ما علاقة محنة خلق القرآن بصعود الصحوة السلفية؟

ما علاقة محنة خلق القرآن بصعود الصحوة السلفية؟

مشاهدة

29/07/2019

ارتبط مصطلح "الصحوة الإسلامية" في ذهنية بعض الجماهير بالعودة للتمسك بأهداف الإسلام، بحجة تنازل المسلم المعاصر عنها في سبيل الحداثة المدنية، وعلى القياس ذاته؛ انتشر مصطلح "الصحوة السلفية" بهدف العودة لطريق السلف الصالح، المرابطين على العقيدة ضدّ كلّ محاولات التأويل المعاصرة، بحسب رؤية السلفيين. 

اقرأ أيضاً: لماذا يشعر السلفيون بالتفوق؟
"الصحوة السلفية"؛ مصطلح حاضر في الحالة المعاصرة، لكن نواتها تبلورت في وقت مبكر من العصر الإسلامي في الدولة العباسية، بهدف مواجهة الفلسفة اليونانية والمعتزلة على حدّ سواء؛ حيث رأى السلفيون الأوائل أنّ ترجمة الفلسفة اليونانية أفسدت الدين، وأسست لانحرافات فكرية أدت إلى ظهور الصوفية، وظهور علم الكلام، وهو العلم الذي يجنح للأدلة العقلية على حساب النصّ الديني، بحسب ما تتصور السلفية، وقد تكون مواجهة علم الكلام والفلسفة اليونانية واحدة من الموجات الأولى للصحوة الإسلامية السلفية. 
قصّة أم فتنة؟ 
الجعد بن درهم، المتوفَّى العام 105هـ، وُلد في خراسان، وعاش في دمشق، ثم رحل إلى الكوفة، كان هو أول من قال إنّ القرآن مخلوق، فنُسب إليه؛ أنّ الله تعالى لم يكلّم النبي موسى تكليماً، كما وردّ في سورة النساء، في قوله تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ۚ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾.

الصحوة السلفية مصطلح حاضر في الحالة المعاصرة لكن نواتها تبلورت في وقت مبكر من العصر العباسي

ولهذا القول؛ عدّ السلفية الجعد خارجاً عن ملّة الإسلام ونبيه؛ لأنّه عارض الوحي بالرأي (انظر "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة"، ابن قيم الجوزية، الجزء الثالث، ص 1070-1071).
قصّة خلق القرآن، أو كما تُعرف "فتنة خلق القرآن" لدى جموع السلفية، وأهل السنّة والجماعة؛ كانت مبادرة من فرق المعتزلة بهدف تنزيه الصفات الإلهية، فانتهوا إلى أنّ الله تعالى لا يتكلم كما يفعل البشر، فقيل إنّ المعتزلة عطّلوا صفة الكلام عند الله تعالى.
فيذهب المعتزلة إلى أنّ الله تعالى خالق للكلام في غيره، لكنّ فعل الكلام ليس قائماً في الله تعالى (انظر "المغني في أبواب التوحيد والعدل"، القاضي أبو الحسن عبد الجبار المعتزلي (الجزء 7 ص 15).
استدلال المعتزلة في تنزيه الصفات الإلهية

اقرأ أيضاً: هل نشأت السلفية في مصر لمواجهة الاستعمار والتغريب؟
يستدلّ المعتزلة على تعطيل الصفات البشرية في الله تعالى، ومنها صفة الكلام، بالقرآن الكريم، فيؤمنون بأنّ الله تعالى يوحي بالكلام في الجماد، استناداً لما جاء في سورة "القصص": ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
فبحسب رأي المعتزلة؛ فإنّ الله خلق الكلام لكن لم ينطق به، فأحدث النداء في الشجرة؛ فهي التي كلمت النبي موسى عليه السلام (انظر "الصواعق"، ج السابع، ص 90)، أما السلفية؛ فهي تعارض هذا الرأي، استناداً إلى قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾.

التضحية بالجعد وظهور الجهمية
القائد الأموي خالد القسري، أمير العراق، أوصى المؤمنين بالتضحية في يوم الأضحى، ومن ثمّ أعلن أنّه سيضحي بالجعد بن الدرهم؛ لأنّه زعم أنّ الله تعالى لم يكلّم موسى تكليماً، بحسب ما جاء في "التحفة العراقية"، لابن تيمية، ص 68.

لطالما اسُتخدمت الإمامة لفرض قدسية على السلطة وشيطنة والتنكيل بالمعارضين منذ صدر الإسلام

وتبنّى الجهم بن صفوان تأويلات الجعد بن درهم من بعده؛ لهذا يذهب المؤرخون إلى أنّ فتنة (أو محنة) خلق القرآن الكريم بدأت في زمن الجهم، ومن ثم نُسب إليه مصطلح "الفرقة الجهمية"، وكان مصير الجهم القتل أيضاً في خلافة الأموي، مروان بن محمد، على يد أمير الشرطة في خراسان، سلم بن الأحوز، العام 128هـ، وفي رواية أخرى؛ أنّه قُتل العام 130هـ.
ولأنّ الخيط بين الدين والسياسة رفيع منذ بدايات التاريخ الإسلامي، ذهب بعض المؤرخين إلى إنكار قتل الجهم لأسباب دينية؛ فأورد الشيخ جمال الدين القاسمي (ت 1332هـ): إنّ الجهم بن صفوان مؤمن مقيم لكتاب الله تعالى وسنّته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما قتله فكان لأسباب خلاف سياسية؛ كونه خرج في مواجهة بني أمية، لكنّ الناس باركوا قتله لظنّهم أنّه ضالّ (انظر تاريخ الجهمية والمعتزلة، جمال الدين القاسمي، ص 4-20)، وهنا يلعب الظنّ بالضلال سبباً وجيهاً لمباركة القتل.
التأويلات القرآنية والقمع المتبادل
لطالما اسُتخدمت الإمامة لفرض قدسية على السلطة وشيطنة وتنكيل المعارض، منذ صدر تاريخ الإسلام وحتى الحالة المعاصرة؛ فحين تبنى خلفاء العصر العباسي، ومنهم المأمون والمعتصم والواثق؛ الفكر المعتزلي والرأي القائل إنّ القرآن مخلوق، حاولوا إرغام الأئمة عليه، هنا رفض أحمد بن حنبل (ت 241هـ) جملة هذه الأفكار، وتعرض بدوره لمحنة عُرفت في كتب التراث بـ"محنة ابن حنبل"؛ حيث قُيِّد وسِير به إلى المأمون، ثمّ عاد إلى بغداد، لمّا وصلهم نبأ وفاة المأمون.

استمرت عقيدة الجبر من بعد معاوية ومن بعد المعتزلة وتلقفها الحنابلة في القرن الرابع الهجري

وجاء من بعد المأمون الخليفة المعتصم، الذي استدعى ابن حنبل وطالبه بتأييد قصة خلق القرآن، فلم يجبه على قوله، وأصرّ على أنّ القرآن الكريم كلام الله تعالى غير مخلوق، فجلده المعتصم حتى غاب عقله، وتقطع جلده، وحبس مقيداً، وانتهت محنة ابن حنبل في الدولة العباسية في عهد المتوكل (ت 247هـ)، وهو ابن الخليفة المعتصم، وشقيق الخليفة الواثق.
بدوره قام الخليفة المتوكل بالتنكيل بمن قالوا إنّ القرآن مخلوق، واستقدم الإمام أحمد بن حنبل ليعاونه في حربه ضدّ الجهمية، وشاوره في أمور القضاء وولايته، وقد كثرت سرديّات خارقة عن الإمام ابن حنبل، وربما أسهم ذلك في الغلو والانحياز للمذهب الحنبلي على حساب المذاهب الأخرى، فيقول عبد الوهاب الوراق البغدادي، وهو من أئمّة أهل السنّة: إنّه رأى مناماً زاره فيه رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، وكان الوراق حزيناً في المنام على حالة أمّة الإسلام، فقال له الرسول "فليتبع الناس مذهب ابن حنبل" (انظر "طبقات الحنابلة"، محمد بن أبي يعلى الفراء البغدادي الحنبلي أبو الحسين، المجلد الأول، ص 211).

اقرأ أيضاً: كيف تسلّلت الدعوة السلفية إلى حزب النور؟
كما ظنّ أهل خراسان أنّ ابن حنبل كان ملاكاً لا بشر (انظر "السلفية المعاصرة وجذورها"، لـكاظم الصالحي، ص 15)، ويرد د.أحمد القوشي في الفصل الثالث من كتابه "الاتجاهات الحشوية في الفكر الإسلامي، قائلاً: إنّ العامل النفسي يؤدّي دوراً كبيراً في تصديق العوام للقصص والخرافات التي تستهوي عقولهم.
عقيدة الجبر لدى السلفية
عقيدة الجبر؛ تعني أنّ كلّ الأمور تصبح قدرية، خيرها وشرّها، من عند الله تعالى؛ أي لا بدّ من الإذعان لها، ولا دخل للوالي (الحاكم) فيها، وقد انتشرت هذه العقيدة في عهد الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان، حين اشتدّ القهر والظلم الاجتماعي في زمانه، وحين حاول أن يُقنع الأمة بأنّ خلافته هي قضاء الله تعالى وقدره (انظر كتاب محمد عمارة في ميزان أهل السنة والجماعة، لسليمان ابن صالح، ص 645).

قصّة خلق القرآن أو محنتها تعدّ مفترق طرق في التاريخ الإسلامي جعلت من السلفية قبلة للإمامة

استمرت عقيدة الجبر من بعد معاوية ومن بعد المعتزلة، وتلقفها الحنابلة في القرن الرابع الهجري، وزعموا أنّ آراءهم تنتهي عند أحمد بن حنبل.
من جهتهم، يعترض بعض الباحثين الجدد، مثل د.عدنان إبراهيم، على نسب السلفية الأولى إلى الإمام ابن حنبل، ويردّ عليه عبد المنعم الشحات، المتحدث الرسمي باسم الدعوة السلفية في مصر، والتي تأسست في الإسكندرية، العام 1972، قائلاً: إنّ "محنة ابن حنبل كانت من دروس المحنة السلفية الأولى".
ورغم الاختلافات في الرؤية، فإنّ الواقع في تاريخ الصحوة الإسلامية؛ أنّ مواجهة ابن حنبل للفرق الكلامية كان نابعاً من التمسّك بالكتاب والسنّة، وما كان عليه السلف الصالح، وهو ما دفعه إلى القول بكفر الفرق الكلامية. 
إنّ قصّة خلق القرآن، أو محنتها، تعدّ مفترق طرق في التاريخ الإسلامي، جعلت من السلفية قبلة للإمامة في تمثلات مختلفة ظلت سائدة حتى في التاريخ الحديث والمعاصر تحت شعار صحيح الإسلام، الذي هو صحيح السلفية، بحسب ذهنية الجماهير الرافضة للفكر المعتزلي، أو السلطة الرافضة للفكر ذاته، على اعتبار أنّ قبول التأويلات المختلفة قد يفتح باباً ينال من شرعية هذه السلطة، حتى وإن كانت هذه السلطة في الحالة المعاصرة "مدنية" في شكلها الظاهري.

الصفحة الرئيسية