مبادرات المشي في عمّان: ثقافة جديدة تتعدى محاربة السمنة

الرياضة

مبادرات المشي في عمّان: ثقافة جديدة تتعدى محاربة السمنة

مشاهدة

25/06/2019

كان ليث جبران ما يزال طالباً في جامعة البلقاء، حين استحدث مبادرة حملت عنوان "Fast Walk"، اجتمع بمقتضاها بعدد من الطلبة المهتمّين برياضة المشي في شوارع عمّان.
لم يكن العدد آنذاك يزيد على عشرين، ليرتفع تباعاً إلى ثلاثين فخمسين، وليصل لاحقاً إلى ثلاثمئة وخمسين، بحسب قوله.

منظم مبادرة مشي: نحرص على توسيع مظلتنا لتشمل أكبر تنوّع ممكن من جميع الفئات العمرية والطبقية

أكثر ما دفع جبران للخطوة الآنفة، رؤيته "حالة السمنة المتفشية في الجامعة، خصوصاً بين الإناث"، وسماعه قلق كثير من الزميلات من خطورة المشي وحدهن في الطُرقات، وخصوصاً في الليل، كما يقول.
لم يجل في خلد جبران أنّ المبادرة، المجانية، التي أطلقها للمشي في شوارع عمّان ومناطقها كافة، سيتّسع نطاقها من فئة طلبة الجامعة إلى الدبلوماسيين وموظفي السفارات، كما يقول.
الفئة النخبوية
يوضح "استقطبت المبادرة الفئة النخبوية في عمّان، لكن هذا لا يعني أنّ الطبقة الأقل لم تكن موجودة. بل على العكس، حضرت فتيات كثر من أحياء شعبية، وكن راغبات بالمشي معنا؛ لتلافي المعاكسات التي يسمعنها حين يمشين بمفردهن".
لم يكن جبران يطالب المنضمين لمبادرة المشي بأي مبلغ يُذكَر سوى دينار واحد نظير الـ "فيست" الفسفوري الذي يعمل كعاكس ضوء من شأنه حماية المشاة ليلاً.

يشكو المشاة في عمّان من قلة الأرصفة الصالحة للمشي (المصدر: ليث جبران)

جبران، الذي يعمل حالياً في نادٍ رياضي في عمّان، والذي يبلغ من العمر 29 عاماً، يقول إنّ نقطة التجمّع الأولى، في مطلع العام 2012، كانت "كوزمو" دابوق، ومن ثم باتت تمتدّ لمناطق عدة، مستدركاً أنّ البنية التحتية "لا تساعد كثيراً؛ إذ فيها كثير من الوعورة والضيق، ولا أرصفة فعلية؛ إذ لو وُجِدت فإنّ فيها كثير من الأشجار، كما أنّ الثقافة المجتمعية ما تزال تنظر باستهجان للمشاة في بعض المرات".

اقرأ أيضاً: ما الرابط بين الرياضة الجماعية وتجارب الطفولة النفسية‎؟
يستذكر البدايات، عبر صفحة على موقع "فيسبوك"، ليصار لاحقاً لـ "انضمام أصحاب البيوت التي نمرّ عنها. يستفسرون عن مبادرتنا ونحن نمشي، ومن ثم ينضمون إلينا في مرات لاحقة بعد تبادل أرقام الهواتف".
الظاهرة في اتساع
ما سبق، يعني، وفقاً لجبران، أنّ الظاهرة "في اتساع"، بل باتت تأتي بأشكال كثيرة منها ما فيه مرافقة للكلاب ومنها ما يأتي على دراجات هوائية.
يقول "لا نمانع ضمن مبادرتنا أن يأتي أي أحد بحيوانه الأليف، إن كان مسيطراً عليه سيطرة جيدة. كما بوسعك أن تكون ضمن الطاقم المتطوّع، وأن ترافق المشاة وأنت تركب دراجتك الهوائية".

يمشي أصحاب المبادرات ضمن مسارات عدة منها ما ينطلق من جبل عمّان أو دابوق أو الشميساني (المصدر: ليث جبران)

على الرغم من ذلك، يقول جبران إنّ الظاهرة آخذة بإدخال اعتبارات أخرى كثيرة لم تكن موجودة في البدء. يوضح "كل من كانوا ينظمون هذه المبادرات، كانوا يحرصون على توسيع مظلتها بحيث تشمل أكبر تنوّع ممكن، أما الآن فباتت هناك مبادرات مشي خاصة بعائلات بعينها أو أصحاب مهن معينة فحسب".
مسارات رئيسة عدة يمضي بها جبران ومن يرافقونه في هذه المبادرة، منها ما يبدأ بجبل عمّان أو وسط البلد وينتهي عند دوار الرابية، فيما الثاني يبدأ من شارع الثقافة وينتهي عند دوار الكيلو، ليبدأ الثالث من منطقة دابوق أو الدوار السابع وينتهي بوجهة متغيرة كل مرة.
ثقافة المشي الجماعي
أسامة فحماوي، واحد ممّن يبيعون الـ "فيستات" العاكسة، في شركة المجموعة التكاملية، يرصد بدوره أنّ الفئة التي تبحث عن هذه المنتجات "نخبوية الطابع"، على الرغم من أن الثمن لا يعدو دينارين.
كما يلفت إلى "غياب ثقافة المشي الجماعي في أحياء راقية، لدى الفئة الكادحة".

اقرأ أيضاً: أيهما أفضل لفقدان الوزن.. الرياضة أم النوم؟
من جهته، يرفض نادر عبد الله (35 عاماً) هذا التصنيف الطبقي، قائلاً "انتظمت في هذه المبادرات ما يزيد على عامين ونصف العام، ولم أفكر حتى بتقييم الفئة التي تزاول هذه الرياضة معي"، مضيفاً أنّ "الأحاديث سطحية للغاية. المعظم كان يضع سمّاعات في أذنيه ويكتفي بالمشي جماعياً، من دون وجود أبعاد للتعارف".

مبادرة مشي مستمرة رغم أنه لا أرصفة فعلية لها، كما أنّ الثقافة المجتمعية ما تزال تنظر باستهجان للمشاة

الأمر ذاته، موجود لدى محمد البني، الذي نظّم مبادرة مشي، لكن بالدراجات الهوائية هذه المرة. يقول "كلنا كان يضع خوذة الحماية على رأسه ويرتدي الفيست العاكس ويمضي على دراجته الهوائية، من دون تجاذب أطراف الحديث كثيراً".
ويردف: هناك سيارة كبيرة كانت ترافق راكبي الدراجات الهوائية؛ لـ "أخذ المتعب منهم أو إصلاح درجاته الهوائية إذا تعطّل فيها شيء فجأة".
البني بعكس جبران، لا يختار طرقات عمّانية عدة، بل منطقة دابوق على وجه التحديد، وفي مرات عبدون أو دير غبار، "وتحديداً الدخلات الفرعية وبين البيوت"؛ لضمان مزيد من السلامة؛ إذ يقول إنّ الطُرقات العامة غير آمنة كثيراً، "كما يفتقر المجتمع حتى اللحظة لثقافة الدراجة الهوائية كما لا يعتبرها نوعاً من الرياضة الفعلية".

تنطلق مبادرات عدة منها ما يختص بالمشي فقط أو مع الحيوانات الأليفة ومنها ما يختص بالدراجات الهوائية (المصدر: ليث جبران)

مشي بالدراجات
ياسمين نواتي (26 عاماً)، واحدة ممّن يركبن دراجتهن الهوائية وينطلقن ضمن هذه المبادرة. تقول "منذ الصغر، وأنا أستمع لتعليقات سلبية حول ركوب الفتيات الدراجات الهوائية، لكني الآن، أنطلق مع المشاركين دونما تردّد أو قلق من المعاكسات".

اقرأ أيضاً: ماذا يخبرنا العلم عن الرياضة وألزهايمر؟
يؤكد كل من جبران والبني على أهمية هذه المبادرات في المجتمع الأردني؛ وذلك لكونها غير مكلفة، ولا تلزم من يشتركون بها بأي نوع من الرسوم أو ارتياد نوادٍ رياضية، عدا عن كونها تكرّس مبدأ المبادرة التطوعية، بالإضافة لأبعادها الصحية في مجتمع احتلّ المرتبة الخامسة عالمياً في نسبة السمنة، بحسب موقع  The Gazette Review الأمريكي، في العام 2016، وإن كانت غائبة، بحسب القائمين عليها، عن أحياء عمّان الشرقية ومخيمات اللجوء، ما يجعل جزءاً من المعادلة السكانية غير مطروح ضمن برنامجها حتى اللحظة.


الصفحة الرئيسية