مسرحية المزاد الأردنية

مسرحية المزاد الأردنية

مسرحية المزاد الأردنية


22/02/2026

كشف العفن في برتقالة الجنة

بالرغم من دخول المحتوى الالكتروني ، بفضل الانتشار الواسع لخدمات الانترنت وما تتضمنه من تطبيقات، ومن بينها "مقاطع الفيديو" بمحتوى الكوميديا السوداء، واستجابتها لمعيار السرعة والضغط الزماني، الا ان خشبة المسرح لم تفقد بريقها، ويبدو ان جمهورها بقي امينا لها، وهو ما عبر عنه الحضور الواسع والمتكرر لمسرحية "المزاد" التي تعرض على مسرح الشمس بالاردن/ عمان.

تدور أحداث المسرحية في "يوم عادي" فوق سطح إحدى البنايات في مدينة عمان، سرعان ما تتحول إلى موقف مريب وغير متوقع عندما تلتقي مجموعة من الشخصيات المتناقضة بالصدفة، تلتقي عند حدث رئيسي،وهو قرار مهندس تم فصله من العمل بالانتحار، فتنهال عليه العروض، من فاعلين اجتماعيا وسياسيا "لبيع" الانتحار، وتبدأ الأحداث بالتصاعد لتكشف عن صراعات تخفي واقعا مريرا ، عنوانه:استخدام "المزاد" كرمز لبيع القيم أو استلاب الحقوق في المجتمع، عبر نماذج اجتماعية متنوعة ، وشخصيات أخرى تعكس هموم المواطن اليومية بعيداً عن التنظير السياسي المباشر، هدفها: وضع المجتمع أمام "مرآته" بجرأة، ومناقشة قضايا إنسانية ووجودية بأسلوب تجريبي يبتعد عن الإبهار البصري التقليدي ليركز على عمق الرسالة الفكرية، حيث تدور المسرحية حول فكرة مركزية وهي "تسليع الانتحار".

وتطرق "المزاد" المسكوت عنه من باب "السخرية" تلك السخرية التي يكاد يجمع النقاد أنها من ابرز ادوات إعادة تشكيل الوعي ، من خلال: إسقاط القناع عن القوى تبدو مقدسة، وكسر هيبتها وسلطتها، وهي وخز للعقل للاستيقاظ بالصدمة، ورؤية التناقض،، انها محاولة لاعادة تشكيل الوعي بنقل الإنسان من حالة "العيش في العالم" إلى حالة فهم العالم ومساءلته، واعتقد هنا ان التحليل النقدي للخطاب بما هو عليه وهو يرنو لتحقيق غايته بالكشف عن العلاقات الخفية بين اللغة والسلطة والأيديولوجيا، وتفكيك الكيفية التي تُستخدم بها اللغة لتعزيز أو تحدي علاقات القوة والظلم الاجتماعي، فهذا المنهج يركز على قضايا اجتماعية وسياسية ملموسة مثل العنصرية، الهيمنة، والتحولات الثقافية، سعياً لتصحيح هذه "الأخطاء الاجتماعية" من خلال الوعي الخطابي ،ويدمج بين اللسانيات والعلوم الاجتماعية، وعلم النفس لفهم التفاعلات المعقدة بين ما يُقال وبين السياق التاريخي والسياسي المحيط، لذا فهذا التحليل يعد منهجية مناسبة لتجاوز النقد الجمالي للخطابات، فهذا المنهج يركز على الكشف عن الأيديولوجيا والسلطة،عبر تعرية المواقع الأيديولوجية الكامنة في النصوص، وكيفية إعادة إنتاج عدم المساواة الاجتماعية من خلال الخطاب.

في سيميائية العنوان، يرمز المزاد  لآلية "البيع والشراء" التي طغت على العلاقات الاجتماعية والسياسية، حيث يصبح الوطن أو المبادئ أو حتى الأوجاع الشخصية معروضة لأعلى سعر، وبالتزامن فان سيميائية المكان"سطح العمارة" ينسجم مع خطاب المسرحية بكونه مكشوفا ومعزولا، ويجسد حالة"الاغتراب" بالهروب من اسفل الى اعلى، حيث تستقر الحقيقة عارية.

الفجوة بين الضحك والمأساة، في مشاهد المسرحية ومحطاتها العديدة، ترجمت مفهوم" المفارقة" في النقد الفني للاعمال الابداعية ،فبينما يضحك الجمهور على مواقف الشخصيات (مثل "مس سميرة" ومعاناتها)، يدرك نقدياً حجم القهر، وبذلك تحولت السخرية من كونها هدفا عابرا الى وسيلة دفاعية لمواجهة واقع لا يمكن تغييره إلا بالضحك المرّ، وبالتزامن يبتعد خطاب المسرحية عن التجريد الفلسفي المعقد، ويتجه نحو الواقعية اليومية، فالحوارية بالمسرحية  تكشف  انحيازاً للطبقة الوسطى والكادحة، حيث تُطرح قضايا مثل الرواتب، المعيشة، والكرامة الإنسانية بلغة مباشرة تصل للوعي الجمعي دون حواجز، تتحول معها خشبة المسرح إلى ساحة لمحاكمة القيم الاستهلاكية التي تلتهم روح المواطن، وبعناوين ولافتات جاذبة تسوغ قبول اللانساني وتحاول انسنته.

ان بؤرية المسرحة التي تركز على فكرة تسليع الانتحار، كشفت مراكز قوى اجتماعية تمتلك سلطات متعددة المستويات، وكيفية استثمارها لغايات تعكس اجندات تلك المراكز، وشكلت بمجموعها انساقا مضمرة، اولها   سلطة الدين،  التي يمثلها معلم متدين ينتمي للحركة الاسلامية يساوم "الضحية" بالقول في لحظة التنفيذ انه ينتحر من اجل غزة واحتجاجا على المواقف العربية وتضامنا مع المعتقلين بحجة دعم المقاومة، وثانيها:سلطة المنظمات غير الحكومية، ومشاريعها، ممثلة بصاحب مشروع لانقاذ السلاحف في الاردن من احتمالات انقراضها، وان انتحاره ياتي احتجاجا على المعاملة السيئة للسلاحف، وثالثا: سلطة الموضة، ممثلة بشخص يساوم الضحية على ارتداء ملابس محددة تحمل العلامة التجارية لبضاعة يراد تسويقها.

لقد استخدم "المزايدون" للفوز بالصفقة لعة مشتركة ترجمت تقنيات التبديل الدلالي، والتكرار والصمت المفضي لتوتر، لتحويل الانتحار الى مفهوم بطولي وتحويل القبح الى جمال، واضفاء طابع احتفالي مليء بالبطولة، بخطاب استحضر كل مفردات الالحاح ومحاولات الاقناع، لتشتيت الضحية والتركيز على ثمن بيع الانتحار، دون ان يعي انه مقدم على فعل شنيع.

وعلى اهمية الانساق المضمرة في خطاب "المزاد" عموما، واختلاف اوزان هذه الانساق الثلاثة المذكورة  اجتماعيا، يبقى النسق الديني بما فيه من سلطة جبارة ومحمولات قداسة  تستلهم مخيالا عاطفيا بفائض من صور وردية للتاريخ ، النسق الاكثر خطورة، على اهمية النسقين الاخرين، لا سيما سؤال "ماذا تقدم لنا المنظمات غير الحكومية"، لكن النسق الديني بكل ما فيه يقدم اليوم باعتباره مرجعية لاسباب الصراعات  والمرجعية التي يتهل منها الاسلام السياسي في اعادة تدوير انتاج خطاب كراهية مع الاخر، تقدم ادلة لرواد صراع الحضارات، ورغم كل ما تقدم كان رد الضحية على كل العروض التي قدمت له لبيع انتحاره بالرفض المطلق الواعي، مع الاعتراف بقصور الدولة وتعقد المشكلات والتحديات لحظة فارقة بالمسرخية، تفتح الافق امام المتلقي للتفكير بعقل منفتح قادر على تفكيك كل ما يعرض عليه واتخاذ القرار.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية