ماكغورك التائه في العراق

ماكغورك التائه في العراق

مشاهدة

24/09/2018

ترى إدارةُ الرئيس ترامب، التي تنظر إلى العراق بكونه ساحةَ لعبٍ لسياستها؛ حيث يقوم رجل أمريكا في بغداد، المبعوث الخاص بريت ماكغورك (تدخل في العام 2012 على إفشال خطة سحب الثقة من رئيس الوزراء العراقي حينها وأكد لإدارة أوباما أن المالكي قادرٌ وبثقة على إدارة البلاد)، بمهمة إبقاء واختيار القادة المدعومين من الولايات المتحدة في السلطة.

هذا النهج "يذكرنا بكيفية عمل الإدارة الأمريكية السابقة، حين رأت مساعد وزيرة الخارجية، فيكتوريا نولاند، أن مهمتها هي اختيار قادة أوكرانيا"، كما يقول الباحث والمؤلف الأمريكي بول بيلار، فماكغورك الذي احتفظ بمنصبه رغم رهانه الخاسر على المالكي حين هزمت قوات الأخير أمامَ مجموعاتٍ صغيرة من عناصر تنظيم داعش في صيف العام 2014، كان وراء استبدال المالكي برئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي؛ أي إنه ظلّ مصراً على أن يكون المنصب من حصة "حزب الدعوة"!

اقرأ أيضاً: فرانكشتاين يتجوّل في بغداد مرة أخرى

اليوم يبدو ماكغورك تائهاً في العراق؛ بل خذله حتى الحلفاء المقربون للولايات المتحدة، ألا وهم الأكراد، فبعد رفضها مشروع الاستقلال الكردي في أيلول (سبتمبر) العام 2017، غضّت النظرَ بعد شهر، على عملية مؤلمة أخرى، ففي تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، أرسلت بغداد جيشها المدرّب من قبل الولايات المتحدة والمليشيات الشيعية المتحالفة مع إيران إلى كركوك لطرد القيادة الكردية من المدينة المتنازع عليها. شعر العديد من الأكراد بالاستياء والغضب بل بـ"الخيانة". لقد حاربوا تنظيم "داعش" إلى جانب الحكومة المركزية، وساعدت قوات البيشمركة في إنقاذ كركوك في العام 2014 من سيطرة داعش الوشيكة عليها. هنا رأى الكرد أنّ جميع رؤوس أموالهم السياسية، التي كسبوها من أعوام القتال إلى جانب الأمريكيين ضد الجماعات المتطرفة والإرهابية، قد أفلست.

اقرأ أيضاً: بغداد تهبّ نصرة للبصرة

لقد كانت الحسابات في واشنطن قائمةً على أنّ رئيس الوزراء حيدر العبادي أملُ العراق، لكن الرهان على الرجل أصبح غيرَ ذي أهمية عندما جاء في المركز الثالث في انتخابات أيار (مايو) الماضي، وهنا عادت المنطقة الكردية مرة أخرى لتصبح مفتاحاً لتشكيل حكومة موالية للغرب في بغداد.

العبادي الذي كان خيار واشنطن (من خلال نصائح ماكغورك ومعلوماته)، فاز بـ 42 مقعداً فقط، في حين حصلت الأحزاب الكردية مجتمعة على حوالي 50 مقعداً. وهذا يعني أن المنطقة الكردية وأحزابها اليوم في العراق، ولا سيما الديمقراطي الكردستاني (حزب البارزاني القريب إلى واشنطن) والاتحاد الوطني الكردستاني (حزب الطالباني القريب إلى إيران)، تحمل مفاتيح لمن سيكون رئيس الوزراء المقبل ورئيس العراق، فقد كان رئيس الوزراء في البلاد شيعيًا منذ العام 2005، بينما كان رئيس الجمهورية كردياً.

الغضب في عاصمة إقليم كردستان من الموقف الأمريكي دفع الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى أن يكون أكثر تحفظاً

لكن الغضبَ في عاصمة إقليم كردستان من الموقف الأمريكي، قد دفع الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى أن يكون أكثر تحفظاً على مرشح واشنطن الذي يجب أن يدعمه الكرد في بغداد، وتجد أربيل نفسها الآن بين الولايات المتحدة وإيران، وكلاهما يضغطان لكسب النفوذ؛ حيث تأمل واشنطن أن ينسى الأكراد استفتاءهم حول الاستقلال في العام الماضي، لكن الكردي العراقي يتذكر بقوة ولا ينسى بسهولة، وبات موقف أربيل اليوم أقرب إلى تصفية الحساب مع واشنطن حتى وإن كان يتم بطريقة غير معلنة.

على الرغم من أنّ العبادي قد لا يكون رئيس الوزراء المقبل، إلا أن معظم كبار اللاعبين السياسيين سيكونون هم نفسُ أولئك الذين ألقى الكثيرُ من العراقيين باللوم عليهم في دفع البلاد إلى الضياع والتشتت خلال 15 عاماً منذ الإطاحة بصدام حسين في العام 2003. فثمة النظامُ القائمُ على تقسيم المناصب العليا بين الشيعة والسنة والأكراد إلى جانب تقاسم الوزارات بين الأحزاب، وهو ما سيكرر المأزقَ السياسيَ الدائم، وإعادة دورة الفشل الكامل في معالجة الفساد المستشري أو توفير الخدمات الأساسية مثل؛ الكهرباء والمياه وفرص العمل لملايين العاطلين.

ربما كان العبادي، المدعوم بقوة من الولايات المتحدة، سينجح لو كان قد حافظ على دعم الصدريين، لكن هؤلاء شعروا بأن دعمهم قد تم الاستيلاء عليه من قبل الرجل المتفرد بقراراته، ورفضه الاستقالة من "حزب الدعوة" الحاكم وعدم مصادقته على برنامجهم الإصلاحي. أما السياسيون الآخرون الذين كان العبادي بحاجة إلى التوافق معه، فقد اتهموه بأنه نادراً ما يتشاور معهم ويعمل من خلال مجموعة ضيقة من المستشارين.

اقرأ أيضاً: صور تحكي قصة بغداد بعد 15 عاماً من السقوط

عموماً، سوف تختار الأحزاب في النهاية رئيسَ وزراء جديداً و"حكومة وحدة وطنية"، حيث سيحصل اللاعبون الكبار على حصصهم من الكعكة، "لكن من غير المرجح أن تكون تلك الحكومة  أكثر فاعلية من إدارة العبادي المنتهية ولايتها" كما يخلصُ إلى ذلك الكاتبُ والمعلقُ البريطاني المتخصصُ بالشؤون العراقية، باتريك كوكبيرن، في مقالةٍ له الأسبوع الماضي.

الصفحة الرئيسية