
تنشأ على هامش الحروب الحديثة العديد من السرديات الصغرى، بما هي عليه من كونها أفكارًا وتصورات وسيناريوهات في بعدها السياسي، تترافق بالعادة مع جدالات، وهو ما تشهده الحرب القائمة بين أمريكا وإسرائيل من جهة، مع إيران من جهة، وحتى قبل انطلاق العمليات برزت العديد من المقاربات التي تبناها كتاب وباحثون من مرجعيات فكرية مختلفة، خاصة من التيارين: اليساري وتيار الإسلام السياسي، وعماده جماعة الإخوان المسلمين، إذ شهدت مقاربات هذين التيارين ومرئياتهما لمفاهيم الصراع تحولات عميقة، أنتجت تقاطعات طارئة مع "الكهنوتية" تتناقض كليًا مع الأفكار الكبرى المؤسسة لهذين التيارين، تلك الكهنوتية التي لم يعد يمثلها في العصر الحديث إلا نظام الثورة الإسلامية في إيران.
ففي محاولة من هذين التيارين للوقوف إلى جانب إيران والدفاع عنها والتحذير من سقوط النظام الإيراني، ممثلًا بالحرس الثوري الإيراني، برزت سرديتان يُراد إنتاجهما وتثبيتهما في العقل العربي والإسلامي "المستقل"، وهما: الأولى: أن إسقاط النظام الإيراني الحالي ليس من مصلحة دول المنطقة، وخاصة دول الخليج العربي، بافتراض أن من بين نتائج انهيار النظام الإيراني فوضى داخلية ستشهدها إيران وتحولها إلى دويلات، تقوم على أسس إثنية، تخوض حروبًا أهلية وصراعات ممتدة، ستؤثر على الأمن الوطني لدول الجوار، بمرجعية التداخل الإثني والطائفي بين الشعوب الإيرانية وامتداداتها مع الشعوب المجاورة، وستنعكس على جيران إيران بتداعيات أمنية واقتصادية، بما في ذلك سيناريوهات محتملة لموجات من اللجوء إليها، والثانية: أن سقوط النظام الإيراني سيخلق فراغًا إقليميًا في المنطقة سيتم ملؤه من قبل إسرائيل المتحفزة للبناء على ذلك بتحقيق أحلام المؤسسين في إقامة إسرائيل الكبرى "من النيل إلى الفرات".
وفي سياق تفكيك السردية الأولى، فالمؤكد أنها تندرج في إطار الخطط الإعلامية للثورة الإسلامية والحرس الثوري، لتوسيع مساحات الدفاع عن النظام الإيراني والتحذير من سقوط الحرس الثوري، وهي مقولة لا تؤيدها شواهد تاريخية حديثة، فسقوط الاتحاد السوفيتي أنتج دولًا جديدة في أوروبا الشرقية ويوغسلافيا، وفي آسيا الوسطى برزت دول جديدة تحولت إلى كتلة إقليمية ذات وزن سياسي واقتصادي، ورغم ما شهدته بعضها من حروب، إلا أنها مضت بشكلها ومضمونها الجديد في التنمية والبناء، وربما تختلف الصورة في البلدان العربية، فلم ينتج التغيير في العراق ولا في سوريا ولا في ليبيا دولًا جديدة، إلا من جهة الخلافات على شكل ومضمون الدولة بين أن تكون الدولة دولة مواطنة أو دولة طوائف ومحاصصة، وكان الدور الإيراني ماثلًا وواضحًا في سوريا والعراق.
أما السردية الثانية التي تزعم أن إسرائيل ستملأ الفراغ الذي سيتركه سقوط النظام الإيراني، فالمؤكد أن طروحات يمينية إسرائيلية بخصوص إسرائيل الكبرى تأتي في سياقات تنافس حزبي، وعناوين أنشأها السابع من أكتوبر عام 2023، بتعزيز مقولات هذا اليمين لاستقطاب الناخبين، ثم إن هذه السردية ينقضها انسحاب إسرائيل من سيناء المصرية وأراضٍ في الأغوار الأردنية، ومن جنوب لبنان عام 2000، ومن غزة عام 2005، بالإضافة إلى توسع إسرائيل في إقامة الجدران العازلة مع محيطها، أما لجهة ملء الفراغ من قبل إسرائيل، فلم يتم ملء الفراغ الإيراني في سوريا من قبل إسرائيل، بل من قبل تركيا والدول العربية الفاعلة "بصيغة مختلفة عن إيران"، ولم تملأ إسرائيل الفراغ في ليبيا ولا السودان ولا في العراق بعد إسقاط النظام عام 2003.
ومقابل هذه السرديات، فإن قطاعات واسعة من المثقفين العرب والإيرانيين يجادلون بسيناريوهين حول مستقبل إيران ما بعد الحرب، الأول: بقاء الجمهورية الإيرانية بوحدتها بين شعوبها وطوائفها، مع تحولات عميقة في النظام تجعل منه نظامًا ضعيفًا غير قادر على تهديد جيرانه والإقليم، وهو سيناريو مفضل لدى بعض جيران إيران الفاعلين، مثل باكستان وتركيا، بالإضافة إلى أن هذا السيناريو يشكل أحد أبرز خيارات الإدارة الأمريكية الحالية، التي تتطلع لإسقاط سيناريو "فنزويلا" على إيران، ويبدو أن القاسم المشترك بين هذه القوى هو أن لسيناريو الفوضى والتقسيم تبعات على الأمن الإقليمي في المنطقة، خاصة بالنسبة لتركيا وباكستان، غير أن هذا السيناريو محل شكوك عميقة لدى كثيرين، بمرجعية أن بقاء الحرس الثوري الإيراني وثنائية الدولة والثورة في إيران سيبقيها أسيرة لمقولات "تصدير الثورة".
أما السيناريو الثاني، فالقاسم المشترك في مقاربات رواده هو إسقاط النظام الإيراني وتغييره جذريًا بنظام جديد ينتج دولة "حكومة، سلطة تشريعية، وسلطة قضائية" تلغي ازدواجية الجمهورية والثورة ومنصب المرشد ومجالس الحكم "تشخيص مصلحة النظام وصيانة الدستور... إلخ"، وثنائية الجيش والحرس الثوري، والباسيج والشرطة، وكل الكيانات والمؤسسات المرتبطة بمكتب المرشد الأعلى للثورة، وضمن هذا السيناريو تُطرح مقاربات إمكانية تقسيم إيران إلى دول جديدة تلبي طموحات الشعوب الإيرانية، وعلى غرار يوغسلافيا السابقة، وتحظى هذه المقاربات بتأييد عند دول وشعوب عربية، باعتبارها ستفضي إلى إقامة دولة عربية في الأحواز، تمتد على سواحل الخليج العربي، وبما سيجعل الخليج ومنه مضيق هرمز عربيًا خالصًا.
وفي الخلاصة، بالرغم من أن سيناريو إحداث تغيير عميق في النظام الإيراني، وإنتاج نظام جديد على غرار النموذج الفنزويلي، يبقى قائمًا، إلا أن احتمالات نجاحه تبقى محدودة، لأسباب مرتبطة بطبيعة النظام الإيراني وتكوينه وبناه الأيديولوجية، التي لا تنسجم مع تغيير من هذا النوع مع بقاء الحرس الثوري الإيراني، فيما يبدو أن السيناريو الثاني "التقسيم" هو الأقرب للواقعية، خاصة وأن مراكز قوى إقليمية ودولية، وبعد حرب الأربعين يومًا ومراوغات القيادة الإيرانية "المنقسمة" على نفسها بالمفاوضات مع أمريكا، ترى أن الحلول المستقبلية لإيران لن تكون بهذا السيناريو.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%A4%D8%AA%D9%85%D8%B1_2_2_0.jpg.webp?itok=qqnlsSE8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/gVzdl2uVJ-yYJ5YhptNRIP9h19mku-ry0iY9zBsS61mTENsoUJCUDZ7IelA_6jeeklJjdOffwluzL0o8awDujBzr4F4_JnqoFpLQu3rD94ikkjpYTPkMeX9cjYPpq24eEJFhW9cs0mW3J6531Vmjozt5hX-icMJChobgb7E35I_HAien9iDZH8_WgG_vJsLn.jpg.webp?itok=11mi8v6r)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%AF%2022_1_0.jpeg.webp?itok=vKSlcpGF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%88%D9%83%D9%88_5_0.jpg.webp?itok=VTX-xcZG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_6_0_0.jpg.webp?itok=5xBHwzOz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/uOAZO93HrNAmgl6fQmjuFFg7IVwAXElbOPGfF1S38cRNtXzaCXRiH9qh88-Jbv0UeJMutwYKO3j12gd7ut_Q_dY8ShDpMKItMRrhAsWwaR8y03NEqE6kXVPWo9mqZ_r2_RG5fKqlM8qyTQSEJsOn72DOSbfA3bI34bVougz742Q5mE3UivTRU8ix-d-CCzG4.jpg.webp?itok=gnCOG0LF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/4_132_0_0.jpg.webp?itok=5ZsfnmFb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Anasaltikriti.jpg.webp?itok=IQeqbbI2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/XMsJz2mlV2MDbTTHM-39C6F3OV5Xionb6T4ZiiSqQXOkzXXicSM-k6qXiTi2tksDGRgl1W2PjuBaOYtyZttipkPCoCylc2lXAyTvS3dN1BQGcu5bNj8D16aJ1KhnQ7VPXo4Gdzc9uBozhFFaye9TiNygPvpaF3-9OwOD1H_rn4YMdPbuaEZux6kcf4NsimTJ_0.jpg.webp?itok=h1lHdffV)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_0.jpg.webp?itok=jEJJb5LN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%88%D9%8A%D8%A9_1_0.jpg.webp?itok=qCize2ZA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_117_1.jpg.webp?itok=jVAkyp0D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_0_0_0_0_0_0_3_0_0_0.jpg.webp?itok=hf_LUJ34)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0_0.jpg.webp?itok=N5QmyRc4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/h4gLAS1JQJlPM0hotw-QRSXjZAexc3cnXhxBGVAk1Mu9I-KYkzRf8fdCm_PgG62M3ipAt3VXinMQQf7WA0aHuTLNwwo6KPpYp8YRa5BqXYWIqiVo5itGOWB366xMGp4huRj86Ql1OInMe6NRNJCkOFpaTYJYMUK49GDLqR3RGt06KnLoYik1zRS8w6xglU2t%20%281%29.jpg.webp?itok=J97BjbeZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=wWhYK1E0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_3_5_0.jpg.webp?itok=0dj98rvZ)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%86%D9%83%D9%81%D8%A7%D8%A1_0.jpg.webp?itok=GlM2AIN3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/CoGHKdHI0A1hPADsf1xvDHVYJqUe203-L3Pi6M4DItYuTY-LBYbdxBlWhxyVw5eFpyA77EhAFTia-ZJfwN_pPc-dT2jAvVSmof1AU4jW-RzbK6tUu3zl53R8QNE4uB11Ku6-xRExeteqGE4nrU0FKMjgD-qSsmdO2ta_bQ1psS94XeIDmHXni2TQvZ9guYV4.jpg.webp?itok=d3qSl9vR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

