
في غزة، لم تعد المطاعم تخوض معركة المنافسة وتحقيق الأرباح، بل معركة البقاء وسط ارتفاع متواصل في كلفة المواد الخام والوقود والنقل، وانكماش القدرة الشرائية للسكان. وبينما تتضاعف نفقات التشغيل، تتراجع الطلبات، لتجد المطاعم نفسها عالقة بين أسعار لا يستطيع الزبون تحملها وكلفة لا يستطيع صاحب المشروع تجاوزها.
وتحت وطأة الأزمة الاقتصادية، تحولت المطاعم في غزة من مشاريع تسعى إلى النمو والربح إلى أعمال تكافح لتغطية نفقاتها اليومية، فارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج يقابله تراجع في الإقبال، وهو ما يضغط على أصحاب المطاعم ويجعل استمرار العمل نفسه تحدياً يومياً في اقتصاد أنهكته الحرب.
وقد أظهرت أحدث بيانات السوق الأممية أنّ مؤشر أسعار المستهلك للغذاء في غزة بلغ نحو 102% فوق مستويات ما قبل الحرب، وهو ما يعكس الارتفاع الكبير في كلفة السلع الغذائية التي تشكل مدخلاً أساسيّاً لعمل المطاعم.
وأكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) أنّ ارتفاع أسعار الغذاء والوقود، بالتزامن مع تراجع القدرة الشرائية، زاد الضغوط على موارد الأسر وآليات تكيفها، وهذه المعطيات تساعد في تفسير انخفاض الإنفاق على المطاعم والوجبات الجاهزة.
وبحسب تقييم التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، واجه أكثر من 1.2 مليون شخص، أي نحو 59% من سكان غزة، مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي بين منتصف نيسان/أبريل ونهاية حزيران/ يونيو 2026، بينهم نحو 212 ألف شخص في مرحلة الطوارئ.
وفي تقرير عن عودة الأسواق والمطاعم إلى غزة، أوردت NPR/Ideastream أنّ وجبة برغر مع البطاطا والمشروب في مدينة غزة تجاوزت 30 دولاراً في كانون الثاني/يناير 2026، مع الإشارة إلى أنّ عدداً قليلاً من السكان يستطيع تحمل مثل هذه الأسعار.
أرباح تتآكل
ولم يعد أحمد حرز صاحب مطعم مذاق غزة، يحسب أرباحه بقدر انشغاله بتأمين كلفة التشغيل اليومية، بعدما التهم ارتفاع أسعار المواد الخام والوقود والنقل جزءاً كبيراً من هامش الربح، بالتزامن مع تراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
ويقول حرز: إنّ "مشروعه لم يعد يدرّ أرباحاً كما كان، بل تحوّل إلى معركة يومية لتغطية المصروفات والحفاظ على أبوابه مفتوحة"، في حين يعكس حديثه واقعاً بات يهدد استمرارية المطاعم التي تكافح للبقاء في سوق مضطربة.
ويشير إلى أنّ كلفة الوجبة تتراكم منذ شراء اللحوم والدجاج والخضروات والزيوت، مروراً بالوقود والمياه والنقل والتبريد والأجور، وصولاً إلى تقديمها للزبون. ويقول: "لا نستطيع رفع الأسعار بما يتناسب مع ارتفاع الكلفة، لأنّ المواطن نفسه يعاني من الغلاء، فإذا رفعنا السعر، خسرنا الزبون، وإذا أبقيناه كما هو، فقد نبيع بهامش ضئيل من الربح أو نخسر".
ويرى أنّ تراجع الإقبال أصبح واضحاً في حجم الطلبات اليومية، مع توجه الزبائن نحو الوجبات الأقلّ كلفة، وانخفاض طلبات العائلات والولائم، ويبين: "قبل الحرب كان الزبون يوازن بين السعر والجودة، أمّا اليوم فقد أصبح السعر العامل الحاسم، رغم أنّ كثيرين ما زالوا يرغبون في تناول الطعام من المطاعم".
ويضع هذا الواقع أصحاب المطاعم أمام معادلة قاسية: تخفيض الأسعار للحفاظ على الزبائن، في مقابل ارتفاع مستمر في تكاليف الإنتاج، ومع اتساع الفجوة بين كلفة التشغيل والقدرة الشرائية، تتقلص هوامش الربح وتتزايد مخاطر الخسارة.
ويكمل حرز أنّ أكثر ما يرهقه هو غياب القدرة على التخطيط، مضيفاً: "لا أعرف غداً كم سيبلغ سعر المواد، ولا كم عدد الزبائن الذين سيأتون، لذلك أصبح العمل قائماً على محاولة تجاوز اليوم فقط"، ويجعل هذا التقلب أيّ قرار يتعلق بالتسعير أو الإنتاج محفوفاً بالمخاطر.
ويؤكد حرز أنّ استمرار المطعم لم يعد مرتبطاً بتحقيق أرباح حقيقية، بل بالقدرة على دفع الإيجار والأجور وتأمين المواد الأساسية، ورغم ذلك، يصرّ على مواصلة العمل، قائلاً: "أغلِقت مطاعم كثيرة، وبعضها يعمل بأقلّ من نصف طاقته، لكننا نحاول الاستمرار لأنّ إغلاق المطعم يعني فقدان مصدر رزقنا الوحيد".
الطلبات تتراجع
وفي داخل مطعم "حكاية بلد" في حي النصر غرب مدينة غزة، يراقب شريف نصار صاحب المطعم حركة الزبائن التي لم تعد تشبه ما كانت عليه قبل الحرب، ويقول: إنّ "عدد الطلبات تراجع بصورة واضحة، بينما ارتفعت كلفة كل شيء تقريباً، مشيراً إلى أنّ الإيرادات لم تعد تكفي لتغطية النفقات اليومية بالسهولة التي كانت عليها سابقاً".
ويشرح نصار أنّ كلفة الوجبة تبدأ قبل وصولها إلى المائدة، من شراء اللحوم والدجاج والخضروات والزيوت، وصولاً إلى الوقود والمياه والنقل وأجور العاملين، ويضيف: "نشتري المواد بأسعار مرتفعة، لكن لا نستطيع رفع سعر الوجبة بالقدر نفسه، لأنّ الزبون لم يعد قادراً على تحمل المزيد، وإذا رفعنا السعر نخسر الزبائن، وإذا أبقيناه نخسر من هامش الربح".
ويوضح أنّ اضطراب توفر بعض المواد يدفعه أحياناً إلى شراء بدائل بأسعار أعلى، فيما ترفع تكاليف النقل والطاقة الكلفة النهائية للمنتج. ويقول: "أحياناً نشتري المادة نفسها بأكثر من سعرها السابق، ولا نعرف كيف سيكون سعرها في اليوم التالي، حتى أصبح التسعير مخاطرة، لأنّ أيّ زيادة قد تجعل الوجبة خارج قدرة الزبون".
ولم يقتصر أثر الأزمة على ارتفاع الكلفة، بل امتد إلى سلوك المستهلكين، ويشير صاحب المطعم إلى أنّ الزبائن باتوا يختارون الوجبات الأرخص، ويقللون من طلباتهم، بينما تراجعت طلبات العائلات والمناسبات بصورة كبيرة، ويواصل: "الناس تريد أن تأكل من المطعم، لكنّها تحسب كل شيكل قبل أن تطلب، ولذلك أصبح السعر أهم من أيّ وقت مضى".
ومع تراجع الطلب، لم يعد بإمكان المطعم العمل بالطاقة نفسها، لكنّ النفقات الثابتة بقيت قائمة؛ من أجور وإيجار وصيانة وشراء مستلزمات أساسية، ويواصل: "حتى عندما يكون عدد الزبائن قليلاً، هناك مصروف يجب دفعه، فالإيجار لا يتوقف، والأجور لا تتوقف، والمواد الأساسية يجب أن تتوفر، ولذلك نشعر أنّ الإيرادات تذوب في المصروفات".
ويؤكد نصار أنّ أكبر تحدٍّ يواجهه هو غياب القدرة على التخطيط، قائلاً: "لا أستطيع أن أضع خطة للشهر المقبل؛ لا أعرف أسعار المواد، ولا حجم الطلب، ولا إن كنت سأتمكن من تأمين كل ما أحتاج إليه".
ويرى أنّ "استمرار المطعم أصبح مرتبطاً بمحاولة تجاوز كل يوم على حدة، بدل التفكير في التوسع أو تطوير العمل كما كان يحدث سابقاً".
ورغم هذه الضغوط يتمسك نصار بمواصلة العمل، لأنّ إغلاقه يعني فقدان مصدر دخل للعاملين فيه ولأسرهم، متمسكاً بخيط رفيع من الأمل في البقاء والاستمرار، رغم أنّ كل يوم عمل بات معركة جديدة من أجل الصمود.
كلفة تتجاوز الأرباح
بدوره، يقول الكاتب والمحلل الاقتصادي محمد جودة: إنّ "المطاعم تعمل في بيئة اقتصادية استثنائية، تتزامن فيها الزيادات الحادة في أسعار المواد الخام والطاقة والنقل مع تراجع المبيعات والقدرة الشرائية، مشيراً إلى أنّ كلفة الإنتاج باتت ترتفع بوتيرة تفوق قدرة أصحاب المطاعم على تعديل الأسعار، وهو ما أدى إلى تآكل هوامش الأرباح ودفع بعض المشاريع إلى العمل بخسارة".
ويوضح جودة أنّ "ارتفاع تكاليف المواد والطاقة انعكس مباشرة على أسعار الوجبات، وفاقم الأزمةَ اضطرابُ سلاسل التوريد ونقص بعض الأصناف، إذ يضطر أصحاب المطاعم إلى البحث عن بدائل أكثر كلفة، ومع ارتفاع أسعار الوقود والنقل، تتراكم الزيادة عبر حلقات التوريد لتصل في النهاية إلى المستهلك".
ويرى أنّ "انكماش القدرة الشرائية يمثل أحد أبرز أسباب تفاقم أزمة قطاع المطاعم، في ظل تراجع دخول الأسر وتقدم الاحتياجات الأساسية على الإنفاق الاستهلاكي، وأدى ذلك إلى تقليص عدد مرات شراء الوجبات الجاهزة، والاتجاه نحو الخيارات الأرخص، وهو ما انعكس انخفاضاً في حجم المبيعات والإيرادات".
ويشير إلى أنّ "رفع الأسعار قد يوفر للمطاعم متنفساً مؤقتاً لتعويض جزء من ارتفاع تكاليف الإنتاج، لكنّه لا يمثل حلاً مستداماً في ظل ضعف القدرة الشرائية، فرفع الأسعار بصورة كبيرة قد يؤدي إلى مزيد من تراجع الطلب، ليجد صاحب المطعم نفسه أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على سعر مقبول للمستهلك وتغطية تكاليف التشغيل".
ويشدد جودة على أهمية دعم المشروعات الصغيرة عبر المنح والتمويلات الميسرة، وتسهيل وصول المواد الخام ومستلزمات الإنتاج، والعمل على استقرار سلاسل التوريد والطاقة قدر الإمكان، ويدعو إلى برامج لحماية العمالة ومساندة المشاريع المتضررة، مؤكداً أنّ إنقاذ هذه المنشآت لا يحافظ على المطاعم فحسب، بل يحمي مصادر دخل عشرات الأسر المرتبطة بها.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_13.jpg.webp?itok=spQUDIJB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84_6_2_0_0.jpg.webp?itok=bXmPMgmE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86_0_0_0.jpg.webp?itok=E2PAAHDO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=oReg_6OS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_1.jpg.webp?itok=xPM6Zm6W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bS9h1QQC8Ibxq-Zun7e7I3XZ9pTAR6Hooc8tBKmPdGarEceWYq-LXVMJpnmDToBW2tBynDQtONt9BYdEcNWmtnKCvf1-y8XVc2k7VapC-xhjRdvmUd6AChwb3SggR2pYGpa2blLFZ6lja7ERor2BfD54xHBRWdDoA-f_PXiCBiw75fjOudZLWKl84JjBmDnD.jpg.webp?itok=caFu8voa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_0.jpg.webp?itok=o9GuuOK0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_2_0.jpg.webp?itok=JhFfhYPA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1%20%D8%AA%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%AC%D9%8A_0.jpg.webp?itok=vxmSwnWT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_0.jpg.webp?itok=woqFOs9E)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/se2eSzBtgtZRvochpXWXHRd8zJBTdSWUjbrvDt0HXmgf6oUX8IJbzzaVjDswDs5fNPFP8F2YCXmj1QoaVi7cvkkCLIDn4lgzNlP5Fb1m1yxn_6_MonFxDiYg9RD7QPKpOqQ76LD1Y5aT7WMJxmzBKZdrEuyHdbh_kree1NSzAlBQqGvzJiK_H5thQehOLXXq%20%281%29.jpg.webp?itok=ybPL0QY1)





![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

