ما معنى "نحن لا نحلّ ولا نربط"؟

ما معنى "نحن لا نحلّ ولا نربط"؟

مشاهدة

10/03/2021

الثّقة المتضمَّنة في اعتقادنا البديهي أننا نعرف الإجابة عن سؤال: ما معنى أن يمتلك الإنسان ذاته؟ قد تبعدنا عن الإجابة أكثر مما نعتقد، فنحن في الحقيقة نمتلك تصوّراً غير ناضج عن معنى امتلاك الإنسان لذاته، وغالباً ما يكون هذا التصّور مشروطاً بالجهة التي نقف عليها، فهي على الأغلب مَنْ تحدّد الإجابة أو بالأحرى من تحدّ الإجابة وتغلقها، خاصةً أنّ الكثير الكثير من الجهات صاغتها العقائد التي أسست سلطتها على تشظّي الذات وانمحائها؛ فالإنسان يمتلك ذاته حين يجدها ويعثر عليها. يبدو أنّنا حللنا المشكلة مجتمعة بضربة واحدة ــ ولكن من العسير أن يجد الإنسان ذاته إذا لم يكن حراً؛ فالحريّة التي تشكّل تهديداً مباشراً لأيّ سلطةٍ على الإطلاق، تبدأ مع الإنسان الذي امتلك ذاته، وهذا ما يفسّر كيف أنّ قوّة أي سلطة تتزايد كلّما تزايد اغتراب الفرد عن ذاته، فعبودية الإنسان وعجزه كانا الشرطين اللازمين لاستمرار السلطة وازدهارها.

 

الحريّة التي تشكّل تهديداً مباشراً لأيّ سلطةٍ على الإطلاق تبدأ مع الإنسان الذي امتلك ذاته

تشكّل القدرة على اتخاذ القرارات المرتكزَ الأقوى في قراءة تعيّن الذات، فمن لا يمتلك ذاته لا يمكن له أن يقرر، بمعنى أن يكون قراره هو، وهو إذ يعتقد أنه يقرر، لن يلاحظ أنّ ما قرّره هو ما يجب عليه أن يقرره؛ هذه النتيجة يؤكدها سؤال لطفل في المرحلة التعليمية المتوسطة أثناء تطبيق مهارة حلّ المشكلات: "ما الفائدة من تعلّم هذه المهارة ونحن لا نحلّ ولا نربط، ولسنا أصحاب قرارٍ، لا في أمورنا الشخصيّة البسيطة، ولا في مشكلات العالم المعقّدة"، نعم إنه محقّ، فأنظمة التربية في مجتمعاتنا تقرر كلَّ شيءٍ عن الطفل، ماذا عليه أن يحب وماذا عليه أن يكره وماذا عليه أن يفعل وماذا عليه أن يتكلّم، ثم نبدأ بشحنهم بشعارات مجوّفة (أنتم أمل المستقبل، وأنتم صُنّاعه)، بينما هذا المستقبل المحبط الذي ينتظرهم، هو كلّ رغباتنا نحن الكبار وقد قرّرنا عن أطفالنا كلَّ ما قُرّر عنّا.

اقرأ أيضاً: ماذا نفعل بالوردة إذا كنا جائعين؟

إنّ سؤال، ما معنى أن نمتلك ذاتنا؟ يصب في سؤال، ما معنى أن نكون مسؤولين؟ وهنا قد يتضح الجانب المهم من المسؤولية في فهم امتلاك الذات، بوصفها تعيّن الفرد في حرية أن يفعل وأن يكون مسؤولاً عن نتائج ما يفعل، وهذا لأنّ المسؤوليّة هي التزام أخلاقيّ حرّ، لا يتعيّن الفرد في إنسانيته إن تنازل عنها، فالشخص الذي لا يمتلك ذاته لا يمكن له أن يكون مسؤولاً عمّا يفعل، فهو لا يقرر ما يفعله وما يريد فعله، كما أنّ شعورَي العجز واللامبالاة سيكونان المصاحبين الأكثر حميميّة لكل ما يريد القيام به، حيث يقذف "الآن" إلى "لاحقاً"، ولا يرى سوى العقبات التي وضعها أمام ما يريد إنجازه، ليعفيَ نفسه من القيام بما يجب عليه القيام به، ثم يلقي مسؤولية كل ما وقع له، على خارجٍ لم يدرك أنه قد يكون سبباً رئيسياً في حدوثه وبقائه واستمراره، فالمسؤوليّة التي تقتضي الإرادة، تتعيّن فقط في الفرد الحرّ المسؤول الذي يمتلك أن يقرّرّ لأنه يمتلك ذاته أولاً.

 

الكل ينتظر معجزةً تخلّصنا مما نحن فيه ولكن ما نحن فيه هو ما قبلنا أن يكون

وهذا قد يسعفنا في فهم أنّ التربية على امتلاك الذات هي نفسها التربية على الحرّية، فالحرّية بوصفها ماهيّة الإنسان الجوهرية، والتي يفقد الإنسان معنى وجوده من دونها، هي أيضاً نزوع الإنسان الدائم إلى تجاوز الواقع، وتحسين شروط الحياة، فالواقع الذي تريد الحرّية تجاوزه، هو الواقع الذي نعيشه، الواقع الذي يشعر فيه الكثيرون أنهم ليسوا بخير، وأنّ ما يحدث من حولهم ليس قفزةً إلى الأمام بل نكوص تجاه الخلف، نحو التوحش والبربرية، فالكل ينتظر معجزةً تخلّصنا مما نحن فيه، ولكن ما نحن فيه، هو ما قبلنا أن يكون، عندما غيبنا شرط وجودنا الأعمق (الحرّية)، وقبلنا كل العبوديّات طوعاً، على أمل أن نحظى بحياة أفضل، لقد تنازلنا عن ذواتنا حين اعتبرنا أنّ أي سلطة هي أمر واقع.

اقرأ أيضاً: ماذا فعلت بنا ثقافة الكمّ؟

إذا كانت "الحرية والمسؤولية صنوين" بتعبير جاد الكريم الجباعي، فإنّ التربية على الحرية والمسؤولية هي بالمحصلة التربية على المواطنة، حيث يرى الجباعي أنّ "غاية التربية على المواطنة هي تمكين الفرد/المواطن الواعي من ممارسة حقوقه وواجباته في إطار المجتمع، وحماية خصوصيته ومساعدته على تحقيق ذاته، وتنمية روح التواصل والمسؤولية الأخلاقية الملازمة لحريته في المعرفة والعمل والحبّ، التي هي قوام شخصيته وحدود وجوده".

اقرأ أيضاً: عن وهم الحرية.. ما الفرق بين صناعة القرار واتخاذه؟

إنّ أيّ نقص في أحد هذه المكونات الشخصية للفرد، هو نقص في امتلاك الإنسان لذاته، وأي امتلاك منقوص للذات هو نقص في الحياة نفسها، فالفقر الوجودي الذي ترعاه الأنظمة التسلطيّة وتتبناه هو سرّ تماسكها، واغتراب الإنسان عن ذاته، سرّ قوتها وسطوتها.

 

سيبقى هذا الوجود فقيراً وقاحلاً طالما تستمرّ أنظمة التربية في مجتمعاتنا بتجفيف الوعي

لذلك فإنّ التربية على الحرية هي التربية على الإنسانيّة، فالإنسان بوصفه الصيغة الأرقى للحياة في تطورها، هو الوحيد الذي تمكن من إدراك وجوده، ولكن سيبقى هذا الإدراك محدوداً، إذا ما استمر في التنازل عن ذاته التي تشكل الحرية والمسؤولية جوهرها، وسيبقى هذا الوجود فقيراً وقاحلاً طالما تستمرّ أنظمة التربية في مجتمعاتنا بتجفيف الوعي، عبر مساهمتها في إقالة الذات وتغريبها، إنّ المكاسب التي تحققها أي سلطة هي الخسارات الفادحة للإنسانيّة، وما لم نتعلّم امتلاك ذواتنا، فلن يحصد الواقع الذي نعيش فيه سوى انحداره وتآكله، فالمستقبل هو ممكنات الحاضر، فإذا كانت هذه الممكنات ما نحن عليه، بالتأكيد سوف يبتلعنا المستقبل.

الصفحة الرئيسية