مغازلات تركيا لمصر: مبادرة مصالحة أم هروب من الخطر؟

مغازلات تركيا لمصر: مبادرة مصالحة أم هروب من الخطر؟

مشاهدة

16/09/2020

يتردّد حالياً صدى الحديث عن مصالحة قريبة بين مصر وتركيا، بعد خلافات سياسية، بدأت منذ خلع الرئيس الإخواني محمد مرسي، وهروب الجماعة إلى إسطنبول، حيث استمر التصعيد من قبل الجانب التركي، حتى وصل ذروته خلال الأزمة الليبية، وتعديات أردوغان في شرق المتوسط.

اقرأ أيضاً: من ينتصر: رصانة مصر أم عنجهية تركيا؟

وعكست التصريحات الأخيرة لمستشار الرئيس التركي، ياسين أقطاي، التي أكّد فيها على ضرورة التواصل بين مصر وتركيا مهما بلغت الخلافات السياسية، أفقاً جديداً للحديث عن مصالحة تلوح في الأفق، بحسب وسائل إعلام مختلفة.

تقهقر أردوغان

يظنّ أردوغان أنّه بتقاربه من مصر، أو إظهاره المرونة معها في هذه المرحلة، من شأنه تخفيف الضغط عنه في شرق المتوسط؛ بمعنى أنّه وجد نفسه في مأزق كبير جداً مع توحّد كلّ القوى المعنية بالملف، وحلفاء قبرص واليونان ضدّه؛ فهو مضطر للبحث عن قوة إقليمية كبيرة، متداخلة بشكل أو بآخر في هذا الملف، لتقف بجواره، أو على الأقل، ليظهر أمام هذا التكتل من القوى أنّه ليس وحده.

 الكاتب الصحفي بجريدة "الأهرام"، والباحث المتخصص في الشؤون العربية والإسلامية، هشام النجار؛ يرى أنّ "أقطاي اضطر إلى تمرير هذه اللهجة مع القاهرة بما فيها من توظيف للخداع اللفظي واحتمالات قراءتها وتأويلها على أوجه عديدة، حتى لا يبدو من جهة ضعيفاً أمام حلفائه وأتباعه داخل تيار الإسلام السياسي والجهادي، ومن جهة أخرى يجرب حظّه بأسلوب يائس مع القاهرة، لعلّه يحظى بتحييدها على الأقل".

الإخوان المسلمون يمثلون مساحة ضوضاء للدولة المصرية، لكنّ وضع الدولة المصرية حالياً ليس من السهل أن تهزّه جماعة الإخوان المسلمين؛ لذلك وجودهم في تركيا أفضل للدولة المصرية

ويقول النجار لـ "حفريات" بأنّ "من يقرأ بيان مستشار الرئيس التركي، ياسين أقطاي، أو حواره على وكالة "الأناضول"، بتمعّن، ومن خلال قراءة ما بين السطور، يكتشف أنّه يدسّ السمّ في العسل، وظاهر كلام أقطاي لا يتناسق مع باطنه، ومع ما بين السطور؛ لأنّه يطرح على مصر، وعلى الساحة عموماً، تصوراً لتحالف مصالح غير معقول، وغير منطقي، وضعه فقط في مخيلته وأحلامه، متمنياً فحسب، لعله ينقذ نظام حكمه من أزمته وينتشله من مستنقع الفشل الغارق فيه، فهو، مثلاً، يقول لمصر، وهذا جاء قبل ذلك على لسان أردوغان نفسه، قبل أسابيع قليلة: "نحن أقرب إليكم من اليونان"؛ بمعنى "نريدكم بجانبنا ضدّ اليونان"، ويزعم أنّ انحياز مصر لتركيا سيعطيها حصة أكبر من غاز شرق المتوسط، وأنّ مصر حضارياً وثقافياً أقرب لليونان من تركيا".

اقرأ أيضاً: مصر تهاجم تركيا بعد تصريحات أنقرة الودية... لماذا؟

 ويعتقد النجار أنّ "ياسين أقطاي يعرض ما هو أكثر من مستحيل، وبصورة تبدو ساذجة وصبيانية للغاية؛ فهو يقول "نحن أولى بقيادة العرب من الإمارات"، و"الإمارات لا تستحق ذلك لأنّها طبّعت مع إسرائيل"، هذه أطروحات انفعالية ووليدة ضغط الأزمة وكبتها، ومجرد أمنيات في خيالات قادة النظام التركي المرتبكين، لأنّ التحالفات والتكتلات التي أسستها مصر في الشرق مبنية على مصالح مشتركة واقعية حقيقية ومشروعة، وليست ظنية وهمية، كتوسّعات نظام أردوغان ومطامعه".

تناقض المصالح

وفي ضوء تصريحات أقطاي، يتساءل النجار: "كيف تطلب من مصر أن تنضوي في حلفك ومعسكرك الأيديولوجي الشرق الأوسطي الإقليمي، غير العربي، وهناك بعد شاسع وتناقض مصالح وتصورات بين المعسكرَين، وأنتم السبب فيها، فأنتم من استهدفتم الأمن القومي العربي بالإرهاب والطائفية، وتلاعبتم بالشعوب، وزعمتم كاذبين بأنّكم محررّو الأقصى، وما أنتم إلا سارقو ثروات وناهبو خيرات وقراصنة بحار؟".

تُقيم مصر تحالفاتها بشفافية وصدق، التزاماً بالقانون الدولي، وعلى اعتبار مصالحها وأمنها، ودون التعدي على أحد؛ لذلك فهي، على النقيض من تصورات ومواقف وممارسات النظام التركي الحالي، وهو ما يجعل استجابتها للمغازلات التركية أمراً مستبعداً؛ إذ إنّ الانفعالات التركية وليدة الارتباك والمأزق والأزمة،  وهو ما وضح من ردود الأفعال المصرية الرسمية على ما يعرضه المسؤولون الأتراك، وهذا راجع إلى أنّ القاهرة تعي تماماً ما هو مطلوب من النظام التركي في ملفات كثيرة في المنطقة العربية، وملف جماعة الإخوان، وملف شرق المتوسط، والحضور العسكري التركي في سوريا والعراق وليبيا، وبعض دول أفريقيا، كي تبدي مرونة مبدئية مع هذه الدعوات، وإلا تظلّ من دون رجوع تركيا على الأرض مئة خطوة للوراء مجرد خداع لا ينطلي على القاهرة.

الباحث هشام النجار لـ "حفريات": من يقرأ بيان مستشار الرئيس التركي، ياسين أقطاي، بتمعّن، يكتشف أنّه يدسّ السمّ في العسل، فهو يطرح تصوراً لتحالف مصالح غير معقول

كما تعاملت مصر بذكاء في إدارة ملفاتها الخارجية، متبعة سياسة الصبر الإستراتيجي؛ لذلك تحوّلت من دولة مُحَاصرة من الأتراك، إلى دولة تلتف حول تركيا وتحاصرها؛ حيث هناك "اللجنة المصرية المختصّة بالشأن الليبي" تمسك بزمام الملف الليبي على الأرض الواقع داخل ليبيا، وتحركات الخارجية المصرية تمتدّ إلى دول جوار تركيا وليبيا، لتصل إلى أرمينيا واليونان وإيطاليا وفرنسا وتونس والمغرب والجزائر، وبحسب الباحث في دراسات الشرق الأوسط، يوسف بدر؛ الذي يرى أنّ كلّ هذا الاستنفار من قبل القاهرة، فرض على الأتراك مواجهة تحالف إقليمي قد يُفضي في النهاية إلى خروجهم من ليبيا بلا أية مكاسب، خاصة أنّ تركيا لم تستطع، مع سياستها الصلبة، الوصول إلى الثروات، ولا حتى كسب حلفاء في المنطقة.

اقرأ أيضاً: هل تحاول تركيا التقرب من مصر؟ هذا ما قاله مستشار أردوغان

ويضيف بدر: "لا يسعى الغزل التركي إلى المصالحة مع مصر وإعلان التوبة التركية، إنما هو مجرد فتح أبواب لإمكانية الحوار؛ وذلك لتحقيق تركيا شيئاً مما فشلت في إنجازه؛ لذلك لا يمكن توقّع أن تضحّي تركيا بحلم صعود الإخوان المسلمين في ليبيا؛ لأنّ الأمر بالنسبة إليها يتعلق بأهداف إستراتيجية، وإن قبلت برحيل حكومة السراج، فسيكون مقابل رحيل حفتر، لإفراز حكومة ليبية قابلة للاستقطاب التركي أيضاً".

على حافة الرحيل

من خلال متابعة تصريحات رئيس حزب العدالة والبناء، الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، محمد صوان، الذي قال: "بعد أن أدرك الجميع فشل المشروع العسكري، وما جرّه من دمار وخراب على ليبيا، فإنّ أيّة جهود ومساعٍ تساهم في إنهاء الاقتتال في البلاد، وترسيخ الاستقرار، وتمهّد لنجاح المسار السياسي، هي محلّ ترحيب"، معرباً عن إدراكه بأنّ نبرة الغزل هذه التي أتت بعد الغزل التركي، هي نتيجة الفشل العسكري في تحقيق أهداف تركيا أو الإخوان المسلمين في ليبيا، وأنّهم يرغبون في لعبة جديدة تقوم على التفاهمات وتقاسم المصالح.

بدر يلفت من جهة أخرى إلى أنّ "ملف الإخوان الهاربين لم يعد يثير قلقاً؛ إذ يعتقد البعض أنّ الدولة المصرية قلقة من ملف الإخوان المسلمين في تركيا، وأنّ أنقرة يمكنها أن تستخدم هذا الملف للضغط على مصر.

لا شكّ، في نظر بدر، أنّ الإخوان المسلمين يمثلون مساحة ضوضاء للدولة المصرية، لكنّ وضع الدولة المصرية حالياً ليس من السهل أن تهزّه جماعة الإخوان المسلمين؛ لذلك وجودهم في تركيا أفضل للدولة المصرية، بدلاً من عودتهم والعبث في الداخل، يأتي ذلك من الوضع الذي فرضته مصر على الشركاء الإقليميين، وأنّ الدولة تستمع لرسائل الحوار جيداً، لكنّها تنتظر أفعالاً لا أقوالاً، وهذا الأمر تفرضه مكانتها ودورها الإقليميان.

الصفحة الرئيسية