ما وراء العمامة... كيف نواجه الظلامي القابع في أعماقنا؟

ما وراء العمامة... كيف نواجه الظلامي القابع في أعماقنا؟

ما وراء العمامة... كيف نواجه الظلامي القابع في أعماقنا؟


08/03/2026

المتهم: "لا...، أنا ما بقراش ولا بكتب، لكن "الأمير" قال لي إنّها كفر، ونحن ننفذ الأوامر."

بهذه الكلمات الصادمة اعترف المتهم بمحاولة اغتيال الأديب العالمي نجيب محفوظ بأنّه لم يطالع سطراً واحداً من الرواية التي أهدر دم مؤلفها بسببها. لم يكلف الرجل نفسه عناء البحث عن الأسباب التي دفعت مفتي الجماعة لرمي مبدع فذ بالكفر واستباحة دمه، بل مضى مغيباً لينفذ أجندة "الأمير". إنّ حقيقة جهله، سواء كان أبجدياً أو فكرياً، لا تشفع له ولا تبرر جرمه؛ فهو إنسان اختار العيش في كهفه المظلم طواعية، وناصب النور العداء عن قناعة. وحتى إذا كان هذا "الأمّي" معذوراً بجهله في عرف البعض، فما عذر كبار المُنظّرين الذين سوّغوا هذه الأفعال الإجرامية؟ ماذا عن أسماء مثل الشيخ الغزالي أو الدكتور يوسف القرضاوي وغيرهم، الذين أسهمت فتاواهم في تحويل شباب إلى أدوات للقتل والتكفير؟

طوال تاريخ مصر الحديث لعب بعض أصحاب العمائم دوراً واضحاً في محاصرة التفكير الحر؛ حيث استغل فريق منهم معرفته الدينية لتبرير العنف ومنحه غطاء شرعياً، إلا أنّ فريقاً آخر من داخل المؤسسة الدينية اختاروا لأنفسهم طريقاً مغايراً تماماً. الفارق الحقيقي بين التجربتين لا يعود إلى كمية المعلومات الدينية التي يمتلكها كل طرف، بل في الشجاعة على مواجهة الجهل. الفريق الأول ظل يعيش في حالة تصالح كاملة مع أفكاره المسبقة، مستخدماً علمه لتأكيد انحيازاته لا لمساءلتها، في حين أدرك الفريق المستنير أنّ المعركة الأهم ليست مع ظلام الجهل لدى الآخرين فحسب، بل في قدرته على رصد الظلام الكامن داخل وعيه هو، وتفكيك القناعات التي تمنعه من رؤية الحقيقة.

ومثلما كانت العمامة أحياناً ستاراً للتشدد واحتكار الصواب، قدّم معممون آخرون مثالاً للنزاهة الفكرية والانحياز للحرية. ثمة فرق كبير بين مَن استخدمها لحماية الجمود، وبين رواد جعلوا منها منطلقاً للتغيير؛ من رفاعة الطهطاوي الذي سعى لنقل تجربة التمدن، إلى محمد عبده الذي اشتغل على تحرير العقل من التقليد، وصولاً إلى طه حسين الذي راهن على الفكر النقدي لتطوير المجتمع. هؤلاء لم تكن العمامة لديهم عائقاً أمام الحداثة، بل كانت دافعاً أخلاقياً للتنوير، ليثبتوا أنّ جوهر المعرفة لا يكمن في شكل اللباس، بل في مدى القدرة على تقبل العصر والانفتاح عليه. 

لقد خاض رواد التنوير من الأزهريين صراعاً ذاتياً مريراً، ودفعوا ثمنه من استقرارهم النفسي وتصالحهم مع الأفكار الموروثة، ولم يخرجوا للناس بأفكارهم إلا بعد أن نقدوا قناعاتهم القديمة وحطموها. لم يكن نقدهم للماضي طلباً لشهرة أو ربح، بل كان رحلة خلاص انتزعوا فيها أنفسهم من أفكار إقصائية كادت أن تبتلعهم. ولم تكن تضحيتهم الكبرى في مواجهة المجتمع فحسب، بل أوّلاً في مواجهة نسخهم القديمة؛ وهي مواجهة يتهرب منها منظّرو الظلام الذين يفضلون التبعية للجماعة على حرية الضمير.

الاستنارة: مخاض التطهير الذاتي

لا تبدأ المعارك الحقيقية ضد الجهل في ساحات الجدال أو عبر شاشات الإعلام وصفحاته، بل تنطلق من تلك الزوايا الخفية في وعي الإنسان نفسه. فالاستنارة ليست هجوماً يشنه المثقف على مجتمعه، بل هي رحلة تطهير ذاتي شاقة؛ هي تلك اللحظة التي يملك فيها المرء شجاعة نقد أفكاره الراسخة وموروثاته التي سكنت عقله دون إذن. وقبل أن يواجه المفكر ظلام الآخرين، عليه أوّلاً أن يواجه ظلامه الخاص؛ فكل فكرة استبدادية يرفضها في الخارج قد تكمن جذورها في أعماقه على شكل انحياز، أو خوف، أو رغبة خفية في احتكار الحقيقة. إنّ هذه المواجهة ليست ترفاً، بل هي شرط أخلاقي؛ فمن يعجز عن هزيمة المستبد الصغير القابع في عقله، لن يكون سوى صدى باهت لنور يدّعي امتلاكه.

عندما يبدأ المفكر في تسليط ضوء العقل على المساحات المحرمة، يصطدم مباشرة مع القوى التي تستفيد من العتمة؛ أهمها وأكثرها شراسة سلطة التقاليد التي ترى في النقد زعزعة للاستقرار، وكذلك سلطة المؤسسة، سواء كانت دينية أو سياسية، التي غالباً ما تعتبر التساؤل نوعاً من التمرد. وغالباً ما يدفع المفكر ثمن استنارته عزلة اجتماعية واغتراباً مؤلماً، وهو ما يجعل العملية صراعاً من أجل البقاء المعنوي والفكري.  

من "العمامة إلى العقل": نماذج التحرر

تُعتبر تجربة رفاعة الطهطاوي النموذج العربي الأبرز لصدمة الاستنارة، والصراع الذي يخوضه المفكر عند الانتقال من فضاء عقائدي مغلق إلى فضاء معرفي مفتوح. لقد كان الطهطاوي المستنير الأوّل في النهضة العربية الحديثة، وتجربته تجسد الصراع بين التراث والحداثة في أبهى صوره. خرج الطهطاوي من قلب المؤسسة التقليدية، الأزهر، كإمام لبعثة تعليمية إلى فرنسا، وهناك لم تكن استنارته مجرد تعلم لغة غريبة عليه، بل كانت صراعاً معرفياً هائلاً اكتشف من خلاله أنّ الاستنارة ليست مجرد دراسة العلوم الطبيعية التي أنتجها الغرب، بل هي المنظومة القيمية التي طورها في مجتمعاته، من حرية، ودستور، وحقوق مواطنة.

لم تكن الترجمة عند الطهطاوي مجرد نقل للألفاظ، بل كانت اشتباكاً لغوياً وفلسفياً لابتكار مفاهيم لم يعرفها الوعي الجمعي المصري حينها؛ فقد سعى من خلالها إلى تطويع فكرة "الدستور" لعقلية أقصى طموحها العثور على المستبد العادل، وصارع لترسيخ "الوطنية" كبديل أو مكمل للانتماء الديني والقبلي، مؤصلاً لمبدأ أنّ "حبّ الوطن من الإيمان". إلا أنّ عودة الطهطاوي من أنوار باريس اصطدمت بواقع القاهرة المحمل بالركود والشك؛ فبدأت معاركه بمواجهة شرسة مع زملائه الأزهريين الذين رأوا في دعواته، كتعليم البنات أو استلهام النظم السياسية الغربية، خروجاً صارخاً عن المألوف. ولم يقف الأمر عند حدود الفكر، بل امتد لصدام مع السلطة أدى لنفيه إلى السودان في عهد الخديوي عباس الأوّل، لتكون تلك أولى الضربات التي يتلقاها من سلطة تستأنس بالظلام وتخشى التنوير.

تمثلت إحدى أبرز جهود رفاعة الطهطاوي لتحديث الفكر العربي في ترجمته لمدونة "القانون المدني الفرنسي"؛ وهي خطوة لم تكن مجرد نقلٍ لنصوصٍ تشريعية، بقدر ما كانت محاولةً جادة لوضع أسسٍ عصرية تنقل المجتمع إلى آفاق التنظيم والحقوق. لم تكن هذه الترجمة ترفاً أكاديمياً، بل كانت سعياً واعياً لانتزاع الواقع من عشوائية الفتاوى المظلمة وضيق الأحكام المتوارثة، إلى رحابة "دولة القانون والمواطنة". إنّ استجلاب "كود نابليون" وتطويعه للبيئة المحلية كان بمثابة إعلان استقلال للعقل عن وصاية "الأمير" وسطوة الفقيه المؤدلج. وعلى ذلك واجه هذا الفعل التنويري عنفاً شديداً من ظلامية شرسة اعتبرت القوانين الوضعية كفراً صريحاً، فأثارت الحاكم ضده، ودفنت الكتاب في مخازن المطبعة الأميرية.

كانت ترجمة رفاعة الطهطاوي لمدونة "القانون المدني الفرنسي" إحدى أهم محطاته لتحديث الفكر العربي؛ فهي لم تكن مجرد نقل لنصوص قانونية، بل كانت محاولة عملية لإرساء قواعد عصرية تضمن تنظيم المجتمع وحفظ الحقوق. لم يهدف الطهطاوي من هذا العمل إلى تحقيق مكسب أكاديمي، بقدر ما أراد نقل الواقع من عشوائية الأحكام المعتمدة على الفتاوى المتباينة إلى رحابة "دولة القانون" التي يتساوى فيها الجميع. إنّ جلب "كود نابليون" ومحاولة مواءمته مع البيئة المحلية كان بمثابة خطوة لتحرير العقل من التبعية المطلقة لهوى الحاكم أو ضيق أفق التفسيرات المتشددة. ومع ذلك واجه هذا الجهد معارضة عنيفة من تيار رأى في القوانين الوضعية خروجاً عن الدين، فنجحوا في تحريض السلطة ضده، لينتهي الأمر بمصادرة الكتاب وحبسه في مخازن المطبعة الأميرية، بعيداً عن أيدي الناس وعقولهم.

محمد عبده: روح جديدة في أروقة التقليد

جسّد الإمام محمد عبده أسمى صور هذا الجهاد من داخل القلعة المؤسسية؛ فلم تكن استنارته تبنياً لأفكار مستوردة، بل كانت ثورة على الذات القديمة، ورفضاً للتقليد الأعمى الذي يقدّسه أقرانه. لقد انتزع عقله من ركام الجمود ليؤكد أنّ الإيمان الحقيقي ثمرة للنور لا نتاجاً للعماء، ممهداً الطريق لجيل لا يخشى السؤال.

وفي سياق رحلة الاستنارة كان محمد عبده هو الوريث الشرعي لمشروع الطهطاوي، لكنّه صبغ الاستنارة بصبغة فلسفية وفقهية عميقة. فالاستنارة عنده تبدأ من داخل النص الديني عبر الاجتهاد؛ حيث يرى أنّ الإسلام دين العقل، وأيّ تعارض بين العقل والنقل لا بدّ أن ترجح فيه كفة العقل (مع التأويل). خاض عبده معارك ضارية ضد الجمود الأزهري، وضد الاستعمار، وضد الاستبداد السياسي. وكانت أدواته في تلك المعركة التعليم، والصحافة (العروة الوثقى)، وإصلاح المؤسسات (الأزهر والقضاء)، مستهدفاً  تنشئة فرد مستنير قادر على التفكير الحر، ومن ثم يأتي إصلاح المجتمع تلقائياً. كانت الاستنارة عند محمد عبده فعل تحرر هو في جوهره معركة لكيلا يكون الإنسان نسخة من سلفه، والاستنارة لديه هي الرشد الذي يجعل الفرد مستقلاً عن الوصاية.

كان محمد عبده ابناً مخلصاً للأزهر، لكنّه أدرك بذكائه أنّ الجهل قد يتستر أحياناً باسم الدين، وأنّ أخطر أنواع العمى هو الجهل المقدّس. خاض الإمام صراعاً طويلاً ليفصل بين التدين الحقيقي وبين الخرافة والجمود؛ وتحمّل في سبيل ذلك هجوماً وتشويهاً كبيراً، لكنّ جهوده هي التي مهدت الطريق لمن جاء بعده من رواد التنوير، لقد أثبت الإمام أنّ المسلم يمكنه أن يكون مستنيراً وعصرياً دون أن يمس إيمانه، بل إنّ الإيمان الحق هو ثمرة النور لا الظلام؛ وبذلك وضع حجر الأساس للحماية من الفكر المتطرف، مؤكداً أنّ الوعي والعقل هما عبادة وقربى إلى الله، وليسا خروجاً عن طاعته.

التركة الغالية: من الإمام إلى العميد

على خُطا محمد عبده مضى طه حسين ليجعل من التنوير منهج حياة، فلم تكن بصيرته وليدة المصادفة، بل انتزعها انتزاعاً من قيود موروث كاد أن يحاصره. بدأت معركته الكبرى من الداخل ضد "الشيخ" الكامن في وعيه القديم، ليتحرر من سلطة النقل ويتحول إلى "أستاذ" يسعى لفك ركود العقل الجمعي. ولم تكن تضحيات "العميد" مجرد صدام مع القوى المحافظة أو صمود أمام الملاحقات القضائية، بل تجلت في ذلك "الاغتراب الروحي" الذي اختاره حين قرر الانفصال عن التبعية الفكرية. وعندما ضاقت رؤيته بجمود المؤسسة التقليدية، قرر خلع "العمامة" ليغادر صحن الجامع العتيق نحو ميدان أرحب وأكثر تحرراً؛ الجامعة المصرية. هناك  دشن مرحلة جديدة في تاريخ العقل العربي؛ وحين وجّه نقده للمسلّمات الذهنية في كتابه "في الشعر الجاهلي" لم يكن يقدّم مجرد دراسة أدبية، بل كان يعلن انحيازه الكامل للمنهج العلمي في مواجهة العاطفة والتقليد. لقد أثبت طه حسين في أروقة الجامعة أنّ التنوير ليس ترفاً ذهنياً، بل هو مخاض معرفي مؤلم لولادة عقل جديد لا يقبل القيود.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية