى أحد السيناريوهات المتوقعة في ذلك الصراع المحتدم.

إرهاصات المواجهة ومحفزات الصدام

في إطار ذلك، شهدت جغرافيا شرق المتوسط، وعلى أطراف مسرح الأحداث، "بروفة" لهذا الطرح والسيناريو الأخير؛ إذ إنّ الصدام العسكري يبدو كأنّه بات وشيكاً، في ظل مواصلة تركيا الإعلان عن قرب معركة سرت والجفرة، ما يعني تجاوز ما اعتبرته مصر "خطاً أحمر"، مع إعلانها الشروع في تنفيذ مناورات عسكرية بحرية، ناهيك عن استمرار نقل المرتزقة إلى ليبيا.

وفي ظل تلك المتغيرات الحساسة والدقيقة في الملف الليبي، لا يخفى السياق الذي نفذت من خلاله القوات المسلحة المصرية المناورة الاستراتيجية "حسم 2020"، في المنطقة الغربية، المتاخمة للحدود الشرقية لليبيا، والتي أشرف عليها وزير الدفاع، الفريق أول محمد زكي، بمشاركة تشكيلات ووحدات المنطقة الغربية العسكرية، والأفرع الرئيسية للقوات المسلحة.

غنيم: مصر لا ينبغي لها الانخراط المباشر في العمليات العسكرية بليبيا إلا إذا اضطرتها الأمور

التحركات العسكرية المصرية جاءت في سبيل وضع حد لتركيا، التي تعمد إلى تعميم مفهومها التلفيقي عن الأمن القومي، بما يتوافق ورغبتها التوسعية، وكذا مصالحها السياسية والإقليمية، حيث صرّح إبراهيم قالن، المتحدث باسم الرئاسة التركية، بأنّه "لا يمكن رسم أمنكم القومي عبر حدودكم الوطنية فقط، فأمن تركيا هو في الوقت نفسه أمن العراق وإيران وجميع جيرانها، وهو كذلك مرتبط بالتطورات في المتوسط بشكل مباشر".

واعتبر قالن أنّ "ليبيا جارة في البحر المتوسط، والذين يريدون حبس تركيا داخل حدودها هم الذين يسألون عن سبب تواجد تركيا في ليبيا وسوريا والعراق".

مؤشرات على اقتراب العاصفة

بيد أنّ القاهرة التي تتابع سياسياً وعسكرياً طموحات أنقرة، وسعيها نحو نقل الصراع من سوريا إلى ليبيا، وتشكيل جبهات ساخنة ومتوترة، تمثل نقاط تماس للأمن القومي المصري، بهدف تطويق مصر أو تهديدها، فإنّها تتحرك على المستوى نفسه وفي الإطار ذاته، بينما تحمل رسالة واضحة لجهة الجانب التركي، نحو احتمالية استخدام الخيار العسكري وفرضه.

مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير محمد مرسي، يرى أنّ المناورات العسكرية هي إحدى آليات المواجهة في الأزمة الليبية بين الأطراف الرئيسية الفاعلة، خاصة بعد إعلان الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، أنّ سرت والجفرة خط أحمر، و"بالتالي، كان لزاماً على مصر الإعلان عن المناورة حسم؛ للتأكيد على جاهزية القوة العسكرية، لأي تطور ميداني خلال المدى المنظور".

اقرأ أيضاً: بعد أن أطفأت أضواء طرابلس: تركيا تبيع الكهرباء إلى ليبيا

ويضيف مرسي لـ"حفريات" أنّ "الأوضاع الدولية والرؤى المتشابكة، فيما بين الأطراف الفاعلة في الأزمة، تبدو غامضة وغير واضحة بدقة، وذلك نظراً لتغليب الرؤى والمصالح التكتيكية، التي تتلاقى عبر نقاط محددة، وتختلف وتتعارض في غيرها، على خلاف التحالفات التقليدية، التي حكمت العلاقات الدولية في السابق".

عكست نقاشات مجلس الأمن الدولي، مطلع الشهر الجاري بصورة واضحة تعثراً في حسم الأمور

من جهته، جاء تقدير العميد سمير راغب للمناورات العسكرية، بأنّها "مؤشر على أنّ الصراع العسكري في ليبيا سينفجر لا محالة"، وقد وصف سياسة أردوغان بأنّها بمثابة "دبلوماسية البوارج الحربية"، والتي فرضت نفسها على كافة الدول المعنية والمنخرطة في الشأن الليبي، مضيفاً لـ "حفريات": "أردوغان لم يقم باستدعاء كل هؤلاء المرتزقة، وتلك المعدات العسكرية إلا من أجل الصراعات الخشنة، ليس ثمة شك أنّ الأطراف الدولية تنظر باهتمام بالغ للأزمة الليبية، سواء الولايات المتحدة الأمريكية، التي تحاول أنّ تستعيد ذاكرة أحداث شمال أفريقيا، أو موسكو التي تنخرط بكل ثقلها السياسي والعسكري لتحقيق أهدافها وطموحاتها الاقتصادية، بالإضافة إلى أوروبا التي تقع تحت وطأة هواجسها الأمنية واحتياجاتها من الطاقة، واستثماراتها في شرق المتوسط.

مآلات استعراض القوة وسيناريوهات الصدام

تزداد تقديرات المحللين السياسيين والعسكريين لسيناريوهات الصدام العسكري على خلفية الأزمة الليبية، خلال الفترة الأخيرة، على وقع التطورات السياسية والميدانية، خاصة عقب قصف قاعدة الوطية، مطلع هذا الشهر، ويُعدّ مُضيّ الوقت أحد المؤشرات التي يمكننا الاستناد إليها عند تقدير سيناريو الصدام العسكري في ليبيا، باعتبار أنّ القاعدة أحد المرتكزات الأساسية، في معركة سرت والجفرة، من جانب تركيا.

القاهرة التي تتابع سياسياً وعسكرياً طموحات أنقرة في ليبيا تحمل رسالة واضحة باحتمالية استخدام الخيار العسكري

زميل أكاديمية ناصر العسكرية العليا، والأستاذ الزائر بالناتو للأمن الدولي، اللواء سيد غنيم، اعتبر أنّ اندلاع الصدام العسكري في ليبيا على الصعيد الإقليمي، رغم احتمالات وروده، إلا أنّه ليس السيناريو الأقرب، وأنّه ينبغي البحث عن الأطراف المرشحة للصراع الخشن، والذي يبدو أنّها تنحصر إقليمياً بين مصر وتركيا، أو داخلياً بين الشرق "بنغازي" والغرب "طرابلس".

ويستبعد غنيم في حديثه لـ"حفريات" أن ينفجر الصراع بين الناتو وروسيا، على اعتبار أنّ هذا السيناريو لم يحدث من قبل في الأزمة السورية؛ إذ يؤكد أنّ الانفجار الإقليمي المحتمل بين القاهرة وأنقرة، على الرغم من كونه غير منظور حسب تقديره، بيد أنّ حدوثه سيصبح تحت وجه الاضطرار، و"لكن لا أحد يريد الحرب".  

اقرأ أيضاً: كشف حقيقة فصائل أردوغان في ليبيا‎

ومن الناحية الاستراتيجية، يرى غنيم أنّ القاهرة لا ينبغي لها الانخراط المباشر في العمليات العسكرية بليبيا، إلا إذا اضطرتها الأمور، وفي النطاقات التي تقدرها القيادة السياسية للبلاد، فضلاً عن كون أنقرة تدرك جيداً حجم تورطها العسكري في أكثر من مكان.

ويختتم: "ثمّة أكثر من محدّد سيرتبط باندلاع معركة سرت والجفرة، ويأتي في مقدّمتها إعادة رفع الكفاءة لقاعدة الوطية، بعد تفجيرها بطيران غير معلوم هويته، نظراً لموقعها الاستراتيجي، واعتبارها نقطة انطلاق لطائرات الدرونز"، فضلاً عن ظهور تحرّكات عسكرية من طرابلس تجاه سرت، وربما جرى رصد تزايد الدعم العسكري من تركيا".

يتفق مع هذا الرأي الباحث في شؤون الشرق الأوسط، والمدير التنفيذي لمركز الإنذار المبكر، أحمد الباز، حيث يرى أنّ "القاهرة لا ترغب في الانخراط المباشر عسكرياً في الأزمة الليبية، وذلك للتعقد الشديد، والتداخلات الإقليمية والدولية، من جهة، وتماس جغرافيا الصراع مع الحدود الليبية، من جهة أخرى".

اقرأ أيضاً: ليبيا وصراعات "ميليشيات الوفاق"

وأضاف في حديثه لـ"حفريات": "إنّ سيناريو الانخراط المصري، في حال اضطرت القاهرة لذلك، سيكون بتحريك القوات المصرية نحو الشرق الليبي، بغرض موازنة النفوذ لصالح الجيش الوطني الليبي، ومواجهة النفوذ العسكري التركي"، مشيراً إلى "أنّ واقع المناورات العسكرية يجب النظر إليه من خلال تحوّل استراتيجي، تنفذه دول الإقليم المعنية بالشأن الليبي، والذي يؤكد أنّ الخيار العسكري حاضر ضمن حزمة الخيارات المطروحة على طاولة صناع القرار، فضلاً عن كونه يطرح فرضية أنّ المناورات تذهب نحو احتمالات الدعم والمساندة، التي من الممكن أن تقوم بين مصر واليونان تحديداً، حال اندلاع عملية عسكرية".

الصدام العسكري يبدو كأنّه بات وشيكاً في ظل مواصلة تركيا الإعلان عن قرب معركة سرت والجفرة

و"يمكن الإشارة إلى أنّ سياق المناورات العسكرية المصرية، يأتي ضمن التحوّل الاستراتيجي الجديد تجاه ليبيا في شقه العسكري"، بحسب الباز؛ "بمعنى أنّ مصر تعمل على تعزيز قوتها، من أجل تحقيق الردع المطلوب، ودفع الطرف التركي للتفكير قبل أن يتخذ قراره بتطوير أي تقدم عسكري، من شأنه الاقتراب من الجغرافيا المصرية، وبالتالي، يكون عماد هذه الاستراتيجية الجديدة، هو التهديد بالحرب دون الانخراط فيها بشكل مباشر، ومن ثمّ، تعزيز موقع الطرف المصري في حال التحوّل نحو طاولة المفاوضات السياسية".


الصفحة الرئيسية