ما الذي يجعل "سيدي بوسعيد" الوجهة الأولى للسياح في تونس؟

ما الذي يجعل "سيدي بوسعيد" الوجهة الأولى للسياح في تونس؟
5800
عدد القراءات

2020-03-12

لم تكن تونس لتُصبح وجهة للسياح من كُل أرجاء العالم، لولا مجموعة من العوامل لعلّ أبرزها حفاظها على إرثها الثقافي وطابعها المعماري، الذي أسسته الحضارات المتعاقبة عليها؛ إذ تُعدّ العمارة من أبرز ما يُميّز هذه الدولة المغاربية، فرغم اشتراك العمران التونسي بالخطوط العريضة للحضارات الإنسانية، إلا أنّها تحتفظ بتفاصيلها الخاصة، التي ظلت إلى اليوم محط اهتمام المؤرخين.

اقرأ أيضاً: هل زرت وادي ميزاب في الجزائر من قبل؟.. شاهد أبرز معالمه
ورغم كثرة وتنوّع المناطق السياحية في تونس؛ من المعالم الدينية والأثرية، والأحياء القديمة والأسواق، إلى الجزر وسحر الطبيعة الخلابة، إلّا أنّ ضاحية سيدي بوسعيد تُعدّ الوجهة الأولى للسياح الذاهبين إلى تونس، فما الذي يُميّز هذه الضاحية الهادئة، الواقعة على بعد 20 كم من تونس العاصمة؟

تمتاز "سيدي بوسعيد" بعمرانها الفريد، وألوانها المتناسقة

قطعة عمرانية ساحرة
تمتاز "سيدي بوسعيد" بعمرانها الفريد، وألوانها المتناسقة؛ حيث إنّ جميع جدرانها ومرافقها مطلية باللون الأبيض، فيما تُطلى الأبواب والشبابيك القديمة ذات النقوش الأندلسية باللون الأزرق؛ حيث تزينها المسامير والمقابض السوداء، وتتشابه بيوت المدينة مع البيوت التونسية الأصلية، التي ترجع في شكلها وتصميمها إلى البيت الإغريقي، الذي يحتوي على عدة غرف تلتف حول صحن مركزي، ويتزين ببعض نوافير الماء التي تروي النباتات والأزهار.

أول موقع محمي في العالم

تعدُّ ضاحية "سيدي بوسعيد"، التي شيدت إبان حكم الحفصيين في العصور الوسطى، أول موقع محمي في العالم، وتقع في أعالي منحدر صخري يطل على خليج تونس ومدينة قرطاج، وقد عُرفت المنطقة في السابق باسم "جبل المرسى" أو "جبل المنار"، وكان هذا الجبل بمثابة حصن للحضارات المتعاقبة على المنطقة، حيث دافع عن مدينة قرطاج الفينيقية في القرن السابع عشر، والتي لا زالت آثارها موجودة في تونس اليوم، كما وفّر الجبل المراقبة لمدينة تونس خلال الحكم الإسلامي هناك.

مرقد الصالحين

استمدت المدينة اسمها الحالي، من اسم الولي الصالح "أبو سعيد بن خلف بن يحيى التميمي الباجي"، الذي عُرف بزهده وتصوفه، حين سكن هذه الضاحية قبل حوالي 800 عام، وتوفي في المنطقة فدُفن فيها وسُميّت فيما بعد على اسمه؛ حيث صارت مقصداً لمن يبحث عن التأمل واجتذبت العديد من الصالحين والباحثين عن السلام الروحي، وتضم "سيدي بوسعيد" أضرحة العديد من أولئك الزاهدين، مثل؛ سيدي الجبالي وسيدي الظريف وسيدي بوفارس وسيدي الشعبان وسيدي الشهلول وسيدي عزيزي وشريفة بنت سيدي بوسعيد.

ضريح الولي أبو سعيد بن خلف بن يحيى التميمي الباجي

خرجة سيدي بوسعيد
يتزاحم العديد من الناس في منتصف شهر رمضان من كل عام للمشاركة في طقوس "خرجة سيدي بوسعيد الباجي" الصوفية الطاعنة في القدم، والتي تقام تيمناً بالناسك سيدي بوسعيد؛ الذي تبوّأ منزلة رفيعة بين المتصوفة، بسبب ورعه ومساهمته في نشر التعاليم الصوفية.

اقرأ أيضاً: القفطان المغربي من زي خاص بالرجال إلى خطوط الموضة العالمية
وتنطلق الخرجة من مقام سيدي بوسعيد المحاذي لمقهى "القهوة العالية"، حيث يسير أعيان المدينة في الصف الأمامي مرتدين أفضل جببهم، ويتبعهم المنشدون من مجموعة "العيساوية" التي تردّد الأذكار والابتهالات الدينية، وخلفهم "الشواش"، الذين يرقصون على المديح النبوي، وسط جو روحي عميق.

ملتقى الفن والإبداع
أصبحت ضاحية سيدي بوسعيد، المكان المفضل للفنانين والمبدعين في بداية القرن العشرين؛ حيث شدتهم أجواؤها الساحرة، فاختارها البعض مقراً لسكنه؛ كالرسام الإنجليزي رودولف دي ديرلانجي، الذي تأثر بجمال الضاحية وقرّر الإقامة فيها، وبنى قصره الذي يتميز بهندسته الشرقية، وأطلق عليه اسم "النجمة الزهراء"، وقد استمرت فترة بنائه بين 1912 و 1922، وتحوّل هذا المَعْلم إلى مركز للموسيقى العربية والمتوسطية، كما زارها، الرسام الألماني؛ بول كلي، والروائي الفرنسي؛ غوستاف فلوبير، والكاتب الفرنسي؛ أندريه جيد.

صورة من داخل قصر "النجمة الزهراء

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الحاجب المنصور.. كيف أنهى أحد العامّة حكم الأمويين في الأندلس؟

2020-03-30

أوشكت شمس عبد الرحمن الناصر؛ ثامن أمراء بني أمية في الأندلس وأقواهم، على المغيب، تاركاً خلفه دولة قوية ومهابة من الممالك الإسلامية والمسيحية على حد سواء، حيث استمر حكمه 50 عاماً، تمكّن خلالها من توحيد الدولة وإنهاء كل أشكال التمرد والعصيان، فضلاً عن لجم جيوش الصليبيين في الشمال.

أولى خطوات المنصور إلى القصر كانت رسالة كتبها لأحد العامة استرعت انتباه والدة الخليفة بأسلوبها

وقد وصل الناصر إلى الحكم في سابقة بالتاريخ الإسلامي؛ إذ تولى السلطة من جده، رغم أنّ أعمامه كانوا على قيد الحياة، وقد تخلوا له عن الحكم طواعية، خوفاً من تحوّل الأندلس إلى إقليم مُفكّك تعصف به النزاعات والتمرد، وهو الهاجس الذي رافق كُل خلفاء بني أميّة بعد سقوط الدولة الأموية في دمشق وفرار عبد الرحمن الداخل إلى الغرب، حيث جمع شتات المسلمين هُناك ونجح في تأسيس الدولة الأموية في الغرب بعد سقوطها في الشرق، حتّى جاء طالب فقير من الجزيرة الخضراء وأطاح، بدهائه، بحكم بني أمية في الأندلس، والذي كان إحدى مقدمات التفكّك الذي عصف في الإقليم فيما بعد، وما تلاه من سقوط الحكم هناك.

جذب أنظار الشيوخ والفقهاء بمعرفته وكتاباته الرشيقة

الصعود إلى القمة
بعد وفاة الناصر، انتقل الحكم لابنه؛ الحَكَم المستنصر بالله، الذي عُرف عنه حبّه للعلم والمعرفة وجمع الكتب، وقيل إنّ مكتبته تجاوزت الربع مليون كتاب، وفي هذه الأجواء ظهر رجل من العامة يدعى ابن أبي عامر (سيعرف لاحقاً بالحاجب المنصور)، جذب أنظار الشيوخ والفقهاء بمعرفته وكتاباته الرشيقة، قد جاء من ريف الجزيرة الخضراء طلباً للعلم، حاملاً طموحاً بعيداً كُل البعد عن ظروفه وإمكاناته آنذاك؛ وهو الوصول إلى رأس الدولة الأموية، ويقول المؤرخ الإسلامي ابن الأثير في كتابه "الكامل في التاريخ" واصفاً المنصور؛ "كان عالماً، محباً للعلماء، يكثر مجالستهم ويناظرهم، وأكثر العلماء ذكر مناقبه، وصنفوا لها تصانيف كثيرة".

من أسرار قوة المنصور أنّه كان يخشى المؤامرات والدسائس ما دفعه لنشر "العيون" في كُل مكان

وبدأ المنصور مسيرته في قرطبة؛ حيث افتتح دكاناً صغيراً أمام قصر الزهراء، مقر الحكم في الأندلس، ونظراً لإبداعه في الكتابة، امتهن كتابة الرسائل للناس، ونجح في الوصول إلى "الزهراء"، من خلال رسالة كتبها لأحد العامة ووصلت إلى "صبح البشكنجية"، جارية الخليفة الحَكَم ووالدة وليّ عهده، وقد استرعت الرسالة انتباهها، وكانت أولى خطوات المنصور إلى القصر.
ومع حصوله على مباركة والدة الخليفة، وبعد أن ذاع سيطه في دوائر السلطة، قام الحاجب جعفرالمصحفيّ، بترشيح المنصور للخليفة ليصبح راعياً ووكيلاً لولي العهد؛ عبد الرحمن بن الحَكَم، وفق المؤرخ وليد سيف، الذي أفرد له مسلسلاً معروفاً تحت اسم "الصعود إلى القمة".

اقرأ أيضاً: زِرْياب.. عَمَرَ الأندلس ولم يُسقطها
وتمكّن المنصور فيما بعد، من إثبات جدارته، فقلّده "الحَكَم" العديد من المناصب؛ منها دار السكة، وقضاء إشبيلية، وقيادة الشرطة الوسطى، وغيرها من المناصب التي زادت المنصور قوةً وسلطاناً، مع حفاظه على سلطاته بالقصر، من خلال رعاية وليّ العهد، صغير السن، وتوطيد علاقته بوالدته.

اقرأ أيضاً: في ذكرى سقوطها.. كيف فقد العرب الأندلس؟
وفي العام 366 هـ؛ توفي الخليفة الحَكَم ولم يكن ابنه هشام قد بلغ الثانية عشرة بعد، ما أدى إلى ظهور صراعات على السلطة، حيث خاف الأمويون من سيطرة والدة وليّ العهد، التي ذاع سيط حبها للمنصور، على ابنها نظراً لصغر سنّه وعدم معرفته بأصول الحكم، وهو ما تحقّق بالفعل؛ إذ نجحت "صُبح" بالتعاون مع المنصور و"المُصحفيّ"؛ حاجب الخليفة، بتثبيت حكم هشام، من خلال القضاء على عمّ هشام ومنافسه على الخلافة؛ المغيرة بن عبد الرحمن الناصر، وعلى فتيان الصقالبة؛ وهم فتيان متنفّذون في القصر كانوا يدعمون المغيرة.

بات يُدعى له على المنابر وصُكّت النقود باسمه إلى جانب اسم الخليفة الذي حبسه لاحقاً في قصر "الزهراء"

بعد وفاة الحَكم المستنصر بالله، وتولي ابنه هشام المؤيد بالله الحُكم، حاول ملوك النصارى في الشمال مهاجمة ثغور الدولة وإضعافها، مستغلين ضعف الخليفة وصغر سنّه، الذي انسحب على جميع رجالات الدولة، إلّا أنّ المنصور، والذي بدأ يغدو حاكماً فعلياً في الأندلس منذ ذلك الحين، عمل على تجهيز جيش عظيم، وخرج على رأسه لملاقاة الصليبيين في الشمال، حيث هزم الجيش الصليبي واستولى على حصن الحامة وحصن ربضة، ليعود بعد 52 يوماً محملاً بالسبي والغنائم، فاستقبله الأهالي استقبال الأبطال الفاتحين، ليبدأ المنصور حقبة جديدة من الصعود والاستحواذ على السلطة وعلى مفاصل الدولة شيئاً فشيئاً.
عمل على تجهيز جيش عظيم، وخرج على رأسه لملاقاة الصليبيين في الشمال

السيطرة على مفاصل الدولة
رغم سلطان ابن أبي عامر على الخليفة ووالدته، ما يعني قدرته على السيطرة على الأندلس بأكملها، إلّا أنّه كان يخشى المؤامرات والدسائس، ما دفعه لنشر "العيون" في كُل مكان، خاصة في القصر، بحثاً عن أيّ صراع بإمكانه استغلاله لتوسيع رقعة سلطانه، وقد استغلّ "المنصور" صراعاً دار بين الحاجب جعفر المُصحفيّ وقائد الجيش غالب الناصريّ، نتيجة اتهام الأول للثاني بالتقصير في حماية حدود الدولة، فتحالف المنصور مع الناصري، ضد المصحفي الذي كان حليفه السابق، ونتج عن هذا التحالف تنحية الأخير عن الحجابة وتسليمها للمنصور؛ الذي أصبح حاكماً لقرطبة وقائداً لجيش المدينة، فضلاً عن وكالته للخليفة.

تم عزل المصحفي من الحجابة وتسليمها للمنصور الذي أصبح حاكماً لقرطبة وقائداً لجيش المدينة ووكيلاً للخليفة

إلا أنّ المنصور ما لبث أنّ انقلب فيما بعد على الناصري، خوفاً من أن يتحالف ضده، خاصة مع مكانته القوية في الدولة بوصفه قائد جيشها، ليحيط ابن أبي عامر نفسه بالموالين أو الضعفاء.
وقد نجح المنصور في كسب ودّ العامة، حيث حصد الانتصارات وأقام الغزوات، ويقال إنّ معاركه زادت على الخمسين، لم يهزم في واحدة منها قط، ما زاد من شعبيته بين الناس على حساب شعبية الخليفة، وبات يُدعى له على المنابر بعد الخليفة، كما صُكّت النقود باسمه إلى جانب اسم الخليفة، الذي قام "المنصور" بحبسه لاحقاً في قصر "الزهراء" وتشديد الحراسة عليه، مشيعاً بين الناس أنّه تفرّغ للزهد والعبادة، فيما مضى هو مستفرداً في الحكم، في قصر بناه لنفسه وأسماه "الزاهرة"، الذي بات مركز الحكم الفعلي للأندلس.

اقرأ أيضاً: التطهير الديني والعرقي لإسبانيا المقدسة: إبادة شعب الأندلس
ورغم تحالف والدة الخليفة "صبح" مع ابن أبي عامر بداية صعوده، وما شاع عن حُبها له، إلّا أنّ إقصاءه لابنها عن مقاليد الحُكم ونفيه إلى جانبها في "الزهراء"، ورؤيتها له يقضى على خصومه واحداً تلو الآخر مُثبتاً سلطانه، مُستفرداً بالحكم، دفعها لمحاولة التخلّص منه في مناسبات عديدة؛ فحاولت التواصل مع من يؤيدون حكم بني أمية بهدف الانقلاب على المنصور، دون أن تلقى آذاناً صاغية، فحقيقة تحالفها السابق المنصور، وكثرة "العيون" والقبضة الأمنية التي أحكمها الأخير على الإقليم خلقت الرعب، حتّى قيل إنّ "الناصري" والذي كان قائداً للجيش قُتل لمجرد محاولة "صُبح" إقناعه بالانقلاب على المنصور.

اقرأ أيضاً: ملوك الطوائف في الأندلس: ما أشبه الليلة بالبارحة!
وفي محاولة بائسة أخيرة؛ اتفقت والدة الخليفة مع واحد من حكام المغرب الداعمين لحكم بني أمية، وحاولت تهريب الأموال من القصر لدعم انقلاب على المنصور، الذي علم بالخطة واستولى على ما تبقى من أموال في قصر "الزهراء"، ليقضي بذلك على آخر ندّ له ويُلقّبَ نفسه بـ"الملك المنصور".

بدأ بتنصيب أبنائه في المناصب الحساسة

بداية عصر "ملوك الطوائف"
بعد نسيان العامة لأمر الخليفة المعزول في "الزهراء" ووفاة والدته، ثبت حكم المُلك المنصور في الأندلس، وبدأ بتنصيب أبنائه في المناصب الحساسة، وأورث ابنه؛ عبد الملك، الحُكم من بعد وفاته في 27 رمضان العام 392هـ، تاركاً له مملكة قويّة، وفي ذلك يقول ابن الأثير "كان المنصور حسن الاعتقاد والسيرة، عادلاً، وكانت أيامه أعياداً لنضارتها، وأمن الناس فيها".

كسب المنصور ودّ العامة بانتصاراته في جميع معاركه التي قيل إنّها زادت على الخمسين

ورغم أنّ عبد الملك سار على نهج أبيه  في السيطرة على أمور الدولة كافة، وحافظ على الأندلس قوية، إلّا أنّه عهده لم يدم سوى 7 أعوام فقط، ليورّث الحكم لأخيه عبد الرحمن، الذي قُتل بعد فترة قصيرة بسبب التمردات التي قامت ضده، بعد قراره عزل الخليفة نهائياً وتنصيب نفسه خليفة بدلاً عنه، والذي أثار غضب العامة؛ فدمروا مدينة الزهراء، لتدخل الأندلس عصر الخلافات والصراع على السلطة مجدداً، ما أدى إلى تقسيمها إلى 22 دويلة، وبداية عصر ملوك الطوائف، الذي مثّل ذروة تفكّك الأندلس وضعفها، حتّى بات "ملوك الطوائف" عاجزين عن حمايتها من هجمات الصليبيين، بل إنّ بعضهم لجأ إلى الاستسلام، قبل أن يطلبوا عون المرابطين لحمايتهم، والذين استقروا هناك فيما بعد.

للمشاركة:

شفيق الغبرا صاحب "حياة غير آمنة": لا رجعة عن صناعة الأمل

2020-03-26

يحدث ألا يحظى المحارب باستراحة، ولو خلسة، ولعلّ شفيق الغبرا أحد المحاربين الذين لم يستريحوا يوماً؛ منذ خوضه معارك مدرسيّة خلال المرحلة الابتدائية في لندن، حين كان يناكف الطلبة البريطانيين قائلاً إنّ بلادهم حرمته بلاده، ومنذ سجالاته في المدرسة الداخلية في برمانا اللبنانية مع الطلبة المنتقدين للثورة الفلسطينية، مروراً بانخراطه في صفوف الفدائيين الفلسطينيين، بعد تخرّجه من جامعة "جورج تاون" الأمريكية، ومن ثم انخراطه في المقاومة الفكرية والإعلامية خلال الغزو العراقي للكويت، وصولاً لخوضه غمار معركة السرطان، حالياً.

صناعة الأمل، هي حرفة الغبرا الحقيقية، لمن يعرفه عن قرب

الفلسطيني- الكويتي
بين تلك المفاصل الرئيسية في معارك الغبرا، الفلسطيني- الكويتي، كانت ثمة معارك صغيرة، ليست صغيرة على أية حال، تطلّ برأسها كلّ حين، مثل معاركه ضدّ المنتقدين الذين يوجّهون سهامهم بإصرار لنتاجه الفكري الذي يرونه جدلياً، ولعلّ أحدث تلك النزالات ما شهدتها ساحات القضاء الكويتي، إثر نشر كتابه "النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت"، في أواخر عام 2018، وحتى حين كسب الجولة الأولى، ثمة من حاول منازلته مجدداً، غير أنّ القضاء انتصر له للمرة الثانية.

مطلاً من واجهة زجاجية ومستغرقاً في رحلته العلاجية في واشنطن يرتب شفيق الغبرا الخطوط العريضة لكتابه الجديد

يُنازِل الغبرا، المولود في الكويت لأب حيفاوي حصل على الجنسية لإسهاماته الطبية في الكويت ومع الأسرة الحاكمة، الحياة بأشكال عدة، يصرّ عليها حتى اللحظة رغم ما يعتريه من آلام في رحلة العلاج؛ إذ يكتب مقال التحليل السياسي أسبوعياً، ويُسجّل الحلقات المرئية والمسموعة تباعاً، وينقّحها ويُحرّرها، ويتابع الشؤون السياسية عن كثب، كذلك الأكاديمية، بحكم موقعه كأستاذ للعلوم السياسية في جامعة الكويت منذ إحرازه درجة الدكتوراة في جامعة تكساس في أوستن، عام ١٩٨٧، كما يعكف بتجلّ، على صناعة الأمل.

اقرأ أيضاً: شفيق الغبرا: القيادة الفلسطينية مارست السلطة قبل اكتمال التحرّر الوطني

وصناعة الأمل، هي حرفة الغبرا الحقيقية، لمن يعرفه عن قرب؛ إذ يحدوه ليلاً نهاراً، على الصعد كافة: السياسية والصحية وتلك المرتبطة بشؤون من يحبهم. ينتقي في هذه الحرفة كلماته بعناية، بالعربية والإنجليزية، وينتقي حتى نبرة الصوت التي يبشّر خلالها بالأمل، ويعرف جيداً كيف يخرج بمزيج يجمع فيه أمرين: صناعة الأمل والإبقاء على قدميّ من أمامه على أرض الواقع، بالوسع قول إنّ هذا المزيج هو من صناعة شفيق الغبرا، بامتياز.
نقاط الفرادة
كثيرة هي نقاط الفرادة التي يلمسها من يصغي إلى حديث شفيق الغبرا؛ إذ في وقت كان فيه رئيساً مؤسساً للجامعة الأمريكية في الكويت، بين 2003 و2006، ومديراً للمكتب الإعلامي الكويتي في العاصمة الأمريكية، واشنطن، بين عامَي 1998 و2002؛ فإنّه ثوريّ مناكِف حتى الثمالة حين يتعلق الأمر بالحقوق المسلوبة، أية حقوق، قد تتبادر لذهن من يتحدث إليه، بدءاً من حقوق المرأة، مروراً بحقوق الشعوب العربية المنتفضة في وجه الأنظمة الطاغية في ٢٠١١، وليس انتهاءً بالثورة الفلسطينية، التي وإن انتقد الغبرا أشياء كثيرة فيها، فإنّه أبداً لا يلوّث بئرها الذي شرب منه، حين خاض معارك ضارية خلالها كمارون الراس والشقيف.

اقرأ أيضاً: محمود محمد طه.. رؤية حيّة للسودان بعد 35 عاماً
يصرّ الغبرا، في الشأن الفلسطيني تحديداً، على المكاشفة بأخطاء حدثت سابقاً وما تزال تحدث، لكنّه لا ينزلق البتة نحو التحامل وشيطنة الآخر، مهما كانت درجة انتقاده واستيائه من القيادة الفلسطينية.

يصرّ الغبرا في الشأن الفلسطيني على المكاشفة بأخطاء حدثت سابقاً لكنّه لا ينزلق نحو التحامل وشيطنة الآخر

وحين يسرد الغبرا، المؤلف لكتب عدة من بينها: "الكويت: دراسة في آليات الدولة والسلطة والمجتمع"، و"الثورات العربية وأعداؤها"، تفاصيل أكثر عمقاً وخصوصية حول الوسط الفلسطيني في الكويت، يحار من يستمع إليه في حجم المقدرة التي امتلكها ولا يزال في إمساكه خيوط الحكاية بالكامل، ويحار أكثر في مقدرته الذهنية والعصبية، وقتذاك وحتى اللحظة، على الجمع بين كلّ هذه الأطراف: الجالية الفلسطينية، بطبقاتها الشعبية والوسطى والنخبوية والمتنفذة، والقيادة الفلسطينية، بدءاً بصفّها الأول، وليس انتهاءً بأكثر العناصر المغمورة فيها، والمقاومة الكويتية للغزو العراقي، على اختلاف سبل مقاومتها من كلمة ومنشور وأغنية وقتال وعمل منظم.

كتابه "النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت"

كما يفعل مريدو الزوايا الصوفية
يُطوّق طلبة شفيق الغبرا أستاذهم، تماماً كما يفعل مريدو الزوايا الصوفية بشيخ الطريقة، ينهلون منه خلال المحاضرات، ويلحقون به عقب انتهاء المساق الجامعي؛ ليسجّل محاضراته ويؤرشفها مرئياً، لا سيما تلك التي تؤرخ للقضية الفلسطينية، وللصراع العربي الإسرائيلي، وبقدر ما أمسك شفيق الغبرا بالتحليل السياسي بمهارة لافتة، والعمل الحربي ومن ثم الدبلوماسي بكفاءة مشهود لها، فإنّه برعَ في الشقّ الأكاديمي على مدار عقود.
وستستضيف، لاحقاً، كبريات الجامعات العالمية الفدائي الفلسطيني - الكويتي الذي بات أستاذاً جامعياً، والذي تحدّث عن تجربته النضالية بالتفصيل في كتابه "حياة غير آمنة"، بخلاف رفاق كثر أبقوا سيرتهم القتالية طيّ الكتمان؛ مخافة أن تؤثر على المراكز التي يشغلون حالياً.

اقرأ أيضاً: صلاح حافظ.. انتفاضة بقلم "بقايا إنسان"
شفيق الغبرا حالة مختلفة عن أولئك؛ إذ يضع مراحل حياته كاملة على الطاولة، يعرضها بتصالح تام، حتى وإن اعترتها تناقضات أو جدليات، يقدمها بثقة لافتة، ويجيب عن أيّ تساؤل حولها، ويمسك بمهارة بتلابيب السرد وفنونه، حين ينتقل بك من الطفولة المرفهة، للعمل الفدائي الكادح، للأكاديميا ونخبويتها، لعالم الرياضة واللياقة، وحبه للموسيقى العالمية، ويحملك بنبرة صوته الحازمة للسياسة والثورة الفلسطينية ورصانة الأجواء الجامعية، فيمضي معك بنبرة مختلفة مترعة بالشجن حين يتحدث عن صوت المغني ليونارد كوهين وشِعره.

اقرأ أيضاً: أنور عبد الملك.. واضع الاستشراق أمام أزمته الحقيقية

يتكئ شفيق الغبرا على أريكته الرمادية في واشنطن، مستغرقاً في رحلته العلاجية، ومطلاً من واجهة زجاجية، ليس على المشهد الأمريكي فحسب، بل العالمي أيضاً، والشخصي، الحالي والسابق؛ ليرتب في ذهنه الخطوط العريضة لكتابه الجديد، تاركاً للتفاصيل حرية الانثيال، التفاصيل التي لطالما برعَ الغبرا في نقشها، كأيّ نحّات محترف.

للمشاركة:

مدينة ووهان تخترق التاريخ من بوابة الذعر والموت

2020-03-18

قبل الحادي والثلاثين من كانون الثاني (يناير) الماضي، لم يسمع غالبية البشر بمدينة ووهان، ومَن سمعوا بها قبل ذلك التاريخ، كانت تلك المدينة الصينية ترد على مسامعهم، باعتبارها أعرق المدن في الصين، والمدينة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في وسط الصين؛ إذ يبلغ عدد سكانها أكثر من 11 مليون نسمة، لتكون بذلك تاسع أكبر مدينة صينية من حيث عدد السكان.

اقرأ أيضاً: مبادرة إنسانية جديدة.. الإمارات تجلي الطلبة السودانيين من ووهان
لكنّ للتاريخ ذاكرة مختلفة، فهو سيكتب عن ووهان باعتبارها المدينة التي نشرت الذعر في سائر أرجاء المعمورة، وسيقترن اسمها بالأوبئة التي أهلكت البشر، ودمرت الاقتصادات العالمية، وأغلقت الحدود بين الدول، ومنعت الطائرات من أن تحلق في الأجواء، وحبست الناس في منازلهم، وقتلت العديد منهم، لمجرد أنّ فيروساً انبثق من سوق ووهان للمأكولات البحرية في مقاطعة جيانغهان، أهلكَ أقواماً كثيرين، وحبس أنفاس الكون.

يبلغ عدد سكانها أكثر من 11 مليون نسمة

ووهان قبل أن ينبعث الوباء
تلك هي حكاية ووهان. وهذا ما سيذكره التاريخ. وبعد آلاف الصفحات، ربما يتذكّر أنها كانت، قبل أن ينبعث منها الوباء، تزخر بسلسلة من المناطق الصناعية و52 معهداً للدراسات العليا ويسكنها أكثر من 700 ألف طالب وطالبة، وهو أكبر عدد للطلبة في أيّ من المدن الصينية.

سيتذكّر التاريخ ووهان، باعتبارها منشأ الفيروس الذي فتك بالبشر وحبس سكان الأرض في بيوتهم أو في أقفاص مخاوفهم

وبحسب تقييم فورتشون العالمي، تستثمر في ووهان 230 من أكبر 500 شركة في العالم. وتعد فرنسا (التي كانت تتمتع بامتياز في هانكو، التي ضُمت إلى ووهان، بين عامي 1886 و1943) من الدول التي لديها استثمارات كبيرة في المدينة؛ إذ تستثمر فيها أكثر من 100 شركة فرنسية، ولشركة بيجو سيتروين للسيارات مصنع في ووهان ضمن شراكة مع إحدى الشركات الصينية.
ومع دخول حمى كورونا التي اجتاحت الصين بداية قبل أن تتفشى في أنحاء العالم، شهرها الرابع، يبدو أنّ بؤرة انطلاق الفيروس المستجد بدأت تتنفس الصعداء، كما أفادت قناة "العربية"؛ إذ جرى استئناف العمل في عدد من المجالات.
وشهدت ووهان حركة خجولة جداً في الشوارع، فيما أعلنت حكومة إقليم هوبي أنّ الصناعات الرئيسية ستستأنف أنشطتها في مدينة ووهان؛ بؤرة تفشي (كوفيد 19) الذي ما زال يحصد أرواح الكثير من الأبرياء حول العالم، وتلك مفارقة أخرى سينتبه إليها التاريخ وهو يكتب فصول هذه المأساة المرعبة التي انبثقت من هذه المدينة التي كانت في عشرينيات القرن الماضي عاصمة لحكومة كوومينتانغ اليسارية بقيادة وانغ جينغواي المعادي لشيانج كاي شيك. وتعد ووهان منطقة مدنية ممتدة لثلاث مدن دمجت في عام 1950 وهي: هانكو في الضفة الشمالية لليانغتزيه، وهانيانغ بجانب الهان، وووتشانغ في الضفة الجنوبية لليانغتزيه. وتحتوي على العديد من مصانع إنتاج الحديد والفولاذ، كما توجد بها، وفق "الويكيبيديا" جامعة ووهان، التي احتلت المرتبة الثالثة على مستوى البلاد في عام 2017، وجامعة ووهان للتكنولوجيا.

اقرأ أيضاً: الوزير المفوض لي دونج لـ"حفريات": الصين في طريقها لاكتشاف لقاح لكورونا
ومن الأحداث الفارقة المسجلة حصرياً باسم ووهان، الانتفاضة التي وقعت فيها، وأدت إلى سقوط أسرة تشينغ وتأسيس جمهورية الصين. وكانت ووهان لفترة وجيزة عاصمة الصين في عام 1927 تحت الجناح الأيسر لحزب الكومينتانغ. كما كانت المدينة، فيما بعد، عاصمة الصين في زمن الحرب في عام 1937 لمدة عشرة أشهر خلال الحرب الصينية اليابانية الثانية.
وما دام الحديث هنا عن التاريخ المفارق للعادة، فقد عانت ووهان من مخاطر الفيضانات، ما دفع الحكومة إلى إدخال آليات امتصاص صديقة للبيئة.
ومن الأحداث السعيدة في ووهان، احتضانها للألعاب الرياضية في بطولة آسيا فيبا 2011 وكانت واحدة من الأماكن لكأس العالم لكرة السلة فيبا 2019. واستضافت، أيضاً، الدورة السابعة للألعاب العسكرية العالمية في الفترة من 18 إلى 27 تشرين الأول (أكتوبر) 2019. وقبل ذلك بعامين، اختارت اليونسكو مدينة ووهان كمدينة إبداعية في مجال التصميم.

زهر البرقوق شعار المدينة

ويعد زهر البرقوق شعارَ مدينة ووهان، وتم اختياره بسبب التاريخ الطويل لزراعة البرقوق المحلي واستخدامه، والاعتراف بالأهمية الاقتصادية الحالية للبرقوق من حيث الزراعة والبحث. وتم استخدام الخوخ البري المحلي طبياً خلال عهد أسرة تشين وهان.
تضاريس ووهان بسيطة؛ فهي منخفضة ومسطحة في الوسط، وذات منطقة تلال في الجنوب، ويمتد نهرا "اليانغتسي" و"هان" عبرها، فيما يصب نهر "شي" في نهر اليانغتسي في مقاطعة هوانغبي.

اقرأ أيضاً: الإمارات تستقبل العائدين من الصين.. ومغردون: "شكراً محمد بن زايد"
تمتد ووهان على مساحة تبلغ 8,494.41 كيلومتر مربع (3,279.71 ميل مربع)، معظمها سهل رسوبي مزين بالتلال وعدد كبير من البحيرات والبرك، بما في ذلك البحيرة الشرقية وبحيرة تانجكسون، اللتان تُعدّان أكبر البحيرات الواقعة بالكامل داخل مدينة في الصين. وتشمل البحيرات المعروفة الأخرى البحيرة الجنوبية وبحيرة الرمل. تقع بحيرة لينغاتسي، أكبر بحيرة من ناحية المساحة في مقاطعة خوبي، في جنوب شرق مقاطعة جيانكسيا. على ارتفاع 709 أمتار فوق مستوى سطح البحر، في حين تعد أعلى نقطة في ووهان هي القمة الرئيسية لجبل "يون يونو" في شمال غرب مقاطعة هوانغبي.
مناخ ووهان شبه استوائي رطب

مدينة شبيهة بالفرن
مناخ ووهان شبه استوائي رطب، يتميز بهطول الأمطار الوفيرة وأربعة فصول منفصلة. تشتهر ووهان بصيفها الرطب، عندما تصل نقاط الندى إلى 26 درجة مئوية (79 درجة فهرنهايت) أو أكثر.

سيقترن اسم ووهان بالأوبئة التي أهلكت البشر، ودمرت الاقتصادات العالمية، وأغلقت الحدود بين الدول، ومنعت الطائرات من أن تحلق

تاريخياً، وجنباً إلى جنب مع تشونغتشينغ ونانجينغ، يُشار إلى ووهان باعتبارها واحدة من "ثلاث مدن شبيهة بالفرن" على طول نهر اليانغتسي؛ لارتفاع درجات الحرارة في الصيف. ومع ذلك، تشير بيانات المناخ في الأعوام الأخيرة إلى أنّ ووهان لم تعد من بين المدن التي تأتي في مقدمة "أكثر المدن حرارة في الصيف"، والمدن الأربعة الجديدة التي "تشبه الفرن" هي تشونغتشينغ، وفوتشو، وهانغتشو، ونانتشانغ. الربيع والخريف معتدلان بشكل عام في ووهان، بينما يكون الشتاء بارداً مع تساقط الثلوج في بعض الأحيان.

اقرأ أيضاً: "العلاج أسوا من المرض".. الصين كافحت كورونا أم قمعته فقط؟
يتراوح متوسط درجة الحرارة الشهري في ووهان على مدار 24 ساعة من 4.0 درجة مئوية (39.2 درجة فهرنهايت) في كانون الثاني (يناير) إلى 29.1 درجة مئوية (84.4 درجة فهرنهايت) في تموز (يوليو).
يبلغ إجمالي هطول الأمطار السنوي 1,320 مليمتر (52 بوصة)، معظمه في الفترة بين نيسان (أبريل) وتموز (يوليو)؛ ومتوسط درجة الحرارة السنوي هو 17.13 درجة مئوية (62.8 درجة فهرنهايت)، وتدوم فترة غياب الصقيع 211 إلى 272 يوماً. 

الدين في ووهان

وفقاً لمسح نُشر في عام 2017، وأفادت منه "ويكيبيديا" فإنّ 79.2٪ من سكان ووهان هم إما يمارسون عبادة غير دينية، أو يمارسون دين الآلهة والأجداد؛ من بين هؤلاء 0.9 ٪ هم الطاويون. من بين المذاهب الدينية الأخرى، يلتزم 14.7 ٪ من السكان بالبوذية، و2.9 ٪ بالبروتستانتية، و0.3 ٪ بالكاثوليكية و1.6 ٪ بالإسلام، في حين أنّ 1.6 ٪ من السكان يلتزمون بأديان أخرى غير محددة.
سيتذكّر التاريخ ووهان، باعتبارها منشأ الفيروس الذي فتك بالبشر، وحبس سكان الأرض في بيوتهم أو في أقفاص مخاوفهم، ولن يتذكر الكثيرون أنّ ووهان واحدة من المدن الكبرى الأكثر قدماً وتحضراً في الصين، وأنّ عمرها يمتد لأكثر من 3500 عام.

اقرأ أيضاً: الصين وكورونا وأمن منطقة الخليج.. هل يفتح الوباء أفقاً جديداً؟
ولأنّ ووهان شهدت الكثير من المعارك الحربية المحورية طوال تاريخها سواء قبل الميلاد أو بعد الميلاد، فقد كان ذلك دافعاً لبناء أبراج المراقبة والحصون والأسوار المنيعة لحمايتها، علاوة على أنّ المدينة تعد، منذ فترة طويلة، وبخاصة أيام حكم المغول، مركزاً رئيسياً للفنون، لا سيما الشعر والدراسات الفكرية. فماذا سيقول الشعراء الآن ومستقبلاً عنكِ يا ووهان؟!

للمشاركة:



ما حكم صيام رمضان مع تفشي فيروس كورونا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-06

نفت دار الإفتاء المصرية إصدارها فتوى بجواز عدم صيام شهر رمضان، الذي يحلّ نهاية الشهر الجاري، وسط انتشار فيروس كورونا.

وقالت الإفتاء في بيان لها عبر حسابها الرسمي بموقع "تويتر" أمس الأحد: "لم ننشر أي فتوى متعلقة بصوم رمضان هذا العام في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، وما يشاع على صفحات السوشيال ميديا غير صحيح".

دار الإفتاء المصرية تنفي إصدارها فتوى بجواز عدم صيام شهر رمضان وسط انتشار فيروس كورونا

ونبهت بضرورة الحصول على المعلومة من صفحاتها الرسمية، داعية: "اللهم بلغنا رمضان وقد كشفت عنا ما نحن فيه".

وختمت بيانها بالتأكيد أنّها ستعلن عن أي تفاصيل خاصة بأي فتاوى جديدة في هذا الشأن عبر الصفحة الرسمية.

وفي وقت سابق، قالت وزارة الأوقاف المصرية، إنها لن تسمح لأي جهة بإقامة موائد في محيط المساجد أو أي ملحقات تابعة لها هذا العام خلال شهر رمضان.

اقرأ أيضاً: عندما سلّم العثمانيون مصر غنيمة سهلة للمحتل الفرنسي

ودعت أهل الخير ولجان البر والجمعيات والجهات التي كانت تقيم موائد إفطار في الشهر الكريم، إلى أن تبادر بإخراج ذلك نقداً أو سلعاً غذائية للفقراء والمحتاجين قبل دخول الشهر المبارك، مع التأكيد على أنّ النقد أنفع للفقير لسعة التصرف فيه.

الأزهر يؤكد عدم جواز الإفطار إلا في حال رأى الأطباء ضرورة بقاء الفم رطباً طوال اليوم كإجراء وقائي

وكان مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية حسم قبل أيام الجدل حول حكم صيام شهر رمضان خلال فترة انتشار فيروس كورونا الجديد، مؤكداً عدم جواز الإفطار إلا في حال رأى الأطباء ضرورة بقاء فم الصائم رطباً طوال اليوم كإجراء وقائي من الإصابة بالفيروس.

وأوضح مركز الأزهر، في بيان، أنّه على الرغم من أنّ "الأمر سابق لأوانه؛ فإنه لا يجوز للمسلم أن يفطر رمضان إلا إذا قرر الأطباء وثبت علمياً أنّ الصيام سيجعله عرضة للإصابة والهلاك بفيروس كورونا، وهو أمر لم يثبت علمياً حتى هذه اللحظة".

اقرأ أيضاً: مصر في زمن الكورونا: الحياة "أون لاين"

وتكررت الأسئلة بشأن حكم صيام رمضان مع تفشي فيروس كورونا المستجد، لا سيما مع النصائح المنتشرة حول بقاء الفم رطباً كإجراء وقائي من (كوفيد- 19)، وفق ما ذكرته منظمة الصحة العالمية من أنّ شرب الماء من الإجراءات الوقائية ضد الإصابة بفيروس كورونا.

للمشاركة:

هل يزول نظام أردوغان خلال عامين؟.. توقعات ومؤشرات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-06

توقع الناشط التركي المعارض والمعتقل السابق، الدكتور هالوك صواش، زوال نظام حزب العدالة والتنمية الحاكم خلال عامين.

واعتبر صواش، في حوار مع صحيفة "اليوم السابع" المصرية، أنّ صفوف المعارضة التركية أصبحت أكثر قوة وتنظيماً عما قبل.

الناشط هالوك صواش يتوقع زوال نظام حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا خلال عامين

وأكد أنّ حزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي يتزعمه رجب طيب أردوغان اتخذ من حركة غولن خصماً له، وأنّ هناك قوائم كانت مُعدة مُسبقاً للطرد والإقالة من المناصب الحكومية بالدولة، بتهمة انتمائهم إلى حركة الخدمة قبل الانقلاب المزعوم.

وأضاف صواش أظهرت حكومة أردوغان معاملة قاسية وسيئة للغاية ضد جميع المعارضين، وهذا لا يتعلق بالدين أو أنصار وأتباع حركة غولن فقط كما تدعي؛ ولكن من قبل وهي تنتهج ممارسات قمعية وانتهاكات تصل إلى حد الإبادة الجماعية كما شهدنا في المدن الكردية بالمحافظات الشرقية؛ حيث تم حرق أحياء وتفجيرات وغيرها من السياسات السيئة. ويُمكن القول بأنّ حزب العدالة والتنمية له سياسات عدائية واضحة تجاه أي من المُعارضين.

اقرأ أيضاً: إيران وتركيا.. ذرائع أقبح من ذنب

وتابع صواش: "من المؤكد سيكون الأمر أكثر صعوبة إذا تمكن أردوغان من البقاء في السلطة، ولكنه يعلم أنه فقد الكثير من قوته وأن موقفه أصبح أضعف كثيراً، وهو ما نراه أيضاً. أردوغان لن يُمكنه البقاء أكثر من عام أو اثنين على الأكثر وأعتقد أنه سيضطر إلى الفرار. وإذا تمت انتخابات على غرار ما حدث مع الانتخابات البلدية في 31 آذار  (مارس) من العام الماضي، ستتغير الحكومة التركية كُلياً. إن المعارضين الآن أكثر صلابة واتحاداً وتنظيماً وإذا استمر نظام أردوغان فسيخسر خسائر فادحة، أو ربما عليه أن يجد طريقة جيدة للتعامل مع خصومة. في الحالتين أتوقع أنّ أردوغان لن يتمكن من البقاء في السلطة على المدى الطويل سواء اتبع سياسة الشدة أو اللين".

دراسة تؤكد أنّ 71.4% من ناخبي حزب العدالة والتنمية يريدون العيش في الدول الغربية

وفي سياق متصل، قالت دراسة أعدتها مؤسسة الديمقراطية الاجتماعية في تركيا (SODEV)  أنّ نسبة كبيرة من المواطنين الأتراك يريدون العيش خارج بلدهم.

وكشفت الدراسة أنّ نحو 79.1% من المواطنين الأتراك يريدون العيش خارج تركيا، مشيرة إلى أنّ النسبة الأكبر أعربت عن رغبتها في العيش في ألمانيا والنرويج والولايات المتحدة الأمريكية.

وأوضحت الدراسة أنّ 71.4% من ناخبي حزب العدالة والتنمية أكدوا أنهم يريدون العيش في الدول الغربية بعيداً عن تركيا، وذلك على الرغم من أنّ حزب العدالة والتنمية والحركة القومية هما أكثر من يستخدمون خطاباً عدائياً تجاه الدول الغربية.

اقرأ أيضاً: تركيا تتكبّد خسائر كبيرة في ليبيا.. هذه آخرها

بينما كانت الدولة الأكثر ترجيحاً لناخبي حزب الشعب الجمهوري هي النرويج، أما بالنسبة لناخبي حزب الخير فقد كانت الولايات المتحدة أول خيار لهم، بحسب الدراسة.

تشير بيانات رسمية صادرة عن الرئاسة التركية إلى أنّ عام 2018 شهد مغادرة 137 ألف تركي بلدهم، واستقرارهم بالدول الأوروبية، وتعكس الإحصائيات زيادة بنحو 20 في المئة في عدد الأتراك الذين غادروا تركيا مقارنة بالعام السابق.

ويوجد 6.5 ملايين تركي بالخارج، فيما ارتفع عدد السوريين في تركيا عقب الحرب الأهلية إلى 3 ملايين و700 ألف سوري من بينهم 63 ألف فقط بالمخيمات وتقيم النسبة المتبقية في 79 مدينة تركية.

للمشاركة:

تحت وطأة كورونا.. هكذا يحيي السودانيون الذكرى الأولى لعزل البشير

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-06

يحيي الشعب السوداني اليوم الذكرى الأولى لاعتصام قيادة الجيش بالخرطوم، وهم يعشون تحت وطأة التدابير الاحترازية لمجابهة فيروس كورونا المستجد.

وسارعت قوى إعلان الحرية والتغيير التي قادت حركة الاحتجاجات الشعبية ضد حكومة المعزول عمر البشير، بدعوة السودانيين إلى إحياء ذكرى الاعتصام من داخل منازلهم، ضمن حملة "من مكانك ردد هتافك"، وذلك تماشياً مع التدابير الصحية الخاصة بمحاصرة الجائحة العالمية، وفق ما أورد موقع "العين" الإخباري.

اقتباس: الحرية والتغيير تدعو السودانيين إلى إحياء ذكرى الثورة من منازلهم ضمن حملة "من مكانك ردد هتافك"

وفي الذكرى الأولى لاعتصام الخرطوم، قيدت جائحة كورونا المواكب الاحتفالية التي كان ينوي السودانيون القيام بها في ذكرى الثورة، والذي يعد بمثابة يوم خالد في ذاكرة النضال والكفاح السوداني.

وقالت لجنة العمل الميداني بقوى الحرية والتغيير، في تعميم صحفي أمس: إنّ الأوضاع الصحية التي تمر بها البلاد اختصرت فعاليات الذكرى الأولى للاعتصام، من مهام جماعية إلى فردية تحسباً للمخالطة.

واعتذرت اللجنة للسودانيين حيث إنّ "ذكرى عظيمة كهذه تمر دون وضع واجبات جماعية نتشارك في تنفيذها جميعنا".

اقرأ أيضاً: هل يشهد السودان انقلاباً عسكرياً جديداً؟

وأشارت إلى أنّ "فعاليات إحياء الذكرى الأولى ستبدأ اليوم عند تمام الساعة الواحدة بتوقيت السودان وتستمر حتى ساعة سقوط البشير في 11 مع الالتزام بالمحاذير الصحية وعدم التجمعات".

وأطلقت قوى الحرية والتغيير حملة "من مكانك ردد هتافك" والتي تحث الثوار على ترديد هتافات الثورة ورفع علم السودان في المنازل والسيارات والشوارع.

كما تتضمن إضاءة فلاشات الهواتف في تمام الساعة 8 مساء من كل مكان مع ترديد النشيد الوطني، وإضاءة الشموع ليلاً مصحوبا بالتقاط صور ونشر صور مواكب الثورة وذكريات العمل الثوري عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وحثت الجميع على اتباع الإرشادات الطبية لمنع تسلل فيروس كورونا عبر الصور والمنشورات.

هذا وارتفع عدد الحالات المصابة بفيروس كورونا المستجد في السودان أمس إلى 10 حالات مؤكدة.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون في السودان.. هل تشير لغة التحريض إلى ما هو أعظم؟

ورحّب نشطاء سودانيون في مواقع التواصل الاجتماعي بفكرة الاحتفاء داخل المنازل بذكرى اعتصام قيادة الجيش بالخرطوم، لأنّ ذلك يتماشى مع التدابير الوقائية التي وضعتها السلطات الصحية للسيطرة على جائحة كورونا.

للمشاركة:



حملة ضد رموز "الإخوان" في السودان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-06

أحمد يونس ومحمد أمين ياسين

أعلنت الحكومة الانتقالية السودانية رصدها لتحركات تقوم بها بعض عناصر من نظام الرئيس المعزول عمر البشير لزعزعة الأوضاع في البلاد، وتوعدت باتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة في مواجهتهم، فيما أكدت القوات المسلحة هدوء الأوضاع الأمنية في البلاد. وقال المتحدث باسم الحكومة، وزير الإعلام فيصل محمد صالح، في تصريحات عقب اجتماع طارئ أمس لمجلس الوزراء برئاسة عبد الله حمدوك، إن الاجتماع بحث الأوضاع الأمنية والاقتصادية في البلاد بعد أن رصدت الحكومة «تفلتات أمنية» تقف وراءها مجموعات من حزب «المؤتمر الوطني» (حزب البشير) المنحل، وتوعد باتخاذ إجراءات سريعة وفعالة تجاهها.

ووفقاً لمصادر حكومية وأخرى في «قوى إعلان الحرية والتغيير»، الحاضنة السياسة للحكومة، فإن بعض رموز النظام المعزول من قيادات الإسلاميين، كانت تخطط لاستغلال عدم التجمهر بسبب فيروس كورونا، لتنفيذ انقلابهم على الحكومة الانتقالية والعودة للحكم مجدداً. وذكرت أن الاجتماع أوصى بإلقاء القبض على بعض رموز الإسلاميين ونشطائهم، وطالبت باستدعاء القوات المجازة وفرض حراسات مشددة على بعض المواقع والشخصيات، تحسباً لما قد يحدث من فوضى.

من جهته، نفى المتحدث باسم الجيش، العميد عامر محمد الحسن، في بيان أمس، ضلوع الجيش في أي عملية انقلابية، وعدم وجود شبهات أو قرائن لحدوث انقلاب وسط القوات المسلحة، وأن الأحاديث عن محاولة انقلابية «غير صحيحة».

وأوضح صالح أن اجتماع مجلس الوزراء شدد على ضرورة الإسراع في تكوين جهاز الأمن الداخلي، ومتابعة تقارير دورية عن الأوضاع الأمنية ومستجدات محاكمات رموز النظام السابق وقضايا الفساد، وسير عملية السلام. وقال وزير الإعلام إن اجتماع مجلس الوزراء أمّن على ضرورة إحداث تغيير عاجل في حكومات الولايات، على مستوى المديرين العامين في الوزارات الولائية والهيئات العامة، وإزاحة عناصر النظام المعزول التي اتهمها بعرقلة إجراءات التغيير.

من جهة أخرى، أدانت وزارة الخارجية السودانية أمس (الأحد) حادث اعتداء طالب لجوء سياسي سوداني على فرنسيين في جنوب شرقي فرنسا يوم أول من أمس. وأكدت الوزارة في بيان، نقلته وكالة السودان للأنباء (سونا)، إدانتها «لهذا الحادث المؤسف بأشد العبارات»، وأضافت أنها «تقدم تعازيها الحارة لأسرتي الفقيدين وتتمنى الشفاء العاجل للجرحى». ووفقاً للبيانات التي ذكرها بيان الوزارة فإن المعتدي سوداني من مواليد عام 1987 ودخل الأراضي الفرنسية بصورة غير شرعية في أغسطس (آب) من عام 2016.

ولقي شخصان حتفهما وأصيب خمسة آخرون جراء قيام المشتبه به بالاعتداء عليهم بالطعن يوم أمس. وتولت شرطة مكافحة الإرهاب الفرنسية القضية. وأثناء تفتيش منزل المشتبه به، تم العثور على أوراق بها محتوى ديني، مما يشير إلى أنه قد ينتمي إلى إحدى الجماعات الإسلامية.

عن صحيفة "الشرق الأوسط"

للمشاركة:

البعد الأخلاقي للوباء.. تحولات في القيم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-06

ديفيد بروكس

الفلسفات يمكن أن تبدو، لدى البعض أحياناً، مثل نكات قاسية. فالشيء الوحيد الذي يهم هو البقاء على قيد الحياة. ومن دون الإلهام الذي يمنحه إيانا معنى أعلى، تصبح للأنانية اليد الطولى.
الواقع أن هذه الأفكار مغرية وجذابة في وقتنا الحاضر، ولكنها بالطبع خاطئة. فعندما تمر هذه الأزمة، سننظر إليها باعتبارها واحدة من أكثر مراحل حياتنا غنى بالمعاني.
فيكتور فرانكل (طبيب الأعصاب والطبيب النفسي النمساوي الذي نجا من الهولوكست) ذكّرنا بأننا لا نستطيع اختيار صعوباتنا، ولكنا نملك الحرية لاختيار ردودنا عليها. وأكد على أن المغزى يأتي من ثلاثة أشياء هي: العمل الذي نقدّمه في أوقات الأزمات، والحب الذي نعطيه، وقدرتنا على إظهار الشجاعة إزاء المعاناة. فالتهديد قد يكون دون قدرة البشر أو فوق قدرة البشر، ولكن لدينا جميعاً خيار تأكيد كرامتنا، حتى النهاية.
سأضيف هنا مصدراً آخر للمعنى. إنها القصة التي نحكيها حول هذه اللحظة. الطريقة التي نربط بها لحظة معاناتنا هذه بقصة الخلاص والافتداء. والطريقة التي نخرج بها بعدئذ لنعيش تلك القصة في الواقع بعناد. إن الوباء اليوم وحش غير مرئي، ولكنه يلد عالماً أفضل.
هذا الوباء بشكل خاص يضربنا تحديداً في أكثر المناطق ضعفاً وحساسية، ويكشف بالضبط تلك العلل التي كنا قد تهاونا معها وصرنا متسامحين معها بكسل. فنحن في الولايات المتحدة أصلا أمّة منقسمة، والوباء جعلنا نبتعد عن بعضنا بعضا بمسافة. ثم إننا نعرّف أنفسنا غالبا بمهننا، والوباء يهدّد بالقضاء عليها، والأسئلة الأخلاقية الأساسية تفرض نفسها.
بهذه الطريقة يفرض الوباء أن نعالج مشاكلنا بطرق لم نكن مضطرين لها من قبل. ولكن الوباء يُخرج قدرتنا على الإبداع. وخلال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، تولد أشكال التنظيم العظيم للمستقبل.
فهناك طاقة جديدة أخذت تأتي إلى العالم. ولعل الصورة النموذجية لهذه الأزمة هي كل تلك الصور التي على الإنترنت لأشخاص يجدون طرقا للغناء والرقص معا عبر المسافات.
كما أن هناك تحولا للقيم أخذ يأتي إلى العالم. ذلك أننا بتنا مضطرين للحفاظ على روابطنا الإنسانية. وصارت العلاقات تُنسج بشكل أوثق جراء الضغط الناتج عن الخوف المتبادل.
وهناك عمل جديد أخذ يأتي إلى العالم أيضا. فقد كنتُ أجري اتصالا على تطبيق «زوم» هذا الأسبوع مع 3 آلاف طالب يستضيفهم «منتدى فيريتاس». وكان ثمة سؤال واحد على كل الأذهان: ما الذي أستطيع فعله الآن؟
كما أجريت اتصالا آخر على تطبيق «زوم» مع 30 شخصاً. وكان كل واحد منهم قد بدأ نشاطا جديدا لخدمة جيرانه. فقد كانت ثمة سيدة توزّع بذور الخضار حتى تستطيع الأسر زرع حديقة خضار خاصة بها. وكان آخرون يحوّلون تلك المكتبات الصغيرة التي على الحدائق الأمامية للمنازل إلى خزائن للمؤن الغذائية. وبعض الأشخاص يضعون على منازلهم أضواء الزينة التي توضع في الأعياد عادة من أجل إشاعة جو من البهجة والانشراح.
وفضلا عن ذلك، هناك أيضا نوع جديد من التأمل والتفكر الذاتي الذي أخذ يأتي إلى العالم. فكل الأشخاص الذين تحدثت معهم هذه الأيام بدوا تواقين إلى إجراء محادثات أعمق وطرح أسئلة جوهرية أكثر:
هل أنت مستعد للموت؟ وإذا امتلأت رئتاك بالسوائل من الثلاثاء، هل ستكون قانعا بالحياة التي عشتها؟ ماذا ستفعل إذا مات أحد أحبائك؟ وهل تعرف أين توجد مواردك الروحية والعلائقية الأهم؟
أي دور تلعبه في هذه الأزمة؟ وما هي الطريقة التي يسمح وضعك الحالي بأن تقدم بها خدمة للمجتمع؟
لدينا جميعا مهمة مواجهة مخاوفنا. لستُ أدري بماذا تشعر أنت، ولكن في يخصني لدي في داخلي بعض الخوف الذي لم يرحل منذ أن بدأت هذه الأزمة. غير أنه تدريجيا يكتشف المرء أن لديه الموارد للتعاطي مع هذه الأزمة بينما يحارب الفيروس بالمحادثة والعمل المباشر. ذاتٌ أقوى تخرج من براثن الموت والقلق.
إن المعاناة يمكن أن تكون مخلِّصة ومنقذة. ذلك أننا نتعلم أشياء أكثر حول أنفسنا في هذه الفترات العصيبة. والاختلافات بين الأحمر والأزرق لا تبدو بتلك الحدة المعهودة على نقّالات أقسام الطوارئ، ولكن اللامساواة في العالم تبدو فاحشة أكثر حينما يكون الفرق بين الأغنياء والفقراء هو الحياة أو الموت.
وبالتالي، أجل، إنها لحظة حافلة بالمعاني. وهذا المعنى تحديدا هو الذي سيُلهمنا ويحافظ على لحمتنا وتماسكنا بينما تسوء الأمور. وفي أوضاع كهذه، يكون المعنى علاجاً حيوياً للروح.

للمشاركة:

الاحتلال.. لا رحمة حتى في الوباء

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-06

خوان كول

في دليل على أن تقنيات الاستعمار الاستيطاني لا تتوقف أبداً، هدمت قوات الاحتلال «الإسرائيلي» عيادة طوارئ أقامها الفلسطينيون في بلدة صغيرة داخل الضفة الغربية الفلسطينية المحتلة، وفقاً لما ذكرته منظمة السلام «الإسرائيلية» (بِتْسيلِم).

كتبت «بِتسيلِم»: «في صباح، يوم الخميس الماضي، وقرابة الساعة السابعة والنصف، وصل مسؤولون من الإدارة المدنية (الإسرائيلية) في الضفة الغربية برفقة سيارة جيب عسكرية وجرّافة وشاحنتيْن مسطّحتين مع رافعات، إلى (خربة إبزيق) في شماليّ غور الأردن. صادروا أعمدة وأقمشة كتانية كان يُفترض أن تستعمَل في نصْب ثماني خيام، اثنتان لعيادة ميدانية، وأربع للإسكان العاجل للأهالي الذين تمّ طردهم من منازلهم، واثنتان لاتخاذهما مسجدين مؤقتين. وصادرت القوّة أيضاً كوخاً من الصفيح قائماً منذ أكثر من عامين، إضافة إلى مولّد كهرباء، وأكياس رمْل وإسمنت. وصودرتْ أربع مصاطب نقالة مخصصة لأرضيّات الخيام، ودُمرت أربعٍ أخرى».
من مبادئ الاحتلال «الإسرائيلي» أنه لا يُسمح لخمسة ملايين فلسطيني يعيشون في ظلّ بطشه وقمعه، بإنشاء مبانٍ جديدة بلا تصريح منه. وتأمل سلطات الاحتلال من ذلك، كما هو واضح، في أن تدفع الفلسطينيين إلى الخروج من فلسطين مع الزمن بحرمانهم من المأوى الأساسي. ولكون هذا المبدأ، أي «عدم السماح بإنشاء مبانٍ جديدة» يُطبَّق على عيادات أقيمت على عجل للفلسطينيين المعرّضين للخطر في قراهم الصغيرة في خضمّ انتشار وباء عالمي، فإنه ينمّ عن منتهى القسوة والوحشية. وهو بالتأكيد جدير بأن يُعتبَر جريمة حرب بموجب اتفافية جنيف لعام 1949 المتعلقة بمعاملة السكان الذين يعيشون تحت الاحتلال.
لنتأمّلْ ما يلي: لقد تعاملت الصين ونيويورك مع انتشار الفيروس بطرق عدة، منها إنشاء مستشفيات جديدة، سواءً بالتغيير المؤقت لأغراض استعمال بنايات أخرى، أو ببناء منشأتيْن جديدتين في مدينة ووهان. أمّا الفلسطينيون، فلا تسمح لهم «إسرائيل»، حتى بإقامة خيام ميدانية!
استنكرت وزارة الخارجية الفلسطينية «هذه الاعتداءات التي تترافق أيضاً مع تصاعد حملات الاحتلال الرامية إلى محاربة الوجود الفلسطيني في منطقة الأغوار المحتلة، التي كان آخرَها تدميرُ عيادة ميدانية تخدم المواطنين الفلسطينيين في خربة (إبزيق) شرق طوباس، على الرغم من الإجراءات المفروضة والحاجة الملحة للعيادات الطبية، وما تقدمه من خدمات طبية، في ظل استمرار تفشي وباء فيروس كورونا، إضافة إلى حملة الاعتقالات المتواصلة ضد أبناء شعبنا في القدس المحتلة».
وتشكو وزارة الخارجية أيضاً من أن المستوطنين الغاصبين للأرض الفلسطينية، شكَّلوا عصابات لمهاجمة الفلسطينيين في البلدات والقرى الصغيرة، مستغِلّين عدم اهتمام العالم بفلسطين خلال الوباء.
وقد ظهرت حالات إصابة بوباء «كوفيد- 19» فعلاً في الضفة الغربية الفلسطينية، ذات الكثافة السكانية العالية، حيث تُجبر سياسات الاحتلال «الإسرائيلي» الناس هناك على الاصطفاف في طوابير مزدحمة عند نقاط التفتيش العسكرية. وتفعل السلطة الفلسطينية ما بوسعها لتشجيع التباعد الاجتماعي، ولكنها تظل عاجزة عن التصرف بسبب السياسة «الإسرائيلية»، والإعاقة المتعمدة للجهود الفلسطينية المبذولة لمحاربة الوباء.

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية