مذكرات منشق داعشي.. ماذا جاء فيها؟

مذكرات منشق داعشي.. ماذا جاء فيها؟

مشاهدة

26/05/2021

"أنا لست بشيخ ولا بطالب علم، لكنني كنت هناك مع داعش.. شاهدت بعيني، ولمست بيدي، وما أقوله ليست رواية سمعتها، أو نقلتها، بل هي واقع معيش رأيته بعيني، وها أنذا وبعد سنوات طوال ظلمت فيها وظُلمت، أعود تائباً منصاعاً لأوامر الله، كاشفاً عن تلك التجربة المريرة، لعل هذا يجعل مولاي يصفح عني ويضعني في مصاف التائبين".. هكذا قال المنشق الداعشي أبو عيسى المصري، في كتابه (منهج الدولة صنم العجوة)، وفي رسالته (سلطان باريشا). وتنشر "حفريات" مقتطفات من هذه الشهادة على هذا التنظيم الإرهابي من الداخل.

خلافات فكرية لا حدود لها

كان قد تم تكليفي أن أكون تحت إمرة "أبي غفران" في ولاية الجزيرة، وفيها شهدت الخلافات الفكرية التي تعصف بالتنظيم، الذي أصبح أجنحة كل منها يكفر الآخر.

التنظيم أعطى عقود الأمان للناس ثم قتل 3000 جملة واحدة بحجة أنهم لم يتوبوا من الردة

المجالس كانت تغلي بالخصومات في الدين؛ فيتنازعون في مسألة ما في العقيدة، وكل منهم يتعصب لرأي.. كل منهم يستمسك بقوله مؤيّداً كلامه بقول بعض الأمراء الكبار، ويقول هذا منهج داعش.. بعضهم يقول: عرضنا هذا التأصيل على الإمامِ فأقرَّه، والآخر يقول: أنا معي سند متصل إلى أمير المؤمنين (البغدادي) بأنه لا يكفر العاذر إلا بعد إقامة الحجة.. تبرَّأ العدناني من تكفير الشعوب وأن الأصل في الناس الكفر، وأظهر أن الأصل فيهم الإسلام، ثم لما مات ختم حجي عبدالناصر على أنّ الدولة لا تؤصل الإسلام في ديار الردة!

جاءت بعد أيام المراسلات أنّ البغدادي يعتبر من يخالف بيانه مرجئاً؛ كما جاء في رسالة العدناني إلى الشيخ أبي عبد الرحمن الزرقاوي، ثم خرج بيان بالتعميم الأول؛ فما زاد الأمر إلا ضبابية وتعتيماً، ووقعت المحنة بكل من هو ضد غلو القيادة: فأقصي أبو بكر القحطاني، وهمش كعادته تركي البنعلي، وسجن أبو عبد البر الكويتي، وأبو يعقوب المقدسي، وامتحن طلبة العلم في البيان بطريقة تقرب من امتحان المأمون لأهل السنة في خلق القرآن، ثم وقعت المناظرات والامتحانات، وأُلزمت جميع المكاتب الشرعية بتوزيع البيان على كافة الجنود، وكان من لا يلتزم يُستدعى ويُساءل، وعلا منابر المساجد أهل البدع الذين كانوا يروجون البيان، ثم شنوا حملة اعتقالات واسعة لكل من كان على رأس المحنة، صاروا يعتقلون الناس على أنهم تكفيريون خوارج، إنهم الأمنيون الملثمون.

شهدتُ الخلافات الفكرية التي تعصف بالتنظيم الذي أصبح أجنحة كل منها يكفر الآخر

عُقِدَت بعد ذلك مناظرة ولم يكن عجيباً أن يتم تكفير جملة من علماء المسلمين كالنووي، فهم يريدون فتح باب التكفير على مصراعيه، وكانت أفكارهم المغالية في التكفير هي: تكفير كل من يحمل السلاح ضد النظام وإن لم يكن ديمقراطيّاً ولا علمانيّاً ولا مظاهراً على المسلمين، فقط لأنه ليس مع التنظيم، وتكفير من يستخرج جواز سفر أو يحمل هوية، وتكفير الموظفين بالعموم من غير تفصيل، وتكفير من يطلب الشفاعة من الاستشهادي ونعت الاستشهادي الذي تطلب منه الشفاعة بالطاغوت، وتكفير جملة من علماء المسلمين من الأموات والأحياء من الأحرار والأسرى.

اقرأ أيضاً: جماعة "الشكريون".. أتباع التكفير في ثوب جديد

لم يتدخل البغدادي وفق المعطيات السابقة، في مسائل التهاون بالدماء، والتوسع بالقتل للمصلحة والتعزير، وهذان الأمران ينبغي على من اقتحم بابَهما أن يكون عالماً بها من ناحية ثبوت الدعوى فيهما أولاً، ثم التحري عن صحتها، ثم الحكم وفق المعطيات، ثم النظر في مصالح تطبيق الحكم ووقتِه وكيفيته، فبعدها بدأ قتل كل المعارضين بتهمة الكفر والردة.

قتل المواطنين بتهمة الردة

لقد بدأت سلسلة القتل بحجة المصلحة والتعذير، وتطبيق قاعدة من لم يكفر الكافر فهو كافر، ويتابع المنشق أبو عيسى المصري بقوله: يعلم القاصي والداني بل وعامة الأمة، أن ابن عواد (أبو بكر البغدادي) قد أعطى الجنود عقود توبة فيكون له ما لهم، وعليه ما عليهم، ولا يتعرض لهم أحد، وبعد مدة من الزمن؛ وبعد استقرار الأمر جاءنا الأمر باعتقال كل من كتبوا إقرارات توبة، واعتقلنا الكثيرين منهم، وهرب كثيرون، وتم ترحيل المعتقلين إلى سجن يقوده المكني "أبي حسين دماء"، وهو شخصية معروفة بدمويتها، فأمر بقتلهم جميعاً، وكانوا حوالي 2000 شخص.

لقد أعطى التنظيم عقود الأمان للناس، لكنه انقلب على ذلك من أجل تخويف العامة وقتل 3000 جملة واحدة في مذبحة أطلق عليها (مذبحة المستتابين) يقول أبو عيسى: أذكر أننا عقب أن دخلنا الموصلِ، وبعد احتلالنا لسنجار، كان ضابط برتبة نقيب اسمه جهاد العبيدي، بعد أن سمع بقبولنا التوبة، وعندما وصل كنت ممن أشرف عليه، ووثقناه له، وأعطيناه بطاقة اسمه بطاقة تائب، وبعدها صدر الأمر باعتقاله من مجلس المحافظين، وآخر من جزيرة البعاج، استلمته بنفسي منه؛ فكان مطمئناً؛ وأخذ أغنامه، وسكن بالقرب من "مجلس نينوى"، لكن تمت تصفيته بفتوى الردة، وقتل هو والعديد أمثاله دون جريمة، بحجة أن الشريعة لا تقبل توبة المرتدين.

 داعش كفّرت كل من يحمل السلاح ضدها ويستخرج جواز سفر أو يحمل هوية

يتابع بقوله: عقب أن دخلنا الموصل اعتقلنا الضباط والجنود العراقيين، وأجبروا على التوبة، وبيعة البغدادي، وأن يحضر كل منهم سلاحاً، وإن لم يجد دفع 2000 دولار، ولم تأت لنا قائمة بأشخاص على التعيين بل نحن من جمع أسماءهم، وقمنا على إثر ذلك بالاعتقالات، ولو كان الأمر خاصاً بأسماء معينة؛ لأرسلت إلينا قائمة بها، لقد أقمنا الحواجز، وبدأنا باعتقال الشرطةِ وإجبارهم على أداء الغرامة، فكان بعضهم يشتري مسدساً من التجار ويجلبه لنا، وبعضهم يدفع إلينا 2000 دولار، ومن لا يستطيع منهم الدفع يودع السجن حتى يقوم أهله بجمع المبلغ ودفعه إلينا، وبعدها هجمنا عليهم جميعاً وصدر الأمر بقتل الجميع.

قتل في سجون الأمنيين على يد أبي لقمان نحو 700 عنصر أغلبهم من تونس

إنّه الغدر، وهو نفسه الذي قاموا به في مناطق الأيزيديين بسنجار، حيث تم الهجوم على المدينة، يوم 3 آب (أغسطس) 2014 م، وتم إنتاج إصدار مرئي بذلك تحت عنوان: دخول المئات من الإيزيديين إلى الإسلام، يقول أبو عيسى: الغريب أنّ الحاج عبدالله، قائد التنظيم الحالي، هو من أعطاهم الأمان، وبعدها تم تكليف "أبو سرحان أمنية"، و"أبو غفران"، وأبي مريم الجبوري، لتشكيل مفرزة لقتلهم وسجنهم جميعاً، وسبي النساء، وبيعهم في سوق النخاسة.. لقد أخذنا بناتهم بالقوة، وتم توزيعهن على قرية "قابوسية" وبعد أشهر؛ وصل لنا أمر من الحاج معتز التركماني، نائب البغدادي، أن أخرجوهم من السجون.

السجن للمعارضين

يتحدث أبو عيسى في شهادته عن سجون داعش، التي بلغ فيها التعذيب مبلغه، ليس فقط لأعداء التنظيم، بل لأتباعه، ومفتيه المعارضين للبغدادي، وأيضاً للنساء اللاتي رفضن الزواج من أعضاء الخلايا المسلحة، وبينهن أجنبيات من أوروبا.

يقول: لقد حدثني والله واحد أمني من المهاجرين للتنظيم، أنه قد قتل في سجون الأمنيين على يد الجبار الطاغية أبي لقمان نحو 700 أخ أغلبهم من تونس، ولو تحدثنا عن إجرامه لبلغ ذلك مجلداً أو أكثر، وكل هذا تحت عيون القادة حجي عبد الناصر، وحجي عبدالله، والأغرب هو التعذيب فلقد حدثني الأمني عن بعض من عذبهم هو بنفسه بأمور يقشعر الجسد من قبحها، وقال لي أحدهم سجنت من قبل، لكنني ما لقيت مثل ما وجدته في سجون البغدادي، من أمور يقشعر لها الأبدان، ومن اقتحام البيوت الآمنة في منتصف الليل، وعدم مراعاة حرمة النساء.

إجبار الناس على القتال بالقوة

بعد أن بدأ التحالف في مهاجمة التنظيم بالموصل فر الناس من الساحل الأيسر، وقل الطعام، وشح كل شيء، يقول المنشق:

كانوا يقتلون كل من يخرج، ونقل لي أبي كرم العسكري أن 350 عائلة قتلت أمامه، واتهموهم بالخروج لأراضي المرتدين، وكانوا يصورون الأهالي قبل المعارك، في فترات زمنية قديمة، واحتفظوا بالتسجيلات، وقالوا إنها للأهالي وهم يدافعون عن الموصل، وهي طريقة خبيثة وغش متقن،قاموا به في "كركوك" و"الأنبار".

سجون داعش بلغ التعذيب فيها مبلغه ليس فقط لأعداء التنظيم بل حتى لأتباعه

ويتابع: إنني أعرف أنهم لم يكونوا يجبرون الناس على البقاء والقتال معهم بالقوة وفقط، بل وكانوا يجبروننا نحن، ولقد رأيت الأخ (خاتوني) يكلفونه بتنفيذ عملية انتحارية، فقال لهم: هل أفجر نفسي من أجل إعطاب جرافة؟!، فغضبوا منه وقرروا سجنه، بتهمة التخاذل والتراجع، ثم لمّا غادر سجنهم؛ أمروه بقتل نفسه  جنوب دوميز في منطقة للبيشمركة، فاضطر لذلك وهجم بعملية انغماسية، فقطع لنصفين بالحزام الناسف، ولم يصب أحداً منهم، حيث كان على الحاجز جنديان أو ثلاثة فقتلوا، لكن راح ضحية هذه العملية قرابة مائتين من عوام المسلمين بين قتيل وجريح.

سرقة التمويلات

لقد قتلوا وسرقوا أموال الناس بالإثم والباطل والعدوان، وحصلوا على التمويل من الضرائب، وسرقة الآثار، وفرض الإتاوات، وحصل عليها القيادة، وفق ما قال المنشق أبو عيسى:

لقد دفنت أطنان من الذهب والأموال في بطون الصحراء لتستخرجها فيما بعد زمرة الخائن ابن عوَّاد، وقد وجد أحد رعاة الغنم في "البعاج" في صحراء الجغيفي، كميات كبيرة منه.. لقد جمعت هذه الكنوز والغنائم على أشلاء الناس والشباب ودمائهم، ولكن تركهم الظلوم المفسد وبطانته الفاسدة دون أنيلقوا لحاجتهم بالاً.. تركوهم ليقتلهم الجوع والفقر بينما الأمراء ينعمون بالغنائم، وأذكر منهم "أبو سمية الجبوري"، الذي كان في منزله ما يشتهي من نساء الإيزيديين والأموال.

كان أبو عيسى من أهم العناصر التي أثرت أيديولوجياً، أو كانت لها بصمة واضحة في العنف الممنهج لداعش، إذ كان من فقهاء العنف الذين شرعنوا له، واستمرت أفكارهم بين أجيال متعددة من الشباب، وها هو يدلي بشهادة عن جرائم كان هو أول المشاركين فيها، ويضعها أمام الشباب ليتعلموا منه واحدة من حكايات الإرهاب الدموي.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية