
رغم التباينات المذهبية العميقة بين جماعة الإخوان والثورة الإسلامية الإيرانية، إلا أنّ مسار الحركتين يكشف عن تقاطعات فكرية وسياسية واسعة، والفارق بينهما لا يكمن في الهدف النهائي بقدر ما يكمن في المرجعية المذهبية والأدوات المستخدمة للوصول إليه. إذ ينطلق المشروعان من تصور مشترك يعتبر الإسلام منظومة شاملة. ويتصدى الطرفان، والحال كذلك، لكل ما يقف على النقيض من حدود تصوراتهم، ومنها فكرة الدولة الوطنية الحديثة القائمة على مفهوم المواطنة والعقد الاجتماعي بوصفها مرجعية نهائية للسلطة، ويطرحان بديلاً يقوم على استمداد الشرعية السياسية من المرجعية الدينية ومن فكرة "الحكم الإسلامي" بمختلف صيغها.
وقد انعكس هذا التصور على الخطاب التعبوي لدى الجانبين، إذ استخدمت الحركات الإسلامية السنّية والشيعية شعارات متقاربة تهدف إلى تقديم الإسلام بوصفه الحل الشامل لمشكلات المجتمع والدولة. فشعارات من قبيل "الإسلام هو الحل"، و"الدولة الإسلامية"، و"وحدة الأمة الإسلامية"، لم تكن مجرد عبارات دعائية، بل مثلت أدوات سياسية فعالة مكنت هذه الحركات من التغلغل داخل المجتمعات والتأثير في الرأي العام وتحدي شرعية الأنظمة الوطنية القائمة. بل إنّ نقطة الالتقاء الأهم بين الإخوان المسلمين والإسلاموية الإيرانية تبرز في إيمانهما بأنّ الدين يجب أن يكون أساس التنظيم السياسي والاجتماعي للدولة. فالمشروعان ينطلقان من رفض الفصل بين المجالين الديني والسياسي، ويعتبران أنّ الإسلام يمتلك نموذجاً شمولياً للحكم ينبغي تطبيقه واستعادته قسراً.
الملالي على خُطا الإخوان
من ثم، لعبت أفكار مُنظّري الإخوان المسلمين دوراً محورياً في تشكيل الوعي السياسي لدى عدد من الإسلاميين الإيرانيين قبل الثورة. فقد وجدت مفاهيم مثل "الحاكمية" و"جاهلية المجتمع" و"شمولية الإسلام" و"الجيل القرآني" و"العصبة المؤمنة"، التي طورها سيد قطب وسبقه إليها حسن البنا في بعض الجوانب، صدى واضحاً لدى النخب الدينية الثورية في إيران خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. وعندما قدّم الخميني لاحقاً نظرية "ولاية الفقيه"، كان يعيد صياغة فكرة القيادة الدينية العليا ضمن الإطار العقائدي الشيعي، تماماً كما سعت جماعة الإخوان إلى تأسيس شرعية سياسية تستند إلى المرجعية الإسلامية في المجال السنّي. ولذلك، فإنّ الاختلاف بين المشروعين يتعلق بالصيغة الفقهية أكثر ممّا يتعلق بجوهر التصور السياسي للسلطة.
لم يقتصر التأثير على اتجاه واحد، فكما تأثر الإسلاميون الإيرانيون بأدبيات الإخوان المسلمين، شكّل نجاح الثورة الإسلامية عام 1979 مصدر إلهام واسع للحركات الإسلامية السنّية في المنطقة العربية؛ فقد أثبتت الثورة الإيرانية، من وجهة نظر الإسلاميين آنذاك، أنّ إسقاط نظام سياسي راسخ وإقامة نظام ذي مرجعية دينية أمر ممكن عملياً وليس مجرد حلم نظري طوباوي. ولهذا استقبلت العديد من الحركات الإسلامية السنّية الحدث الإيراني بحفاوة كبيرة، ورأت فيه دليلاً على قدرة الإسلام السياسي على الانتقال من مرحلة الدعوة والتنظير إلى مرحلة الحكم وإدارة الدولة. ويمكن القول إنّ الاصطفاف بهذا المعنى مع صراعات إيران الإقليمية له حمولة ترتبط بمصالح حركية مباشرة، مثل تعويم الجماعة لنفسها بعد إخفاقاتها السياسية وفي الحكم بعد ما عرف بـ "الربيع العربي"، فضلاً عن تعميم خصومتها مع الأطراف الإقليمية والدولية من خلال إدارة الصراعات التي يقودها الملالي كما حدث في غزة وفي الحرب الأخيرة التي اندلعت في شباط /فبراير الماضي.
الثورة الإيرانية قاطرة الصحوة الإسلامية
بالتالي، لم يكن هذا الترحيب بالثورة الإيرانية مقتصراً على الحواضن، بل امتد إلى قيادات الحركات الإسلامية الذين اعتبروا أنّ ما حدث في طهران يمثل انتصاراً لمشروع "الصحوة الإسلامية" بمختلف تياراته، بغضّ النظر عن الخلافات المذهبية. وقد رسّخ حسن البنا في أدبياته فكرة تجاوز الحدود القومية والوطنية لصالح مفهوم الأممية والأمة الإسلاميتين على نحو جامع وشامل. ففي رسالة المؤتمر الخامس، دعا إلى النظر إلى المسلمين باعتبارهم كياناً واحداً فرقته التحولات التاريخية والسياسية، مؤكداً ضرورة العمل على استعادة الوحدة الإسلامية بصيغتها العابرة للدول والحدود. هذا التصور الفكري هيّأ أرضية مواتية للتواصل مع شخصيات دينية شيعية كانت تحمل هواجس مشابهة بشأن وحدة العالم الإسلامي. وفي هذا السياق، جاءت لقاءات البنا بالشيخ محمد تقي القمي، أحد أبرز دعاة التقريب بين المذاهب الإسلامية، ثم تواصله مع آية الله أبو القاسم الكاشاني خلال أواخر الأربعينيات، لتؤسس لمرحلة من الحوار والتقارب بين الطرفين. واستمرت جسور التواصل في العقود اللاحقة عبر شخصيات أخرى، أبرزها نواب صفوي، مؤسس حركة "فدائيان إسلام" الإيرانية، الذي نسج علاقات فكرية مع رموز إسلامية عربية، من بينهم سيد قطب. وأسهمت هذه اللقاءات في تبادل الأفكار المتعلقة بالدولة الإسلامية والحكم الديني ودور الحركة الإسلامية في التغيير السياسي.
وعليه، لم يكن التقارب بين الإخوان والإسلاميين الإيرانيين قائماً على توافق عقائدي كامل، إذ ظلت الخلافات المذهبية قائمة وحاضرة في العديد من الملفات. غير أنّ الطرفين وجدا في مشروع ومشروعية الإسلام السياسي أرضية مشتركة تتجاوز هذه الخلافات. فالهدف المركزي لدى الجانبين تمثل في إعادة تشكيل المجال السياسي وفق مرجعية دينية، وإعادة تعريف مفهوم الشرعية السياسية بعيداً عن الأسس الحديثة للدولة الوطنية. ومن هنا يمكن فهم استمرار مساحات التقارب والتعاون بينهما في مراحل مختلفة، رغم التوترات التي فرضتها التحولات الإقليمية والصراعات الجيوسياسية لاحقاً.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/E2uZwA1X0AI7hoK.jpg.webp?itok=yAYiaTZB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%86%D8%B4%D9%82_3_0_1_0_0_0_3.jpg.webp?itok=9GN-vDYs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/it3k-iNnoU0d7E6EQAn-bIpz6asYt6Df3AcOAKkODI6Iu6oU8JVtWSnrt8LDAEZuUZCEeF_0dkHn6s3VqcHYV25EXTR6SB7UYUDD80z9aX9-befoUCOLRto4ch2M4PZpyTRBhm3KOBj3Ry-BaRd3-FvLc5JWLDOzx8xLs0TNa8iDEp2c69cDoKWIvbov0RmY.jpg.webp?itok=f6pE12JY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Mostafa_Elfeki_0.png.webp?itok=4x7KWF2O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%89_4.jpg.webp?itok=nhTH27kZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/d35b4222-7b2b-4f86-bbd3-cb45f76333f9.png.webp?itok=2NSfnwgy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%B4%D8%A7%D8%AA_0_0.jpg.webp?itok=cwho5vGR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/08dcVfVjDKDCg_OiqKsNeY9LuHnuBRg959oSPfTY9zclhCU0i1G9ddNcCaoflxmRKtwzWZZ8O8b7Nfc1rlLigrMqe6fWOI8HB5XeAEsmcXsLVu58OfHbxlu88ejuDQxqrhtLAz55q68qC5A_ZPf_y2vOHb0mUkEkwYe_iGjbNxDcfYioapjhP7awQg3TOpuE.jpg.webp?itok=_MlULBr0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/KAsHQSagKE5vVmyTgq2vEaGekqdVgGxRM7zwgBiLozHLat-eXm7s_Rz5adPiXjMvuovK-PJPan5xWutc2_5YDjBXQAjhDfwrTmc8vtYSV_DOLjWUpzgZhCzj1llc9Ofkc5B8SS1ae530fIWL5Siu_KtwjOjndYjH0oaVDmYc6z91y-DFRcUw2hH9oqu_5-mv.jpg.webp?itok=dFw_BOW1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_1.jpg.webp?itok=5fl84KZ4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%AC%D9%88%D9%85%20%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A_1_0_0_0_0_0_1.jpg.webp?itok=RKsaxLQo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/KqdE2Cu7q-gTzPLWuTdg_VDs36f4kfLPDzy_rm7DTN8DuUti2_0LH5iN68QV7IjITi6BW_neRwUzlVLyuPYAFRS9-nEMMq_o-22BiOfMBvsrtjqUHTiMsg-UsYNJW3fQqnE_etO9FVoGgNJpbfnEIlj6hsd9LzCYhkobGJX9sjh6wQS8QwmMoFZc8O2OJdR8.jpg.webp?itok=bT6cxsdx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA1_0.jpeg.webp?itok=H3sT3_hF)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_17.png.webp?itok=d_X72sea)






![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_130.jpg.webp?itok=yI3FnUfI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_3_5.jpg.webp?itok=Ci8Js3Fa)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)