ما مستقبل الانفتاح الصيني على دول الشرق الأوسط؟

ما مستقبل الانفتاح الصيني على دول الشرق الأوسط؟

مشاهدة

20/01/2022

تطرح الزيارة التي قام بها وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي إلى الصين، بالتزامن مع زيارتين منفصلتين لوزير الخارجية الإيراني ووزير الخارجية التركي، تساؤلات في إطار عودة القطبية العالمية، بما فيه الدور الفاعل للولايات المتحدة ومستقبله، والتحوّلات المتسارعة التي تشهدها المنطقة وأبرز عناوينها تسويات كبرى، وعلى رأسها الصفقة القادمة بين أمريكا وإيران، والتي سيكون لها انعكاسات وتداعيات عميقة في دول الإقليم، لا سيّما تلك التي تشهد صراعات وحروب وكالة تُشكّل إيران أحد أبرز أطرافها.

ورغم تأكيدات الصين من جهة، ودول الخليج بالإضافة إلى إيران وتركيا من جهة ثانية، على أنّ هدف تلك الزيارات تطوير علاقات التنمية والاقتصاد والاستثمارات مع الصين، بما فيها إمدادات النفط الخليجي والإيراني، وحاجة الصين الملحّة له، إلّا أنّ التعاون العسكري والأمني بين الصين والأطراف الـ3 قلّما يتمّ الحديث عنه، رغم أنّ هذا التعاون ليس جديداً، لكنّ الجديد فيه أنّه أصبح أكثر حضوراً في علاقات بكين مع دول الشرق الأوسط، وبموازاة العلاقات الاقتصادية، وما يُعرف بالتدخل الصيني الناعم.

على أهمية حجم التبادل التجاري بين الصين ودول الخليج، إلّا أنّ التعاون في المجالات الأمنية والعسكرية يبقى الأكثر دلالة وأهمية بالنسبة إلى دول الخليج التي تجاوزت مرحلة الشكوك في العلاقة مع أمريكا

الولايات المتحدة هي الحاضر الغائب في هذه الزيارات، بالنسبة إلى الصين المعنية بإرسال رسائل متضاربة لواشنطن، ما بين تأكيدات بأنّها لا تتطلع لمنافسة واشنطن على الشرق الأوسط، وأنّ علاقاتها مع دول المنطقة تأتي في إطار البحث عن مصالح اقتصادية مشتركة، فيما الأطراف الـ3 تتفاوت في أهداف تنمية علاقاتها مع الصين، ففي الوقت الذي تتطلع فيه طهران لتوسيع علاقاتها مع بكين في إطار تحالف استراتيجي مع موسكو وبكين، لمواجهة تهديدات قائمة ومحتملة من أوروبا، تتطلع تركيا إلى بكين بوصفها حليفاً بديلاً لأمريكا "غير الموثوق بها من قبل تركيا"، ومنافساً لأوروبا التي ما زالت تتحفظ على دخول تركيا "الإسلامية" الى الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى ما يحققه التعاون مع الصين من تأمين لأدوار تركية في جمهوريات آسيا الوسطى التي تشكّل هدفاً استراتيجياً لتركيا.

اقرأ أيضاً: توتر بين الصين وتركيا.. ما علاقة الإيغور والأكراد؟

أمّا دول الخليج العربي، فحساباتها لا تختلف كثيراً عن حسابات طهران وأنقرة، رغم اختلاف المرجعيات والغايات من تطوير تلك العلاقات، فهي إلى جانب علاقاتها الاقتصادية الوثيقة مع بكين، تذهب إلى "خلخلة" قواعد المقاربة التاريخية التي حكمت علاقات دول الخليج مع بكين وواشنطن، والمتضمّنة: "يعتمد الخليج على أمريكا في المجالات الأمنية والدفاعية، وعلى الصين في مجالات الاقتصاد والاستثمار"، تلك المقاربة التي دلّت التطورات خلال الأعوام القليلة الماضية على أنّ أمريكا بدأت بكسرها، بعد إقرارها منذ الفترة الثانية للرئيس الأسبق باراك أوباما استراتيجية الانسحاب من الشرق الأوسط ومواجهة الصين وروسيا، واستثمار الفرص الأكبر في شرق آسيا، وهي استراتيجية تشكّل قاسماً مشتركاً لأوساط الدولة العميقة في أمريكا "جمهوريين وديمقراطيين".

اقرأ أيضاً: الصين: 7 عادات غريبة يجب أن تتعرف إليها

وعلى أهمية حجم التبادل التجاري بين الصين ودول الخليج، البالغ حسب أرقام صينية رسمية (200) مليار دولار، إلّا أنّ التعاون في المجالات الأمنية والعسكرية يبقى الأكثر دلالة وأهمية بالنسبة إلى دول الخليج التي تجاوزت مرحلة الشكوك في العلاقة مع أمريكا، وإمكانية استمرار العلاقة التحالفية مع واشنطن بصيغتها السابقة، وخاصّة السعودية والإمارات، فالتحفظات الأمريكية على تزويد المملكة العربية السعودية بالأسلحة، والاحتجاج على تعاون الرياض وأبو ظبي مع بكين في توطين الأسلحة، وإقامة منشآت ومصانع عسكرية، أصبح ثابتاً في مدونة الانتقادات الأمريكية للإمارات والسعودية، فقد أعلنت أوساط أمريكية اكتشافها عبر الأقمار الصناعية قواعد صينية في الإمارات والسعودية، ويبدو أنّ تردّد واشنطن في تزويد الإمارات بطائرات إف 35، حتى بعد عقدها اتفاق سلام مع إسرائيل، كان رسالة على التحولات الأمريكية، وهو ما دفع أبو ظبي إلى عقد صفقة بديلة مع فرنسا لشراء طائرات "رافال" الموازية للطائرة الأمريكية.

رغم أنّ تطورات علاقات الصين مع دول الشرق الأوسط تشير إلى تحولات محتملة في موازين القوى الدولية، إلّا أنّها لم تصل بعد إلى مستويات سيناريو توقف اعتماد بعض دول المنطقة على الصين بوصفها بديلاً لأمريكا

ورغم أنّ تطورات علاقات الصين مع دول الشرق الأوسط تشير إلى تحولات محتملة في موازين القوى الدولية تتعدد سيناريوهاتها، إلّا أنّها لم تصل بعد إلى مستويات سيناريو توقف اعتماد بعض دول المنطقة، بما فيها المنظومة الخليجية على الصين بوصفها بديلاً لأمريكا، الأمر الذي يجعل سيناريو ألّا تذهب العلاقات الصينية مع دول الخليج بعيداً أكثر واقعية في المدى المنظور، رغم ما تشهده من تطورات سياسية وعسكرية وأمنية، ذلك أنّ هناك إدراكاً لدى الصين ودول الخليج أنّ أقصى ما يمكن أن تقدّمه بكين من علاقات اقتصادية وعسكرية لن تكون بديلاً لما تقدّمه الولايات المتحدة، بما في ذلك مواجهة التهديدات الإيرانية المحتملة للخليج، في ظلّ علاقات صينية وثيقة مع طهران، كما أنّ بكين تدرك أنّ انفتاح دول الشرق الأوسط عليها لن يتجاوز حدود الرسائل المشفرة لتلك الدول لأمريكا، وأنّ استجابات هذه الدول لأيّ ضغوط أمريكية واردة، ولدى بكين تجارب بإلغاء مشاريع اقتصادية واستثمارية ضخمة مع دول في المنطقة بضغوطات أمريكية.

 وبالتزامن مع كلّ ذلك أيضاً، فإنّ تطوّر "المواجهة" بين واشنطن وبكين سيكون أحد المحددات في مستقبل علاقات الصين بالمنطقة، وهو ما يرجح معه ألّا تسمح واشنطن بعلاقات عسكرية وأمنية واسعة، وتخفيض مستويات التعاون الاقتصادي مع الصين لأدنى حدود ممكنة لانتزاع تنازلات من بكين، علاوة على ذلك فإنّ موقف موسكو سيكون أبرز المحددات التي ستؤثر في تطوير تلك العلاقات، لا سيّما أنّ أمريكا تمارس ضغوطاً على روسيا في شرق أوروبا ومناطق أخرى، من بين أهدافها إنهاء التحالف التاريخي بين موسكو وبكين.       




آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية