ما حقيقة الحديث عن ناتو عربي يضمّ إسرائيل؟

ما حقيقة الحديث عن ناتو عربي يضمّ إسرائيل؟


06/07/2022

لقاءات عربية إسرائيلية متعددة على مستويات قيادية مختلفة خلال الأشهر القريبة الماضية، وسلسلة قمم عربية ثنائية وثلاثية غير مسبوقة في زخمها، سواء لقاءات تعزز علاقات قائمة، مثل زيارات قادة مصر والسعودية والأردن والإمارات والبحرين، وأخرى تستأنف علاقات قُطعت أو تجمّدت خلال العقد الماضي، الذي شهد أشدّ خلافات إقليمية بينية، ومنها زيارة أمير قطر لمصر، وتبادل الزيارات بين السعودية وتركيا.

وبإضافة الحضور الأمريكي لعددٍ من هذه اللقاءات، تحديداً التي جمعت العرب بإسرائيل، وفي ظلّ تصاعد الخطر النووي الإيراني، فضلاً عن رغبة إسرائيلية حثيثة لتعاون مع دول عربية ضد طهران، وخصوصاً دول الخليج، ملأ الساحة الإقليمية الحديث عن تأسيس حلف عسكري عربي إسرائيلي، على غرار حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وهو أمر روّجت له بشدة وسائل الإعلام الإسرائيلية، التي كانت سبّاقة في الكشف عن أية لقاءات غير معلنة بين قيادات عربية وإسرائيلية بحضور أمريكي.

الناتو الشرق أوسطي

ولا تعدّ فكرة مأسسة التعاون العسكري العربي جديدةً؛ فهناك اتفاقية الدفاع العربي المشترك تحت مظلة الجامعة العربية، والتي دعت القمة العربية في شرم الشيخ لعام 2015 إلى تفعيلها بإنشاء "القوة العربية المشتركة" لحماية الأمن العربي، وكانت مصر داعمة بقوةً لهذه الخطوة، ولتنفيذها استضافت لقاءات رؤساء أركان الجيوش العربية، قبل أن تتبخر الفكرة، لعدم التوافق العربي.

قمة النقب بمشاركة وزراء خارجية إسرائيل وأمريكا ودول عربية

وخلال الأشهر الماضية، التي شهدت اجتماعات بين دول الخليج ومصر والأردن وإسرائيل والولايات المتحدة، ومع تأزّم المفاوضات في فيينا بشأن البرنامج النووي الإيراني، عاد الحديث مجدداً عن حلف عسكري شرق أوسطي، يضمّ دولاً عربية، إلى جانب إسرائيل وبدعم أمريكي، وأثار تناول العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، هذه المسألة خلال حديثه مع قناة "CNBC" الأمريكية، العديد من التساؤلات، ودفع البعض إلى تعزيز فكرة قرب إنشاء حلف عسكري في المنطقة، لكنّ حديث العاهل الأردني كان أقرب لاستعراض ماهية الفكرة عن نفي أو تأكيد وجودها، دون إشارة إلى دول بعينها، وطرح تساؤلات حول ضرورة وجود رؤية واضحة ومحددة قبل الحديث عن أشكال التعاون العسكري.

ولدى البعض تعزز القمة الأمريكية - العربية، التي ستعقد في منتصف شهر تموز (يوليو) الجاري، فكرة إنشاء الحلف الشرق أوسطي، لتعزيز جهود الإقليم لمواجهة إيران، وحماية المنطقة من المخاطر.

د. أحمد الباز لـ "حفريات": تودّ إسرائيل تحقيق أعلى مستويات الارتباط بالدول العربية، ولا مانع لدى دول عربية من ذلك، على المستويين الاقتصادي والسياسي، والتنسيق الأمني.

ويقول المحلل السياسي العراقي، أمين البكوع: "الجدير بالذكر وجود معاهدة الدفاع المشترك لجامعة الدول العربية، التي وقِّعت عام 1950، والعراق عضو فيها، وربما تكون الغاية من الحلف الجديد هو التطبيع غير المباشر، وكذلك ضمّ إسرائيل إلى حلف جديد، على اعتبار أنّ المعاهدة ملغاة من قبل العراق بعد الغزو المشترك عام 1991".

ويربط الباحث العراقي بين تحرّكات الجمهوريين لدعم المعارضة الإيرانية في الخارج، والاستعداد للانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة التي يريد الجمهوريون الفوز بها، مع الحديث عن الناتو الشرق أوسطي، يرى أنّ "الرئيس الأمريكي المقبل سيكون واحداً من ثلاثة؛ ترامب، ومايك بومبيو، ومايك بنس، وثلاثتهم جمهوريون متشددون تجاه إيران، على عكس بايدن الألين، ولهذا قبلت إيران بمفاوضات الدوحة غير المباشرة؛ لأنّها نمر ورقي، وإذا ما حدث لها اجتياح عسكري لن تصمد".

