
في لحظة تاريخية يعلوها الصخب وتضطرب فيها البوصلة السياسية، برزت مقابلة الرئيس مسعود بارزاني على شاشة قناة (شمس) مع الإعلامي إيلي ناكوزي، كواحدة من أكثر الحوارات صدقًا ووضوحًا في المشهد العراقي والكوردي على السواء.
حديث صريح كشف عن جوهر ما يشغل الرجل منذ عقدين: كيف يمكن الحفاظ على الدولة، وعلى روح الدستور، وسط فوضى سياسية تكاد تبتلع كل المعايير؟
منذ الدقائق الأولى بدا بارزاني متّزنًا في لغته، صريحًا في توصيفه، ومتفائلًا رغم عمق الخيبة. تحدّث كرجل دولة يحمل ذاكرة الحرب وسلاح السلم، لا كزعيم حزب يبحث عن مكسب انتخابي. أعاد ترتيب الأولويات الوطنية من جديد: الدستور أوّلًا، والعدالة فوق السياسة.
الدفاع عن الدستور تحت القصف
عبارته التي تردّدت كثيرًا بعد اللقاء: "دافعنا عن الدستور تحت القصف" لم تكن مجرد توصيف لحادثة ماضية، بل شهادة على مرحلة كُتبت فيها وثيقة العراق الجديد بالحبر والدّم معًا.
حين قال ذلك أراد بارزاني التذكير بأنّ الدستور لم يكن منحة من المنتصرين، بل ثمرة تضحيات العراقيين جميعًا، والكورد في مقدّمتهم، الذين صمدوا في وجه الدكتاتورية والقصف الكيمياوي ليصنعوا عقدًا وطنيًا جديدًا.
كانت الرسالة واضحة، وهي أنّ الدستور الذي وُلد في الحرب يجب ألّا يُفرَّغ من معناه في السلم، وأنّ احترامه هو الضمانة الوحيدة لبقاء العراق دولةً لكل مكوّناته، لا ساحة لتنازع القوى.
وفي لهجته، بدا الرئيس كمن يوجّه نداءً للضمير السياسي العراقي: أن يفيق قبل أن يصبح الدستور شاهدًا على انهيار الدولة بدل أن يكون حارسها.
المحكمة الاتحادية بين القانون والسياسة
من أكثر الجمل التي أثارت الجدل قوله: "إنّ المحكمة الاتحادية مسيّسة".
لم يقلها انفعالًا، بل عن وعيٍ بخطورة ما يحدث حين تتحول أعلى سلطة قضائية إلى أداة بيد طرف سياسي.
فالدستور الذي عمل بارزاني على صياغته في ظروف استثنائية لم يكن بحاجة إلى تعديل بقدر حاجته إلى قضاء نزيه يفسّره بعدالة.
حين وصف المحكمة الاتحادية بأنّها "غير دستورية في بنيتها"، كان يقصد أنّ العراق بحاجة إلى محكمة دستورية حقيقية تُمثل التوازن الوطني بين المكوّنات، وتستمد شرعيتها من القانون لا من التوافقات الطائفية.
لم يهاجم القضاء، بل دافع عنه؛ طالب بإعادته إلى مكانه الطبيعي كـ "حكمٍ لا كخصم"، وكركيزة للثقة المفقودة بين بغداد وأربيل.
ذلك الموقف لم يكن دفاعًا عن الإقليم فقط، بل عن فكرة الدولة نفسها.
كوردستان… نموذج الدولة الممكنة
حين انتقل الحوار إلى تجربة إقليم كوردستان، كان لافتًا أنّ بارزاني لم يتحدث بلغة الفخر الذاتي، بل بلغة الإدارة الرشيدة.
قال ببساطة: "في كوردستان هناك إرادة وتخطيط وتنفيذ دقيق، بينما في بغداد هناك فوضى ومشاريع متعثرة."
بهذه الجملة القصيرة لخّص الرئيس مأساة العراق: ليست أزمة مال، بل أزمة إرادة.
تجربة كوردستان، كما عرضها في المقابلة، ليست "دولة داخل الدولة"، بل نموذج الدولة الممكنة.
الإقليم الذي نجا من الحروب بنى مؤسسات مدنية، وشبكات خدمات، واستقرارًا أمنيًا واقتصاديًا يُضرب به المثل. كل ذلك لم يكن ترفًا، بل ثمرة إرادة سياسية مؤمنة بأنّ البناء الحقيقي يبدأ من الإنسان، لا من الشعارات. وبين سطور حديثه يمكن قراءة رسالة إلى بغداد: "ما تحقق هنا يمكن أن يتحقق هناك، بشرط أن تُدار الدولة بالعقل لا بالمحاصصة."
بين الاحترام والعداء: العلاقة مع الإطار التنسيقي
أكثر النقاط حساسية في المقابلة كانت حين قال الرئيس بارزاني: "هناك أطراف نحترمها داخل الإطار التنسيقي، وأطراف أخرى تتخذ موقفًا عدائيًا، وحاولت إنهاء الإقليم."
لم تكن الجملة مجرد نقدٍ سياسي، بل كانت توصيفًا دقيقًا لحالة الانقسام التي تعيشها العلاقة بين أربيل وبغداد.
فالإقليم الذي أسهم في ترسيخ الفيدرالية كخيارٍ وطني، وجد نفسه محاصرًا أحيانًا بسياسات لا ترى في التنوع قوةً، بل تهديدًا.
ومع ذلك، ميّز بارزاني بين الخلاف والعداء، وبين السياسة والمسؤولية.
أشار إلى أنّ الاحترام لا يعني الاتفاق، وأنّ الخلاف يجب ألّا يتحول إلى خصومة وطنية.
هذا الخطاب المتوازن أعاد إلى الواجهة صورة الزعيم الذي لا يتحدث باسم الكورد فقط، بل باسم العراق العاقل الذي يبحث عن توازن ضائع.
الشراكة لا التبعية
في محور الانتخابات والعلاقة مع بغداد، لخّص بارزاني فلسفته السياسية في ثلاث كلمات: الشراكة، التوازن، التوافق.
قالها بهدوء القائد الواثق: "إذا كان هناك من يرفض الفيدرالية، فنحن أيضًا نرفض الدكتاتورية."
في هذه العبارة رسم حدود العلاقة بين الإقليم والمركز، مؤكّدًا أنّ الشراكة لا تعني التبعية، وأنّ التوازن لا يعني المحاصصة، وأنّ التوافق ليس ضعفًا، بل شرط الاستقرار.
فالدولة العادلة هي التي تُدار بالاتفاق، لا بالإقصاء، وبالاحترام المتبادل لا بالابتزاز السياسي.
كانت تلك اللحظة ذروة المقابلة، حين بدا واضحًا أنّ الرجل يتحدث بعينٍ على الماضي وأخرى على المستقبل، مدافعًا عن وحدة العراق عبر احترام كوردستان، لا على حسابها.
رسائل الختام: إلى العراقيين والكورد
في ختام اللقاء وجّه الرئيس رسالتين واضحتين.
إلى العراقيين خارج الإقليم قال: "أدعوكم إلى التفكير في مستقبل العراق والعمل لإصلاح الوضع غير السليم."
أمّا إلى الكورد، فقد قال: "صوّتوا لمن يخدمكم ويحميكم ويضمن مستقبلكم."
بهاتين العبارتين قدّم بارزاني رؤية وطنية شاملة لا تقوم على الانقسام، بل على المسؤولية المشتركة.
أكد أنّ مصير كوردستان لا ينفصل عن مصير العراق، لكنّه في الوقت ذاته لا يمكن أن يكون رهينة فشل الآخرين.
لقد كانت مقابلة الرئيس مسعود بارزاني على شاشة قناة (شمس) أكثر من حوار سياسي؛ كانت وثيقة فكرية تعبّر عن رؤية زعيمٍ لم يبدّل مبادئه رغم تبدّل التحالفات.
بدا الرئيس بارزاني كما عرفه خصومه قبل أنصاره؛ ثابتًا على المبدأ، هادئًا في الخطاب، واضحًا في الرؤية. لم يتحدث بلغة الشعارات، بل بلغة التجربة التي صاغتها الحروب والتحولات.
أثبت من جديد أنّ السياسة ليست صراعًا على النفوذ، بل مسؤولية تجاه الإنسان والوطن، وأنّ الدستور الذي وُضع تحت القصف ما زال يستحق أن يكون بوصلة الدولة لا ورقتها التالفة.
رسائله لم تكن موجهة إلى بغداد وحدها، بل إلى كل من يرى في الفيدرالية خطرًا لا فرصة، وإلى من يعتقد أنّ كوردستان مكسب سياسي لا مشروع وطني.
بواقعية رجل الدولة وإصرار المناضل، أعاد بارزاني تعريف العلاقة بين المركز والإقليم على قاعدة الاحترام المتبادل لا الخضوع المتبادل، مؤكدًا أنّ الشراكة الحقيقية لا تقوم على الخوف، بل على الثقة في الدستور والعدالة والمستقبل المشترك.
هكذا تحدث بارزاني في زمن يحتاج فيه العراق إلى صوت يعيد ترتيب المعاني:
فالدفاع عن الدستور ليس موقفًا كورديًا فحسب، بل هو دفاع عن فكرة الدولة نفسها، دولة تُبنى بالقانون، وتُصان بالإرادة، وتُحترم حين يكون في قيادتها من لا يساوم على الثوابت.






![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_1_0_0_0_0_3_0_1_0.jpg.webp?itok=2QgRc-Y1)






![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_5_1_0_2.jpg.webp?itok=6xnH0ImP)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1mpDtUyNuppx5wA4RLM50kLzs-N3DVqtOFyLTsKQNOfdoNI0SXRL41L4TalauhrWnJzqNeiqiO19JLllbIww_gs_Xbex6oxfXqqIunFxOaVjs5bblfAvwHVGIYs2GvUiK1Vlz9__xWFQ-OlxXYWNN2bh4KIE6hZR9C1VX4TG5UdHmS6xMn0k_qyTLoEXU6Io.jpg.webp?itok=4u-QQL8o)





![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5YTmzoxRDC9d4MmYVdeZ-s961mAllXxIWexH58DYTH4Ca3CxJ6td92-OSRFfcrckM8hdtTRYBcBBT4-tCjfiME-tN5gPkmrXuI1OqpSZ0LPQ8PFVl4jcBbjYdjDU-Qr27B7zbOY2bLjYpebK6gUD8qkAbEZtt6C33eqQHvE46uuyhlw75mD0pHUEeP-wPT7W.jpg.webp?itok=I39PCZfU)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_17.png.webp?itok=d_X72sea)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_3_5.jpg.webp?itok=Ci8Js3Fa)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)