مع التهديد الإسرائيلي باجتياحها... كيف تبدو أوضاع سكان مدينة غزة؟

مع التهديد الإسرائيلي باجتياحها... كيف تبدو أوضاع سكان مدينة غزة؟

مع التهديد الإسرائيلي باجتياحها... كيف تبدو أوضاع سكان مدينة غزة؟


08/09/2025

في وقت يخيم فيه شبح التصعيد العسكري على قطاع غزة، يعيش السكان حالة غير مسبوقة من التوتر والخوف، مع تصاعد التهديدات الإسرائيلية بشنّ اجتياح بري شامل، ينذر بكارثة إنسانية جديدة تضاف إلى سلسلة مآسي هذا القطاع المحاصر.

التهديدات الأخيرة التي أطلقها مسؤولون سياسيون وعسكريون إسرائيليون، وصفتها مؤسسات حقوقية بأنّها "تطور خطير" قد يفتح الباب أمام موجة واسعة من العنف والنزوح، بينما يرى سكان القطاع أنّها تنبئ بأيام سوداء، قد لا ينجو منها أحد.

وقد أعلن الجيش الإسرائيلي في 29 آب (أغسطس) الماضي بدء العمليات التمهيدية والمراحل الأولية للهجوم على مدينة غزة، وواصل استهداف المناطق السكنية، وهو ما أسفر عن عشرات الشهداء، في حين سجلت وفيات جديدة جرّاء التجويع.

وقال جيش الاحتلال في بيان: إنّه يعمل بقوة كبيرة على مشارف مدينة غزة، وأضاف أنّه قرر بتوجيه من الحكومة عدم شمول مدينة غزة بما سمّاها الهدنة التكتيكية المؤقتة للأنشطة العسكرية.

وكان جيش الاحتلال الإسرائيلي قد توغل مؤخرًا في أطراف حيّي الزيتون والصبرة (جنوب شرق مدينة غزة) تحت غطاء من القصف المدمر.

وأقرّت حكومة بنيامين نتنياهو قبل أيام خطة "عربات جدعون 2" لاحتلال مدينة غزة، وذلك على الرغم من "معارضة" رئيس الأركان إيال زامير وقادة عسكريين آخرين، خشية تكبد خسائر كبيرة وتعريض حياة الأسرى الإسرائيليين للخطر، والتحذيرات الدولية من التداعيات الكارثية للاجتياح المحتمل.

ودمرت إسرائيل أجزاء واسعة من مدينة غزة في الأسابيع الأخيرة، حتى قبل أن تبدأ قواتها باجتياح المدينة واحتلالها بالكامل، وفقًا لتحليل صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية لصور الأقمار الاصطناعية في الفترة بين تموز (يوليو) و25 آب (أغسطس).

وتظهر الصور أنّ معظم المناطق العمرانية في أحياء الشجاعية والزيتون والتفاح شرق وجنوب مدينة غزة قد دمرت، وهو ما يعني أنّ المرافق الإنسانية في تلك المناطق على وشك الانهيار كليًّا.

وقالت (هآرتس): إنّ بيانات حصلت عليها من خدمات الإسعاف والطوارئ في غزة تظهر أنّ أكثر من 85% من حيّي الشجاعية والتفاح قد تمّ تدميرهما.

وتمّ نسف أكثر من 70% من المباني في جباليا شمالي قطاع غزة وفي حي الزيتون جنوبي مدينة غزة ومناطق أخرى من المدينة.

لا ملجأ في غزة إلا السماء

شريف أبو راس (45 عامًا)، من حي الشجاعية شرق مدينة غزة، بدا مرتبكًا وهو يتحدث من داخل منزله الذي لم يزل يحمل آثار الدمار من قصف عام 2021.

يقول أبو راس: "نحن نعيش على حافة النار فعلًا، فلا ملجأ لنا، ولا ملاجئ محصنة، ولا خطط إخلاء، إذا قرروا الاجتياح غدًا، فأين سنذهب؟ كل بيت هنا هدف، في الحروب السابقة كنا ننام ونحن نودع بعضنا بعضًا، الآن نعيش هذا الشعور كل لحظة".

ويضيف: "جهزت وأسرتي المكونة من (8) أفراد  "حقيبة طوارئ" تتضمن أوراقنا الثبوتية، وبعض الطعام الجاف، والأدوية الضرورية، ولكننا لا نعرف إلى أين يمكننا الهرب".

ويتابع: "في كل حرب نكتشف أنّه لا مكان آمنًا في غزة، حتى مدارس "الأونروا" التي يفترض أن تكون ملاجئ أصبحت أهدافًا محتملةً، والقصف يطال النازحين والسكان في كل مكان سواء في بيوتهم أو في خيامهم".

ويؤكد أبو راس: "لا أرى أمامي مستقبلًا، وأفكر كل يوم بالهجرة، لكن حتى هذا الحلم أصبح مستحيلًا، والآن، مع التهديد باجتياح شامل، نحن مجرد أهداف في لعبة سياسية لا نملك فيها شيئًا، وندفع ثمنها نحن السكّان العزّل".

نعيش في دوامة انتظار الموت

صابرين عطوة (37 عامًا)، معلمة لغة إنجليزية من حي التفاح بمدينة غزة، تقول: "في هذه الأيام لا نخطط لأيّ شيء، لا دروس، لا مشاريع، لا زيارات، كأنّ الزمن توقف، ونعيش في دوامة انتظار الموت".

وتضيف عطوة: "ولدت في الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وكبرت في الحصار، وتخرجت في الحرب، لم أعرف يومًا طبيعيًا، كل شيء بغزة مؤقتن الكهرباء، الماء، الإنترنت، الأحلام، وحتى الحياة نفسها".

وتوضح: "لا شيء أصعب من أن تُجبري على طمأنة أطفالك وأنت لا تصدقين كلماتك، ابني الصغير يسألني كل يوم متى تنتهي الحرب؟ فأبقى صامتة لأنّه لا جواب لديّ عن سؤاله".

وتتابع: "لا نطلب شيئًا من هذا العالم، فقط أن نترك وشأننا، تعبنا، وفقدنا أحبابنا، وبيوتنا، وصحتنا، وكرامتنا، فهل نبقى ننتظر حتى نموت جميعنا؟".

وتؤكد عطوة: "لا نريد شعارات ولا مساعدات، نريد فقط أن نعيش كأيّ بشر على هذا الكوكب قبل أن تضيع حياة المزيد منّا، مبينة: "إذا حدث الاجتياح، فسيكون الأمر كارثيًا، فالكثير من الأبرياء سيدفعون الثمن".

لا ندري أين نذهب

ومن مخيم النصيرات وسط قطاع غزة تحدث الفلسطيني شوقي أبو سويرح (30 عامًا)، قائلًا: "نحن محاصرون بين نارين، الحصار الذي يجعلنا نعيش في ظل انقطاع دائم للكهرباء والمياه ونقص الغذاء، وتهديد الاجتياح الذي يقترب منّا، فلا نعرف أين نذهب إذا بدأ الهجوم البري، الشوارع مكتظة بالعائلات، والجميع يعيش في حالة رعب مستمر".

ويضيف أبو سويرح الذي يعيل أسرته المكوّنة من (6) أفراد: "لا توجد استعدادات فعلية للنزوح، فقط نسمع ونقرأ عن التحذيرات الإسرائيلية، لكن في الحقيقة لا مكان نلجأ إليه، نحن نحاول البقاء في المنزل، ونخشى أن يتحول إلى هدف إسرائيلي".

ويوضح: "كل يوم نستيقظ ونحن لا نعرف ماذا يحمل لنا الغد، أصوات الطائرات والانفجارات لا تفارق آذاننا، وأولادي لا ينامون من الخوف، نحن نعيش في رعب مستمر، وبيتنا أصبح غير آمن".

ويتابع: "الخوف لم يفارقنا، وأيّ اجتياح سيكون نهاية لنا، ولا أستطيع أن أصف الألم الذي أشعر به عندما أسمع أصوات القصف، وأرى الأطفال يبكون، فهذه ليست حياة، لم أعد أفكر بالمستقبل، فقط أحاول النجاة وعائلتي اليوم".

وحول المساعدات التي يحصل عليها، يؤكد أبو سويرح: "المساعدات قليلة جدًا، ولا تكفي لتلبية احتياجاتنا الأساسية، نعيش على أمل أن تتوقف هذه الحرب، وأن يعمّ السلام".

جريمة حرب

يرى رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني (حشد)، صلاح عبد العاطي، أنّ "التهجير القسري في غزة يصنف كجريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، في ظل الإبادة الجماعية التي يرتكبها جيش الاحتلال بحق المدنيين العزل للشهر الـ (23) على التوالي".

ويضيف عبد العاطي: "الأمم المتحدة وضعت ضمانات لحماية السكان وحقهم في السكن، وحماية المدنيين وحقهم في الحياة، وكفلت قواعد القانون الدولي الإنساني عدم المساس بالمدنيين والأعيان المدنية، وجعلت من التهجير القسري جريمة حرب".

ويؤكّد: "يتوجب على الأمم المتحدة والمنظمات الدولية أن تحمي المدنيين في أثناء النزاعات المسلحة، كما يجري في قطاع غزة، من خلال المحاسبة القانونية وفرض العقوبات على الاحتلال الإسرائيلي".

ويتابع: "كافة حقوق الإنسان تنتهك عندما يُجبر المدنيون على مغادرة أرضهم ومنازلهم قسرًا، فليس سهلًا على السكان ترك ممتلكاتهم وأراضيهم بسهولة، وهو يُعدّ من أخطر الانتهاكات التي تتم خلال حرب الإبادة الجماعية".

ويوضح: "من حق السكان رفض النزوح حتى في الظروف الخطرة، والأصل أن تتم حمايتهم وعدم المساس بهم، ولو تقيدت إسرائيل بقواعد القانون الدولي والتزاماته القانونية بموجب أحكام اتفاقيتي "جنيف ولاهاي" لما مسّ المدنيين مثل هذه الجرائم التي ترتكب بحقهم حاليًا، ولكنّ إسرائيل لا تلتزم بهذه الاتفاقيات، وتواصل ممارسة جرائمها بحق المدنيين العزّل دون رادع".

وتشنّ اسرائيل منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 حربًا شرسةً على قطاع غزة، أسفرت عن مقتل أكثر من (64368) فلسطينيًا، وإصابة أكثر من (162367) بجروح مختلفة، وفق إحصائية صادرة عن وزارة الصحة بغزة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية