مع تفشي البطالة واختفاء الوظائف: سكان غزة في مواجهة المجهول

مع تفشي البطالة واختفاء الوظائف: سكان غزة في مواجهة المجهول

مع تفشي البطالة واختفاء الوظائف: سكان غزة في مواجهة المجهول


26/03/2026

في شوارع غزة المزدحمة، حيث تختلط أصوات الباعة المتجولين بنداءات المارة، تبدو الحياة كأنّها تسير بشكل طبيعي، لكن خلف هذا المشهد اليومي تختبئ حكايات ثقيلة عن البطالة، وانعدام الفرص، وصراع يومي من أجل البقاء.

في غزة لا تبدأ الحكاية بسؤال أين تعمل؟ بل بسؤال أكثر واقعية: هل وجدت عملاً اليوم؟ هنا حيث تتآكل فرص العمل عاماً بعد عام، لم يعد الاستقرار الاقتصادي هدفاً، بل رفاهية بعيدة المنال، وبين غياب الوظائف وارتفاع تكاليف الحياة، يبتكر السكان طرقاً يومية للبقاء.

ووفق سلطة النقد الفلسطينية، تراجع نصيب الفرد في قطاع غزة من الدخل السنوي من 1275 دولاراً عام 2022 إلى 161 دولاراً عام 2024.

ويُعدّ نصيب الفرد في القطاع من بين الأدنى عالمياً، بحسب تقرير لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية صدر في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 بعنوان "تطورات الاقتصاد في الأراضي الفلسطينية المحتلة".

وتشير تقديرات منظمات دولية والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أنّ معدل البطالة في قطاع غزة قفز ليقارب 80% (79.1% وفقاً لمنظمة العمل الدولية) منذ بدء العمليات العسكرية، وهذا الارتفاع الجنوني يعني أنّ معظم القوى العاملة تحولت إلى عاطلة عن العمل أو مشردة.

وأظهرت معطيات مركز التنسيق الأمريكي في كريات غات (CMCC)، أنّ عدد شاحنات المساعدات التي تدخل قطاع غزة انخفض بنحو 80% منذ بدء الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران.

وتراجع المعدل الأسبوعي من نحو 4200 شاحنة قبل الحرب إلى 590 في الأسبوع الأول، حتى وصل إلى 400 شاحنة.

وفي المقابل، انعكس التراجع الحاد في تدفق المساعدات على الأوضاع المعيشية، وقد سجل ارتفاعاً كبيراً في أسعار المواد الغذائية ونقصاً في السلع الأساسية داخل القطاع.

أعمال مؤقتة وحلول غير مستقرة

الشاب أحمد أبو ناجي (27 عاماً)، من حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، تخرج في كليّة إدارة الأعمال في العام 2021، ومنذ تخرجه قبل 5 سنوات لم يعمل يوماً في تخصصه، يقول وهو يجلس أمام محل صغير لبيع القهوة: "أرسلت عشرات الطلبات للحصول على وظيفة، وحضرت مقابلات عمل كثيرة، وفي كل مرة يكون الرد نفسه؛ لا يوجد شواغر".

ويضيف أبو ناجي بنبرة هادئة تخفي تعباً عميقاً: "في البداية كنت أبحث بجدية عن عمل، لكن مع الوقت شعرت أنّ الأمر بلا جدوى، والآن أعمل أيّ شيء، حتى لو كان ليوم واحد فقط".

ويعتمد أبو ناجي على ما يسمّيه بالفرص اليومية، مثل العمل في تحميل البضائع، أو مساعدة أحد الأقارب في متجر، أو حتى العمل عبر الإنترنت بشكل متقطع، ويشرح: "في بعض الأيام أحصل على (7 دولارات أمريكية)، وفي أيام أخرى لا أحصل على شيء، هذا هو الواقع حالياً".

وعند سؤاله عن كيفية تغطية احتياجاته اليومية، يبتسم أبو ناجي ابتسامة خفيفة ويقول: "العائلة هي الأساس، ونحن نعيش كعائلة واحدة، الدخل القليل الذي يأتي من أيّ فرد يتم توزيعه على الجميع".

ويتابع: "أحياناً نشتري بالدين من البقالة، وأحياناً نؤجل احتياجاتنا، فهناك أشياء كثيرة لم نعد نعتبرها ضرورية".

تضامن مجتمعي محدود

ولا يقتصر الأمر على الجانب المادي فقط، بل يمتد إلى الحالة النفسية، ويقول: "أكبر مشكلة ليست المال فقط، بل الشعور أنك متوقف، ولا تستطيع التخطيط، ولا تستطيع الزواج، ولا حتى التفكير في المستقبل، فنحن نؤجل الحياة حرفياً".

ورغم التحديات، يحاول بعض الشباب في غزة خلق فرصهم بأنفسهم، حيث جرب أبو ناجي بيع منتجات بسيطة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مثل القهوة المنزلية وبعض الإكسسوارات، ويقول: "الربح بسيط جداً، لكنّه أفضل من لا شيء، والمشكلة أنّ السوق مشبع، وقدرة الناس الشرائية ضعيفة".

وفي ظل غياب الفرص يلعب التضامن المجتمعي دوراً مهمّاً، ويشير إلى أنّ "الجيران والأصدقاء يتبادلون المساعدة، سواء عبر مشاركة الطعام، أو إقراض بعضهم البعض مبالغ مالية بسيطة، ويضيف: "نقف بجانب بعضنا بعضاً، لكنّ الجميع يعاني، لذلك المساعدة لها حدود".

ويختم أبو ناجي حديثه قائلاً: "نحن لا نبحث عن الرفاهية، فقط نريد فرصة لنعيش بشكل طبيعي، نريد وظيفة ثابتة، ودخلاً بسيطاً، وإحساساً بالأمان، متسائلاً: إلى متى يمكن لهذا النمط من الحياة أن يستمر؟".

يوم يبدأ بالحسابات

خديجة نصار (38 عاماً)، من بلدة الزوايدة وسط قطاع غزة، وهي أم لأربعة أطفال، تجلس في خيمة بسيطة، تحيط بها بعض الأواني القليلة وقطع من الخبز اليابس، وتقول بصوت خافت: "تدبير احتياجاتنا اليومية مهمة شاقة، حتى أصبحنا نعتمد على ما يتوفر من مساعدات متقطعة وما يجود به الجيران، بعد أن فقد زوجي مصدر دخله الوحيد، لنبقى نواجه معركة قاسية من أجل البقاء". 

وتستهل نصار حديثها قائلة: "كان زوجي يعمل قبل سنوات، لكن مع اندلاع الحرب توقف عن العمل، ومنذ ذلك الحين لم يتمكن من العثور على عمل ثابت، واليوم  باتت مسؤولية تدبير شؤون الأسرة تقع على عاتقي، لا سيّما بعد إصابته خلال الحرب، الأمر الذي جعل قدرته على العمل محدودة وصعبة".

وتوضح أنّها لم تكن تعمل سابقاً، لكنّ الظروف أجبرتها على تغيير دورها، وتضيف: "لم أفكر يوماً أنني سأكون المعيل الأساسي، لكنّ الحياة لا تسألنا ماذا نريد".

وتصف بداية يومها: "أستيقظ وأنا أفكر: ماذا سنأكل اليوم؟ ماذا تبقى لدينا؟ ثم أمسك بدفتر صغير أسجل فيه المصروفات، وأحسب كل شيء، الخبز، الخضار، حتى أصغر المصاريف، فإذا لم أخطط، لن يكفي شيء، وغالباً أضطر لتقليل الكميات، أو استبدال أشياء بأخرى أرخص".

ووجدت نصار طريقة بسيطة لتوفير بعض الدخل، وتكمل: "بدأت أطبخ في البيت وأبيع لجاراتي، مثل المعجنات أو بعض الأكلات، وبالرغم من أنّ الربح بسيط، لكنّه يساعدنا على الأقلّ لشراء احتياجات يوم أو يومين".

وتشير إلى التحديات وتتابع: "أحياناً لا أبيع شيئاً، وأحياناً لا أملك المال لشراء المكونات من الأساس".

أثر نفسي ثقيل

ولا تخفي نصار اعتمادها على الشراء بالدين، وتوضح: "البقالة القريبة تعرف وضعنا، ونأخذ بالدين ونسدد عندما يتوفر المال، فهذا الأمر أصبح طبيعياً، ليس لنا فقط، بل لمعظم الناس هنا".

وحين تتحدث عن أولوياتها يصبح صوتها أكثر حزماً، وتكمل: "الأطفال أوّلاً، وإذا كان لدينا طعام قليل، نعطيهم ونكتفي نحن بما يتبقى، فهناك أشياء كثيرة لا نشتريها، ليس لأننا لا نريد، بل لأننا لا نستطيع".

وتتوقف نصار قليلاً قبل أن تتحدث عن الجانب النفسي، وتبين: "التعب ليس جسدياً فقط، بل هو نفسي أيضاً، والتفكير لا يتوقف، وأخشى من الغد، وماذا لو لم نجد شيئاً؟ وماذا لو مرض أحد الأطفال؟".

وتشير إلى تلقيها مساعدات من قبل مؤسسات دولية وجمعيات خيرية، وتقول: "نحصل على مساعدات بين فترة وأخرى، لكنّها لا تكفي، ونحاول الاعتماد على أنفسنا قدر الإمكان، فالكرامة مهمة".

وتؤكد نصار: "كل ما نفعله هو محاولة للعيش يوماً آخر، وما أريده هي حياة عادية، مثل باقي الناس، فأنا لا أطلب الكثير، فقط أن أستطيع تأمين احتياجات عائلتي دون قلق".

أزمة مُركّبة

يرى أستاذ الاقتصاد بجامعة القدس أسامة علوان أنّ "الوضع الاقتصادي في غزة يمكن وصفه بأنّه أزمة مُركّبة، بعد أن تداخلت عوامل الحصار، وتراجع النشاط الإنتاجي، وارتفعت معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة، ممّا أدى إلى انكماش حاد في الاقتصاد المحلي وانخفاض القدرة الشرائية لغالبية السكان".

ويضيف علوان: "يعتمد السكان في غزة على مزيج من آليات التكيف، أبرزها  الاعتماد على المساعدات الإنسانية بشكل كبير، والعمل في الاقتصاد غير الرسمي مثل البيع على البسطات أو الأعمال المؤقتة، وتقليل الاستهلاك والتركيز على الأساسيات فقط، وهي حلول تبقي الناس على قيد الحياة، لكنّها ليست حلولاً مستدامة".

ويوضح: "هناك شريحة واسعة من السكان في غزة أصبحت تعتمد بشكل أساسي على المساعدات الغذائية والنقدية، وهذا الاعتماد يتزايد مع الوقت، لكنّه غير مستدام، لأنّه مرتبط بالتمويل الخارجي والظروف السياسية".

ويتابع علوان: "انعدام الوظائف في غزة كان له تأثير كبير على السكان اقتصادياً ونفسياً واجتماعياً، وأدى إلى زيادة الضغوط داخل الأسرة، وارتفاع معدلات الفقر، وتأخر سن الزواج لدى الشباب، والشعور المتزايد بالإحباط وفقدان الأمل، وقد تغيرت الأدوار داخل الأسرة، حيث اضطرت بعض النساء لدخول سوق العمل بطرق غير تقليدية".

ويؤكد الأكاديمي الفلسطيني: "في حال استمرت الأوضاع الراهنة على المدى الطويل دون حدوث تغييرات جوهرية، سيواجه المجتمع في غزة التآكل في رأس المال البشري وفقدان المهارات، وتوسع الاقتصاد غير الرسمي، وزيادة الاعتماد على المساعدات، واحتمالية ارتفاع الهجرة في حال فتح معبر رفح بشكل منتظم".

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية