"مليون صوت لأربيل"… من شعار إلى واقع: قراءة في رمزية القوة الكوردية الجديدة في بغداد

"مليون صوت لأربيل"… من شعار إلى واقع: قراءة في رمزية القوة الكوردية الجديدة في بغداد

"مليون صوت لأربيل"… من شعار إلى واقع: قراءة في رمزية القوة الكوردية الجديدة في بغداد


13/11/2025


 

في لحظة سياسية شديدة التعقيد، حيث تتقاطع التوازنات العراقية وتتعقّد الحسابات الإقليمية، خرج الحزب الديمقراطي الكوردي بقيادة الرئيس مسعود بارزاني من السباق الانتخابي الأخير وقد حقّق ما كان يُنظر إليه قبل أسابيع على أنّه شعار تعبوي: أكثر من مليون صوت في إقليم كوردستان.

تحوّل الشعار من وعد إلى واقع، ومن طموح إلى رقم قابل للقياس، ليصبح "مليون صوت لأربيل" ليس مجرد دعاية انتخابية، بل أصبح تجسيداً لوزن سياسي حقيقي يُعيد تموضع الحزب كقوة كوردية أولى، وكمكوّن فاعل في مستقبل المشهد العراقي العام.

إنّ ما حدث لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السياسي الأوسع في العراق. فبينما تتبدّل التحالفات وتشتد المنافسات بين القوى الشيعية والسنّية والكوردية، جاء هذا الرقم ليمنح الحزب الديمقراطي الكوردي موقعاً تفاوضياً متقدماً في بغداد، وليؤكد أنّ إرادة القاعدة الكوردية ما تزال ثابتة خلف مشروعه السياسي.

من رقم انتخابي إلى رمزية سياسية

حين أطلق الحزب الديمقراطي الكوردي حملته تحت شعار "مليون صوت لأربيل"، بدا الرقم أقرب إلى رمز تعبويٍّ يراد به شحذ الهمم وتحفيز القواعد، وليس هدفاً حسابياً دقيقاً. لكنّ المفاجأة هي أنّ الرقم تحقق فعلاً، بل تجاوزه الحزب وفق النتائج النهائية الصادرة عن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، ليُثبت مرة أخرى أنّه الحزب الأكثر تجذّراً في وجدان القاعدة الكوردية.

رمزية الرقم هنا تتجاوز الحساب الانتخابي: فالمليون صوت هو بمثابة "توقيع جماهيري" على شرعية سياسية ممتدة منذ عقود، وتأكيد على ثقة الناس بمشروع الحزب في إدارة الإقليم، وعلى استمرار مكانة الرئيس بارزاني كرمزٍ لوحدة القرار الكوردي.

وفي بيئة تتّسم بانقسام المشهد الكوردي بين أحزاب وتيارات متنافسة، يثبت هذا الإنجاز أنّ الحزب الديمقراطي الكوردي ما يزال العمود الفقري للتمثيل الكوردي في العراق.

ما وراء الأرقام ـ قراءة في دلالات الفوز

الرقم المليوني لا يُقرأ في حدّ ذاته، بل في سياقه السياسي والزمني، فالفوز جاء في انتخابات تُعدّ من أكثر الانتخابات حساسية منذ عام 2003، في وقت يعيش فيه العراق مرحلة إعادة تشكيل التوازنات بين مكوّناته الثلاثة الأساسية: الشيعة، والسنّة، والكورد.

ولذلك، فإنّ تجاوز الحزب الديمقراطي الكوردي للمليون صوت يرسل ثلاث رسائل أساسية تحمل أبعاداً تتجاوز حدود الإقليم.

الرسالة الأولى إلى الداخل الكوردي؛ مفادها أنّ الحزب ما يزال القوة المركزية في كوردستان، وأنّ دعوات التشتت والانقسام لم تُضعف قدرته على التعبئة والتنظيم. إنّها رسالة تثبيت للزعامة الداخلية واستمرار الشرعية التاريخية التي اكتسبها عبر المقاومة والعمل المؤسسي، لا عبر الشعارات.

الرسالة الثانية إلى بغداد، وهي الأهم: الممثل الحقيقي للأغلبية الكوردية أصبح واضحاً بالأرقام لا بالخطاب. فالمليون صوت يجعل الحزب يدخل مفاوضات تشكيل الحكومة الاتحادية من موقع الندية لا التبعية، ويضع على طاولة الحوار رقماً يصعب تجاوزه في أيّ معادلة تخصّ رئاسة الجمهورية أو توزيع السلطات.

أمّا الرسالة الثالثة إلى الإقليم والمنطقة، فهي أنّ أربيل ـ التي مثّلت القلب السياسي والاقتصادي المستقر وسط العواصف العراقية ـ نجحت في ترسيخ صورتها كعاصمة القرار الكوردي، موجّهةً رسالة إلى الشركاء الإقليميين بأنّ استقرار كوردستان يعني استقرار العراق، وأنّ من يريد حواراً جاداً مع الكورد عليه أن يبدأ من أربيل.

المليون صوت كأداة نفوذ في بغداد

في السياسة العراقية تتحوّل الأرقام إلى أوراق تفاوض، والمليون صوت ليس مجرد إنجاز معنوي، بل هو سلاح سياسي ناعم في العاصمة بغداد.

فالحزب الديمقراطي الكوردي، بحجمه البرلماني الجديد، يمتلك اليوم فرصة فرض إيقاع مختلف في مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة، سواء على مستوى اختيار رئيس الجمهورية أو رسم معادلة الشراكة الوطنية.

لقد أثبتت التجربة العراقية الحديثة أنّه لا حكومة مستقرة في بغداد من دون اتفاق واضح مع أربيل، ولا اتفاق من دون مشاركة الحزب الديمقراطي الكوردي. ومع "المليون صوت" يصبح الحزب اليوم الكتلة الكوردية المرجّحة التي تستطيع موازنة الاصطفافات الشيعية والسنّية، وتحديد اتجاهات التفاهم المقبلة.

وفي ظل تراجع الأداء التنظيمي للاتحاد الوطني الكوردي داخل السليمانية، يملأ الحزب الديمقراطي هذا الفراغ بثقة أكبر، مقدّماً نفسه باعتباره الطرف الكوردي المؤهّل للحديث باسم الإقليم في الملفات الشائكة: النفط والغاز، والرواتب، والمناطق الكوردستانية خارج إدارة الإقليم، والعلاقات مع الحكومة الاتحادية.

من أربيل إلى العراق ـ هندسة المعادلة الجديدة

ما فعله الحزب الديمقراطي الكوردي عبر حملته الانتخابية يتجاوز الحشد الجماهيري، فقد أعاد هندسة الوعي السياسي الكوردي وربطه بمفهوم الشراكة الوطنية.

لقد أعاد تعريف المشاركة في الانتخابات بوصفها "تصويتاً على الدور والموقع"، لا مجرد منافسة داخلية. وأراد أن يثبت أنّ قوة الإقليم تبدأ من صناديق أربيل، وأنّ صوت المواطن الكوردي قادر على التأثير في مستقبل العراق بأكمله.

بهذا المعنى، فإنّ المليون صوت لم يكن مجرّد تجميع انتخابي، بل إعادة إنتاج للهوية السياسية الكوردية كقوة فاعلة في بناء الدولة العراقية، لا كطرفٍ يطالب بحقوقه فحسب.

ومن خلال هذه الحملة تحوّل الحزب الديمقراطي الكوردي إلى جسر بين إرادة الإقليم وإرادة الدولة، وهو ما يفسّر اللهجة الواثقة التي اعتمدها قادته في تصريحاتهم الأخيرة حول ضرورة تصحيح العلاقة بين أربيل وبغداد على أساس الدستور والشراكة، لا الوصاية والمركزية.

المليون صوت بين الواقعية والطموح

ومع أنّ الرقم تحقق فعلاً، إلا أنّ الحفاظ عليه سيكون التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة. فالتاريخ الانتخابي العراقي يُظهر أنّ القواعد الشعبية قد تتغيّر سريعاً إن لم تُترجم الوعود إلى نتائج ملموسة.

لذلك، يدرك الحزب الديمقراطي الكوردي أنّ ما بعد المليون ليس كما قبله: فكلّ صوتٍ من هذه الأصوات ينتظر اليوم انعكاساً عملياً في تحسين الخدمات، والرواتب، والإصلاح الإداري، وتثبيت الاستقرار في الإقليم.

في المقابل، يمتلك الحزب أدوات تمكّنه من ذلك: شبكة مؤسسات راسخة، إدارة سياسية منضبطة، وزعامة تحمل رصيداً تاريخياً في قيادة المراحل الصعبة.

ومن خلال هذا الزخم، يبدو أنّ أربيل تتجه لتصبح مركز ثقل القرار الوطني العراقي، لا مجرد مركز القرار الكوردي، إذ وضعها المليون صوت في موقع القيادة، وأعاد رسم ملامح التوازن بين الإقليم والمركز على أسس جديدة.

لحظة كوردية بامتياز

تحقّق "مليون صوت لأربيل" لم يكن مصادفة، بل حصيلة رؤية سياسية طويلة الأمد وإدارة حزبية واعية لمفهوم العلاقة بين الشرعية الانتخابية والشرعية التاريخية.

لقد أعاد الحزب الديمقراطي الكوردي عبر هذا الإنجاز تثبيت مركزية الدور الكوردي في العراق، مذكّراً الجميع بأنّ أربيل ليست هامشاً سياسياً، وإنّما هي قلب نابض للحياة الدستورية العراقية.

ومع أنّ الطريق إلى بغداد ما زال مليئاً بالتحديات، فإنّ الحزب يسير إليه اليوم محمّلاً بمليون صوت، ومليون رسالة، ومليون ثقة.

إنّها ليست مجرد حملة ناجحة، بل لحظة فاصلة في مسار العلاقة بين الإقليم والدولة، وبين الإرادة الشعبية والقرار السياسي.

فمن أربيل إلى بغداد، ارتفع الصوت الكوردي مجدداً، لا ليطالب بالحقوق فقط، بل ليشارك في صناعة القرار الوطني بصوت بلغ المليون.

 



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية