
في شوارع لم تعد تشبه ما كانت عليه، حيث تختلط بقايا الإسفلت المحطم بهياكل السيارات المحروقة، يبتكر سكان قطاع غزة طرقاً بديلة للحياة، من بينها استخدام مركبات مدمرة جزئياً للتنقل، بعد أن دمر الاحتلال معظم وسائل النقل العامة والخاصة خلال عدوانه المستمر.
وفي داخل أحياء مدينة غزة تبدو المركبات كأنّها خرجت من ساحة خردة، سيارات بلا أبواب، وشاحنات بلا زجاج، ودراجات نارية أعيد تجميعها من أكثر من هيكل، لكنّها، رغم ذلك، تتحرك وتحمل بشراً.
وبعد تدمير أعداد كبيرة من سيارات الأجرة والحافلات، ارتفعت كلفة التنقل بشكل يفوق قدرة معظم السكان، ومع قلة المركبات العاملة، يجد المواطن نفسه مضطراً للقبول بأيّ سيارة متوفرة، مهما كانت حالتها.
وكانت وزارة النقل والمواصلات في قطاع غزة قد أكدت أنّ 70% من مركبات غزة دمرت كلياً أو جزئياً، وهو عدد يفوق قدرة الوزارة على إزالتها حالياً.
وأشارت الوزارة إلى أنّ حملة إزالة المركبات المستهدفة ستُنفذ فقط في مدينة غزة، كون شوارعها أقلّ تضرراً مقارنة بباقي المحافظات لا سيّما خان يونس، جنوب القطاع، التي دمر أكثر من 90% من شوارعها.
وكان وقف إطلاق النار بين الفصائل الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي قد دخل حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي.
الخروج من البيت مغامرة
في حي النصر أحد أكثر أحياء مدينة غزة حيوية، تجلس صفية أبو سمعان (38 عاماً) داخل سيارة بلا نوافذ، وقد غطيت فتحاتها بأقمشة ممزقة لتخفيف الغبار والبرد، حيث أصبحت هذه المركبات وسيلتها الوحيدة لقضاء احتياجات أسرتها.
تقول أبو سمعان وهي أم لأربعة أطفال: "الخروج من البيت لم يعد أمراً عادياً، وكل مرة أركب فيها هذه المركبات أشعر بأنني أخاطر بنفسي وأولادي، لكن ليس هناك خيار آخر."
وتشير أبو سمعان إلى داخل السيارة حيث تم تثبيت مقاعد خشبية بدلاً من الأصلية وتقول: "لا يوجد في غالبية المركبات مقاعد أصلية، ولا أحزمة أمان، ولا أبواب حقيقية بسبب احتراقها بفعل القصف، وهو ما يزيد من معاناتي أثناء ركوبها، كما أنّ المقاعد الخشبية غير مريحة وتحديداً للأطفال وكبار السن."
وتضيف: "كأم، هذا أكثر ما يؤلمني، حيث أشعر بالعجز عندما أرى أطفالي يهتزون مع كل حفرة في الطريق، وأحياناً أضطر للمشي مسافات طويلة ثم أركب أيّ مركبة متوفرة، حتى لو كانت مدمرة."
وتوضح أبو سمعان: "الطرق نفسها لا تقلّ خطراً عن المركبات، فالركام في كل مكان، ولا توجد إشارات مرورية أو إنارة، وفي الليل يكون الوضع مرعباً، كما أنني أخشى من القصف المفاجئ، وأخاف أن تتعطل السيارة في منتصف الطريق."
وتتابع: "إنّ استخدام هذه المركبات ليس خياراً، بل ضرورة قسرية، فنحن لا نبحث عن الراحة، بل عن الحد الأدنى من القدرة على الحركة". وهذه المركبات المدمرة أصبحت شريان حياة، رغم أنّها تذكرنا بالدمار في كل مرة نركبها، فالتنقل أصبح معركة، لكننا نحاول أن نبقى، من أجل أطفالنا."
صمود خلف المقود
تيسير البنا (51 عاماً) موظف يعيل أسرة من (6) أفراد، يعتمد يومياً على سيارات الأجرة للوصول إلى عمله في وسط مدينة غزة، يقول وهو يجلس في المقعد الخلفي لسيارة بلا نوافذ جانبية، وقد علقت قطعة قماش بدل الزجاج: "كل مرة أركب التاكسي أشعر بأنني أخوض مغامرة، ولا أعلم إن كانت السيارة ستصل أم ستتعطل في منتصف الطريق."
ويوضح البنا: "الأجرة تضاعفت، ومع ذلك لا يمكنني الاعتراض، إمّا أركب وإمّا أمشي لساعات، أحياناً أدفع نصف راتبي على المواصلات فقط."
ويتابع: "في إحدى المرات، تعطلت السيارة بنا قرب طريق مدمر، وانتظرنا أكثر من ساعة حتى جاء تاكسي آخر، وكنت أفكر فقط، ماذا لو كان بيننا مريض أو طفل؟" والطريق نفسها تتعبك قبل الوصول، القفز داخل السيارة، والغبار، والبرد، حتى أننا نصل منهكين قبل أن نبدأ يومنا."
ويؤكّد البنا: "هذه السيارات تشبهنا، فهي متعبة، ومهشمة، لكنّها ما زالت تسير، فنحن نركبها لأنّ الحياة يجب أن تستمر، حتى لو على أربع عجلات متعبة."
حلول بدائية للبقاء
يقول أحمد أبو دلال (43 عاماً)، وهو أب لخمسة أطفال، ويعمل سائق أجرة منذ (20) عاماً، بينما يحاول تشغيل سيارته المهشمة: "هذه السيارة كانت مدمرة بنسبة كبيرة بعد القصف، لكنني أصلحت ما يمكن إصلاحه، فلا أملك خياراً آخر."
ويضيف: "الوقود نادر، وقطع الغيار شبه معدومة، ونستخدم أيّ شيء متوفر، أحياناً نصلح السيارة بأسلاك أو قطع مأخوذة من مركبات أخرى مدمرة."
ويتابع: "أعلم أنّ هذه المركبات غير آمنة، لكنّ البديل هو عدم الوصول إلى المستشفى أو جلب الخبز أو نقل طفل مصاب."
ويبين بصوت خافت: "الخطر ليس في المركبة فقط، بل في الطريق نفسه، فالشوارع مليئة بالحفر والركام بسبب القصف والتجريف الإسرائيلي، وهو الأمر الذي قد يتسبب بحوادث خطيرة."
ويوضح: "كثير من السيارات المدمرة التي أصلحها أصحابها قصفت مرة أخرى، كأنّ الاحتلال لا يريد لنا أن نتحرك، ولا أن نبقى."
ورغم اعتياده على هذا الواقع، لا يخفي أبو دلال قلقه الدائم، ويؤكد: "كل مرة أخرج أشعر بالخوف، ليس فقط من تعطل السيارة، بل من القصف المفاجئ، فالحركة أصبحت محسوبة."
وسائل نقل غير آمنة
يقول أحمد نصر مسؤول لجنة الطوارئ بشمال غزة: إنّ "وضع وسائل النقل صعب للغاية، فقد تعرضت نسبة كبيرة من المركبات والبنية التحتية للتدمير، وهو ما أدى إلى شلل شبه كامل في قطاع النقل واعتماد المواطنين على وسائل بديلة وغير آمنة."
ويضيف نصر: "الأزمة كبيرة ومؤثرة بشكل مباشر على حياة الناس، حيث يواجه المواطنون صعوبة في الوصول إلى أماكن العمل والمستشفيات والمدارس، في حين ارتفعت تكاليف التنقل بشكل غير مسبوق."
ويتابع: "نحن ندرك خطورة هذه المركبات، لكن في ظل غياب البدائل يضطر المواطنون لاستخدامها، وهو أمر نعتبره حلاً اضطرارياً وهو غير آمن".
ويوضح نصر: "تدمير وسائل النقل أثر بشكل بالغ على حياة المواطنين اليومية، كالذهاب إلى العمل والمدارس، فالطلاب لم يتمكنوا من الوصول إلى مدارسهم بانتظام، والعاملون يواجهون صعوبات للوصول إلى أماكن عملهم، وهو ما أدى إلى تعطيل بعض الأنشطة الاقتصادية والتعليمية".
ويؤكّد نصر أنّ "كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة هم الأكثر تضرراً، إذ يصعب عليهم استخدام وسائل النقل البديلة المدمرة وغير المؤهلة للسير أصلاً في داخل غزة".
وقد ارتكبت إسرائيل منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 بدعم أمريكي إبادة جماعية في قطاع غزة، شملت قتلاً وتجويعاً وتدميرا وتهجيراً واعتقالاً، متجاهلة النداءات الدولية وأوامر محكمة العدل الدولية بوقفها.
وخلفت الإبادة أكثر من (239) ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على (11) ألف مفقود، إضافة إلى مئات آلاف النازحين ومجاعة أزهقت أرواح كثيرين معظمهم أطفال، فضلاً عن الدمار الشامل ومحو معظم مدن القطاع ومناطقه من على الخريطة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_3.jpg.webp?itok=9EkLU3jn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_36_1.jpg.webp?itok=vJ86eP42)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862.png.webp?itok=F8cw3w5L)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_4.jpg.webp?itok=rN_Ib14P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=uYAh2XlL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A9_2.jpg.webp?itok=7T9tpnrN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_5.jpg.webp?itok=CIbgJEiC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_7.jpeg.webp?itok=9QV_qQWx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_28.jpg.webp?itok=aMR9hvSn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8_18.jpg.webp?itok=meZYLOc6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%85%D8%AA%D8%A7%D9%86.jpg.webp?itok=Kmx-TQ6p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_4.jpg.webp?itok=91IxGwMX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%AF%D8%B3_8_0_1.jpg.webp?itok=JSyyab-4)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4.jpg.webp?itok=LEerTUOi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7_0_0_0_4.jpg.webp?itok=wU2pyQNF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A71.jpg.webp?itok=uIWaxHOJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AA.jpg.webp?itok=EF8Ij8Lu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_20.png.webp?itok=1CULT9B4)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%B9%D8%A7%D8%A9_1.jpg.webp?itok=NeaibOcK)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%A9.jpg.webp?itok=eJL206Uj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%A9_7.jpg.webp?itok=vVaw-Zhl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_40_0_1.jpg.webp?itok=lu1dAWax)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_3.jpg.webp?itok=zyIAiQBd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_2.jpg.webp?itok=eXdsNA4Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
