مراجعات ما بعد صفقة القرن.. ما الذي أضعف الموقف العربي؟

مراجعات ما بعد صفقة القرن.. ما الذي أضعف الموقف العربي؟

مشاهدة

01/02/2020

كأنّ "صفقة القرن" التي أعلن عنها رسمياً قبل أيام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تشبه "صدمة حداثة" جديدة، بعد أولى الصدمات الحداثية التي جاءت مجسدة في "حملة نابليون" على مصر والشام، بين 1798 و1801.
ولكنّ ثمة فارقاً جوهرياً مع الصدمة الثانية، ويكمن في السياق الزمني والتحولات التي جرت بين الأولى والثانية، وأخذاً بعين الاعتبار المدة الزمنية التي تفصل بينهما، وتمتد إلى قرنين ونيف، فقد كان مأمولاً، أنّه ما بعد تبعات "حملة نابليون"، حتى منعطف خطاب ترامب حول "صفقة القرن"، أن تكون دول المنطقة، في وضع حضاري أفضل بكثير من الوضع القائم اليوم، لولا أنّ الواقع الذي لا يرتفع، أفضى إلى ما يُشبه نكسة جديدة أصابت شعوب وأنظمة ودول المنطقة.

اقرأ أيضاً: ما هي خيارات الفلسطينيين لمواجهة صفقة القرن؟
ما الذي جرى حتى أصبحت أنظمة المنطقة في موقع ضعف أمام الغطرسة الإقليمية المجسدة في ثلاث مشاريع بالتحديد: المشروع الإسرائيلي، والمشروع التركي العثماني والمشروع الإيراني الصفوي؛ فالأحرى الضعف القديم اتجاه القوى العظمى، وخاصة القوة الأمريكية والقوة الروسية؟

من بين محطات الفشل العربي المُعمم غَلبة الخطاب الأيديولوجي خلال العقود الأخيرة، سواء في شقه القومي أو الإسلامي الحركي

يجب التذكير بداية إلى أنّه لا يمكن الحسم في مُجمل المقدمات أو الأسباب التي أوصلتنا إلى هذا المأزق الجديد، ولكن ثمة أخطاء مفصلية لا يمكن صرف النظر عنها، نورد منها بضع نقاط:
لنبدأ بأولى المعضلات البنيوية في المنطقة العربية، وهي تواضع الأداء التنموي لأنظمة وحكومات ما بعد الاستقلال؛ حيث تأخرت أغلب دول المنطقة في طرق بوابة إصلاح أحوال الدولة، في السياسة والاقتصاد والاجتماع والفكر والتديّن.. إلخ، وليس صدفة أنّ أحد أهم أسباب ظهور الحركات الإسلامية خلال العقود الأخيرة، على الأقل قبل منعطف اعتداءات نيويورك وواشنطن في نهاية 2001، بل قبل حرب الخليج الثانية في عام 1991، كانت مرتبطة بتواضع الأداء الإصلاحي لعقل الدولة في المجالين الديني والاجتماعي والاقتصادي؛ فالأحرى ما جرى مع باقي القطاعات، بكل النتائج السلبية التي نعاينها اليوم بشكل بنيوي في أداء دول المنطقة، إلى درجة أنّه في الحالة المغربية مثلاً، سوف يُعلن ملك البلاد، العاهل محمد السادس، في خطاب ألقاه مساء الثلاثاء 30 تموز (يوليو) 2019، عن فشل النموذج التنموي المغربي، قائلاً بالحرف: "لقد أبان نموذجنا التنموي عن عدم قدرته على تلبية الحاجيات المتزايدة لفئة من المواطنين، وعلى الحد من الفوارق الاجتماعية ومن التفاوتات المجالية، وهو ما دفعنا للدعوة لمراجعته". وقس على ذلك السائد في باقي دول المنطقة، دون الحديث عن الدول التي أصبحت تصنف عملياً في خانة "الدول الفاشلة"، من قبيل ليبيا واليمن، في سياق تبعات أحداث "الفوضى الخلاقة"، أو "العربي العربي" حسب التداول الإعلامي.

اقرأ أيضاً: صفقة القرن: الجرح النرجسي لسقوط روما
من بين محطات الفشل العربي المُعمم في استشراف أحداث الساحة، نجد غَلبة الخطاب الأيديولوجي خلال العقود الأخيرة، سواء في شقه القومي أو الإسلامي الحركي، دون الحديث عن ترويج الخطاب الرسمي للعديد من قادة المنطقة لتلك الشعارات الشعبوية أو ما يُصطلح عليه بالعنتريات، بالصيغة التي قوبلت بها مبادرات الرئيس المصري الأسبق أنور السادات في علاقته بإسرائيل، والذي كانت أغلب أنظمة المنطقة، بشعوبها، فالأحرى بأيديولوجياتها، تسخر من تلك المبادرات، إلى درجة أنّها تعاملت معه باعتباره رائد المشروع التطبيعي، بل وصل الأمر إلى اغتياله، ولم تتردد إيران في تسمية أحد شوارع العاصمة طهران باسم "الجهادي" خالد الإسلامبولي الذي اغتال السادات في حادث 6 تشرين الأول (أكتوبر) 1986.

اقرأ أيضاً: ما الجديد في الإعلان عن صفقة القرن؟
هناك سبب ثالث يجب استحضاره في هذا السياق، ويهم التدبير العربي الإسلامي لملف مؤرق: الدفاع عن القضية الفلسطينية ويرتبط بشكل وثيق بالسبب سالف الذكر، عنوانه اختزال الدفاع عن الملف في البعد الديني، مما أفضى إلى تقزيم البعد الإنساني/ الكوني، الذي يجلب لنا تضامن وتأييد أصوات خارج المجال الإسلامي؛ لأننا إزاء قضية إنسانية، بعيدة عن التوظيفات الأيديولوجية كما فعلنا ذلك منذ عقود، وإلا ما الذي ننتظره من ناشطين مسيحيين أو يهود أو بوذيين وغيرهم، إن أخبرناهم، بأنّ أصل دفاع شعوب وأنظمة ودول المنطقة عن القضية الفلسطينية، ديني صرف، أولاً وأخيراً.
هذا دون الحديث عن محددات أو أسباب ثانوية، وجاءت تحصيل حاصل، لعل أبرزها انقسام الخطاب الفلسطيني ذاته على نفسه في معرض الدفاع عن القضية، بين حركتي "فتح" و"حماس" الإسلامية الحركية، وإذا استحضرنا بعض تبعات أحداث "الربيع العربي"، حيث تبين بالملموس أنّ الثلاثي؛ إسرائيل وتركيا وإيران، كانوا في مقدمة المستفيدين من هذه الأحداث، ولا زال الأمر كذلك، كما هو الحال مع الإصرار التركي على تصدير المشروع "الجهادي" إلى ليبيا، ضمن أمثلة أخرى لا حصر لها، فطبيعي أن تكون إحدى نتائج هذه الأسباب مجتمعة، أن نعاين تعاملاً عربياً جمعياً مع القضية الفلسطينية، متواضعاً اليوم مقارنة مع التعامل ذاته في حقبة ما قبل "الربيع العربي"، ولا زال الرأي العام المحلي والإقليمي يستحضر، على سبيل المثال لا الحصر، أنّ المسيرات التضامنية للشارع المغربي مع القضية الفلسطينية، كانت توصف من قبل المنابر الإعلامية المحلية والأجنبية بأنّها "مسيرات مليونية"، من فرط الحضور الجماهيري، فالأحرى الحضور الرسمي، ومشاركة جميع المرجعيات والأيديولوجيات، قبل أن نعاين أفول هذه المسيرات؛ حيث أصبحت مظاهرات ما بعد كانون الأول (يناير) 2011؛ أي ما بعد "الربيع العربي"، مظاهرات عادية أو متواضعة، ولا علاقة لها قط بالحشود الكمية والنوعية لمظاهرات ما قبل تلك الأحداث.

اقرأ أيضاً: هذه أبرز ردود الأفعال على صفقة القرن
ومما يعقد أوضاع المنطقة اليوم أكثر مقارنة مع أوضاع ما قبل الإعلان الرسمي عن "صفقة القرن"، أنّ التفاعل الشعبي العام لشعوب المنطقة مع هذه الصفقة، لا يخرج عن تلقي إهانة، بشكل أو بآخر، هذا إن لم نتحدث عن شيء آخر أسوأ، وما هو مؤكد هنا، في معرض التفاعل مع هذه الإهانة، أنّه لا يمكن أن نطلب من هذه الشعوب التحلي بالموضوعية والانفتاح في معرض التعبير عن أي مشاعر تترجم مرحلة ما بعد الإهانة، خاصة أنّ الأمر لا يتعلق هنا بخطاب النخبة، سواء كانت سياسية أو دينية أو فكرية أو غيرها، وإنما يتعلق بخطاب عامة، يسهل التأثير عليها وشحن جهازها المفاهيمي عبر فضائيات وشبكة الإنترنت وتوظيفات رقمية وغيرها، وما تعج به أعمال بحثية مرجعية اشتغلت على الموضوع من طينة "سيكولوجية الجماهير" لغوستاف لوبون، يؤكد ذلك، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ هذا الكتاب صدر قبل ظهور شبكة الإنترنت والثورة الرقمية بشكل عام، ولنا أن نتأمل معالم التفاعل الرقمي لشعوب المنطقة العربية على هامش الإعلان عن "صفحة القرن"، ونتخيل موازاة مع ذلك، سيناريوهات التوظيفات السياسية والأيديولوجية والدينية والاستراتيجية التي من المتوقع أن تتلو مرحلة ما بعد الإعلان الرسمي عن مضامين الصفقة.

اقرأ أيضاً: صفقة القرن.. خاب المقامرون ولو صدقوا
ليس هذا وحسب، حيث نرى أنّ هذا الحدث ستكون له تبعات مباشرة تصب في تغذية خطاب الجماعات الإسلامية الحركية، بشتى تفرعاتها الدعوية والسياسية والقتالية أو "الجهادية"، كما لو أننا إزاء هدية مجانية توصلت بها المشاريع من حيث لم تتوقع، في زمن يتميز مشروعها بالتراجع والأفول، بفعل التطورات التي تلت أحداث "الربيع العربي".

اختزال الدفاع عن فلسطين في البعد الديني أفضى إلى تقزيم البعد الإنساني/ الكوني، الذي يجلب لنا تأييداً خارج المجال الإسلامي

ولا يتعلق الأمر بهذه الجماعات التي تشتغل بشكل مؤسساتي أو عنكبوتي أو شيء من هذا القبيل، بل يصل الأمر إلى تغذية ظاهرة "الذئاب المنفردة"، ومن باب التبسيط، إذا افترضنا أنّ دول المنطقة والدول الأوروبية تضم عشرة شباب فقط، ينتمون إلى ما يصطلح عليه بظاهرة "الذئاب المنفردة"، فإنّه بعد مستجدات "صفقة القرن"، لنا أن نضيف بضعة أصفار على يمين رقم عشرة؛ لأن هول الصدمة أو قل هول المفاجأة من "صدمة الحداثة" الجديدة، لا يمكن أن يمر كأنّ شيئاً لم يكن، بما يُفيد أنّه في ظل هذه الأجواء، ومع تكريس هذه الممارسات الغربية في زمن "الميغا إمبريالية" بتعبير الراحل المهدي المنجرة في إحدى أعماله، يتضح أنّ المنطقة العربية تتجه إلى مزيد فوضى من هول المُسببات المغذية لها.
المراجعات المنتظرة لصنّاع القرار في المنطقة، على هامش الإعلان عن "صفقة القرن"، أكبر بكثير من المراجعات التي كانت مفترضة مباشرة بعد منعطف "حملة نابليون" على مصر والشام؛ لأن ظروف اليوم تعج بالأهوال والمخاطر، بدليل ارتفاع عدد الدول العربية التي أصبحت تصنّف في خانة "الدول الفاشلة"، ووجود لائحة دول مهدّدة بذلك، إذا لم تشتغل بشكل شجاع ومصيري على مراجعات استراتيجية ونوعية.

الصفحة الرئيسية