إمكانية تأسيس الحلف

وإلى جانب دول الخليج، ستحضر مصر والأردن والعراق، القمة العربية الأمريكية في جدة، بدعوة من العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز. ويتطلّب فهم إمكانية تأسيس حلف عسكري شرق أوسطي بحث موقف كلّ دولة على حدة، وبدايةً بالعراق يقول الباحث أمين البكوع: "العراق مهم لأيّ حلف ضدّ إيران، لما له من خبرات عسكرية في الحرب ضدّها، وفي هكذا موقف يجب أن يكون موقعه على عرش المفاوضات، ويخرج بأكبر قدر ممكن من المكتسبات"، لكن، يتابع البكوع: "رغم رفضي سياسات إيران، أتمنى أن يأتي التغيير من داخلها".

أمين البكوع: رغم رفضي سياسات إيران، أتمنى أن يأتي التغيير من داخلها

وبناءً على ذلك؛ إمكانية انضمام العراق لحلف عربي يضع إيران كخطر أساسي هو أمر صعب؛ نظراً للنفوذ الإيراني الكبير على المشهد السياسي والاقتصادي والأمني، وغير ذلك من التعقيدات التي تجعل علاقة العراق بإيران حالة خاصة، مختلفة عن بقية دول المنطقة.

ولا خلاف على رغبة إسرائيل في عمل عسكري ضدّ إيران، لكنّها لم تحصل على ضوء أخضر أمريكي، فضلاً عن أنّ مثل هكذا عمل يحتاج إلى تعاون إقليمي ودولي، وربما يكون هذا السبب الوحيد لرغبة إسرائيل في التعاون العسكري مع دول عربية، بتواجد أمريكي، وتواجهها عقبات لمثل ذلك، منها: عدم تطبيع كلّ الدول العربية معها، والرفض الشعبي الكبير لها عربياً، وعدم حلّ القضية الفلسطينية، فضلاً عن تدخلاتها في لبنان وسوريا.

لا خلاف على رغبة إسرائيل في عمل عسكري ضدّ إيران، لكنّها لم تحصل على ضوء أخضر أمريكي، فضلاً عن أنّ مثل هكذا عمل يحتاج إلى تعاون إقليمي ودولي

وبالنسبة لمصر؛ فمع تقديرها لأهمية الخطر الإيراني على المنطقة، إلا أنّ سياستها لا تحبّذ الأحلاف العسكرية، وكذلك لا ترى في إيران التهديد المباشر، ولديها قضايا أخرى تعدّها التهديد الأساسي، مثل: الوضع في ليبيا، وسدّ النهضة، والوضع في السودان، هذا من الناحية الأمنية الضيقة، وإذا ما توسعت الرؤية فلدى القاهرة أولويات تتعلق بالتنمية الاقتصادية، خصوصاً في ظلّ الأوضاع الاقتصادية المتردية عالمياً.

وبشأن السعودية؛ فهي ترى في إيران الخطر الأكبر عليها، خصوصاً في اليمن، ومع ذلك رحّبت الرياض بجهود رئيس الوزراء العراقي لاستئناف الحوار مع إيران، وبالنسبة للإمارات؛ فلدى أبو ظبي مقاربات مرنة نحو قضايا المنطقة؛ فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يتطلب حسابات عديدة نحو أحلاف عسكرية تناوئ إيران.

ويعدّ الموقف الأردني من إيران قريباً من الموقف المصري، وإن كان مؤخراً شهد تحولات أشدّ حزماً نحو إيران ووكيلها في المنطقة، حزب الله، بعد حرب المخدرات التي يشنّها الحزب بدعم إيراني على حدودها مع سوريا.

رؤية أخرى للتعاون

واقترحت صحيفة "جمهوري إسلامي" الإيرانية، على السلطات الحاكمة في إيران القيام بإجراءات تمنع حدوث هذا التحالف الذي ستكون طهران خصمه الأساسي. وقالت الصحيفة، بحسب ترجمة موقع "إيران إنترناشيونال": إنّ "إيران، بسبب ما تمرّ به من مرحلة خاصة، بإمكانها إفشال المساعي المبذولة في تشكيل هذا التحالف من خلال اعتماد الدبلوماسية النشطة والمفتوحة، مثل استئناف العلاقات مع المملكة العربية السعودية، وإنهاء الحرب في اليمن، وإنجاح المفاوضات النووية".

ويقرأ مدير مركز الإنذار المبكر، الباحث في السياسة الخليجية والعربية، أحمد الباز، الجولات العربية - العربية المتعددة من منظور أوسع، يتناول قضايا الاقتصاد والأمن والسياسة، ويقول: "يمكن القول إنّ السياسات العربية خلال العقد الحالي تستهدف تجريب نمط عمل مغاير للعقد الفائت، أي التحوّل من الخصومة نحو الشراكة، ومن التركيز على فخاخ السياسة إلى التركيز على حصد مكاسب اقتصادية مختلفة، خصوصاً في ظلّ الإنهاك الذي طال كافة البلاد العربية منذ عام 2011 بتداعياته كافة".

وأشار إلى أنّ هناك متغيراً يجب وضعه في الاعتبار: "معظم قادة الدول العربية الحاليين ما يزالون في بداية عهودهم أو مشاريعهم الاقتصادية العشرية، ينطبق ذلك على الرئيس المصري، الذي بدأ خطة إصلاح اقتصادي تحتاج سنوات للمس نتائجها، وينطبق على السعودية؛ التي أعلنت رؤية 2030 بالتوازي مع ولاية الأمير محمد بن سلمان للعهد، وهي رؤية طموحة جداً في شقّها الاقتصادي، وفي سلطنة عُمان بدأ السلطان هيثم عهداً جديداً بالتركيز على تحويل سلطنة عمان لمركز لوجستي عالمي مميز على المحيط الهندي".

وأوضح مدير مركز الإنذار المبكر؛ أنّ طبيعة الوفود المرافقة للملوك والقادة العرب "وفود اقتصادية في المقام الأول"، وبحسبه هذا مؤشر على أهداف الزيارات الأول "الاقتصاد وأمن الملاحة العربية والاستثمارات".

وحول حلف عسكري على غرار الناتو، يضمّ دولاً عربية وإسرائيل،  يرى الباز أنّه "أمر جانبي"، وبحسبه: "قد تنجح الدول العربية في التنسيق معاً على المستوى السياسي، وحتى الاقتصادي، لكنّ هناك شكوكاً في احتمالات التنسيق على المستوى العسكري، الذي يعني انكشافاً ووضوحاً تاماً لأمور عسكرية تضعها الدول العربية بين بعضها".

وحول مشاركة إسرائيل، يرى أنّها "تودّ تحقيق أعلى مستويات الارتباط بالدول العربية، ولا مانع لدى دول عربية من ذلك، على المستويين الاقتصادي والسياسي، والتنسيق الأمني؛ فقمة النقب تسعى لتحويل مخرجاتها إلى إطار عمل في مجالات الغذاء والماء والسياحة والزراعة، ما يعني أنّ هناك احتمالات لعدم التلاقي في التنسيق العسكري ضمن اتفاق واضح تحت مسمّى حلف دفاع مشترك، وبمعنى آخر إذا كان ممكناً الوصول لنتائج التعاون العسكري نفسها، خارج اتفاقية إطارية، فلماذا يتم توقيع اتفاقية، خصوصاً أنّ التعاون مع إسرائيل قد يستهدف في المقام الأول التصدّي للطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية فقط، إضافة إلى أنّ التفاهمات العسكرية سابقة لأوانها، ولا يمكن التوصل إليها من دون قيام باقي الدول العربية بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل ومنها السعودية".

د. أحمد الباز: قد تنجح الدول العربية في التنسيق معاً على المستوى السياسي وحتى الاقتصادي

ويجمّل الباحث في السياسة الخليجية والعربية رؤيته بالقول: "نحن بصدد تحوّل نحو تهدئة، وتعويض خسائر العقد الفائت، وتحقيق مكاسب اقتصادية كلّما كان ذلك، وتحوّل نحو البحث عن مصلحة مشتركة لضمان استدامة التحالفات والشراكات".

ويجلب الحديث عن ناتو عربي - إسرائيلي برعاية أمريكية تساؤلات عديدة؛ إذ إنّ واشنطن ترغب في إحياء الاتفاق النووي مع إيران، خصوصاً أنّ إيران تستأنف إنتاج الطاقة بقوة أكبر لمواجهة ارتفاع الأسعار العالمية، وهو أمر طالبت به بروكسل، فلماذا ترعى تعاوناً عسكرياً يتعارض مع هذا الهدف، فضلاً عن التكلفة الباهظة لفتح جبهة عسكرية ضدّ إيران، ولهذا تكبح واشنطن إسرائيل من التمادي ضدّ إيران؛ خوفاً من انفجار الأوضاع في المنطقة.

ومن زاوية أخرى؛ فهناك قضايا عديدة قد تكون أولوية على أجندة بايدن في زيارة للسعودية ولقائه بقادة عرب، من بينها: الحرب في أوكرانيا والطاقة والعلاقات العربية الأمريكية، وملفات المنطقة المتعددة، وهو أمر يتطلب قراءة أوسع للزيارة، دون حصرها بموضوع حلف عسكري عربي تنضمّ إليه إسرائيل برعاية واشنطن.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية