ماذا يعني اعتراف بايدن بإبادة الأرمن؟.. وكيف جاءت ردود الفعل التركية والدولية؟

ماذا يعني اعتراف بايدن بإبادة الأرمن؟.. وكيف جاءت ردود الفعل التركية والدولية؟

مشاهدة

25/04/2021

في إعلان تاريخي، اعترف الرئيس الأمريكي جو بايدن أمس بأنّ مذبحة الأرمن التي ارتكبت على يد الإمبراطورية العثمانية في عام 1915 كانت "إبادة جماعية"، وهو تصنيف تجنبه الرؤساء الأمريكيون لفترة طويلة خوفاً من الإضرار بالعلاقة الأمريكية التركية.

يأتي القرار بعد حملة ضغط مطولة قام بها أعضاء في الكونغرس وجماعات أمريكية أرمينية، وفق ما نشرت "واشنطن بوست".

وكان بايدن قد وعد خلال حملته الانتخابية بأنّه سيعترف بالفظائع التي جرت للأرمن باعتبارها "إبادة جماعية"، ما قد يسهم في تأجيج التوتر مع تركيا.

وذكرت شبكة "سي إن إن" الأمريكية أنّ الاعتراف يشير إلى التزام أمريكي بحقوق الإنسان العالمية، لكنه في الوقت ذاته يهدد بانقسام محتمل مع تركيا.

بذلك ستضاف الولايات المتحدة إلى أكثر من 30 دولة تعترف بأنّ المذابح التي تعرّض لها الأرمن على أيدي العثمانيين "إبادة".

وبحسب موقع "أرمينين جينوسيد" المعني بهذه الذكرى، فإنّ أمريكا تنضم لقائمة الدول التي اعترفت بالإبادة وتضم: لبنان، وسوريا، واليونان، وفرنسا، وروسيا، وإيطاليا، وألمانيا، والأرجنتين، والبرازيل، وغيرها.

وقد فتحت الكنيسة الكاثوليكية "الفاتيكان" الأرشيف المتعلق بإبادة الأرمن في تركيا، واعترف البرلمان الألماني بالإبادة الأرمينية، وهو ما اعتبره خبراء أنه أكبر إثبات ودليل، خاصة أنّ برلين كانت حليفاً رئيسياً لأنقرة أثناء الحرب العالمية الأولى، علاوة على أنّ ألمانيا تمتلك جميع أسرار الدولة العثمانية.

 

الولايات المتحدة أضيفت إلى أكثر من 30 دولة تعترف بأنّ المذابح التي تعرّض لها الأرمن على أيدي العثمانيين إبادة جماعية

 

وفي 2019 أصدر الكونغرس الأمريكي بأغلبية ساحقة قرارات غير ملزمة في مجلسي النواب والشيوخ وصفت إجراءات عام 1915 بأنّها "إبادة جماعية"، لكنّ إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب رفضت الاعتراف بالأمر.

ويعني الإعلان الذي يحمل وزناً رمزياً هائلاً، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز"، المساواة بين ما ارتكبه العثمانيون مع ما وقعت من إبادة جماعية في رواندا عام 1994، وما حدث على أيدي النازيين في الحرب العالمية الثانية .

وترى الصحيفة أنّ الأوضاع الاقتصادية المتردية في تركيا وحاجتها إلى أمريكا تجعل الخيارات أمام أردوغان محدودة.  

كما أنّ الاعتراف الأمريكي بـ"إبادة" الأرمن يشكّل عقبة في طريق انضمامها للاتحاد الأوروبي، حيث يشكّل ذلك ورقة ضغط على أنقرة، خاصة مع تحذير الاتحاد من أنّ أي رد فعل متشدد حيال الاعتراف سيعقّد محادثات الانضمام إلى الاتحاد.

وتعرّف اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1948 بشأن الإبادة الجماعية بأنّها جريمة "تدمير بشكل كلي أو جزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية".

ويقدّر المؤرخون أنّ نحو 1.5 مليون مسيحي أرمني قتلوا خلال حملات القتل والترحيل التي نفذتها الإمبراطورية العثمانية بداية من عام 1915، ويستخدم الكثيرون كلمة "إبادة جماعية" لوصف ما حدث.

 

الإعلان يعني المساواة بين ما ارتكبه العثمانيون مع ما وقعت من إبادة جماعية في رواندا عام 1994، وما حدث على أيدي النازيين

 

لكنّ تركيا - الإمبراطورية العثمانية وقتها - ترفض تلك الروايات، واعترف القادة الأتراك المتعاقبون، أنه رغم وقوع "أعمال وحشية بالفعل"، لكنهم يؤكدون أنها لم ترتقِ إلى حالات اضطهاد بالدرجة التي تزعمها أرمينيا وأنصارها.

وبدلًا من ذلك، تقول تركيا إنّ نحو 300 ألف أرميني قتلوا خلال الحرب العالمية الأولى نتيجة الحرب الأهلية والاضطرابات الداخلية التي استنزفت الإمبراطورية العثمانية أثناء انقسامها.

هذا، وانتقدت تركيا قرار الرئيس الأمريكي، وقالت إنه ليس له أي أساس قانوني، "وسيفتح جرحاً عميقاً" في العلاقات الثنائية.

وندّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان "بتسييس" قضية الإبادة الجماعية بحق الأرمن، من قبل الأطراف الأمريكية، وذلك بعد اعتراف الرئيس الأمريكي بالإبادة الجماعية بشكل رسمي.

وقال الرئيس التركي، بحسب ما أوردت وكالة "الأناضول": "تسييس أطراف ثالثة النقاشات (حول أحداث 1915) وتحويلها إلى أداة تدخل ضد تركيا لم يحقق منفعة لأي أحد".

وأضاف: "ما يجمعنا (الأتراك والأرمن) ليست المصالح، بل ارتباطنا الوثيق بالدولة والقيم والمثل العليا ذاتها".

 

الاعتراف الأمريكي بـ"إبادة" الأرمن يشكل عقبة في طريق انضمام تركيا إلى  الاتحاد الأوروبي

 

بدورها، قالت وزارة الخارجية التركية، وفق ما نقلت وكالة الأناضول: "هذا البيان الأمريكي الذي يشوه الحقائق التاريخية لن يقبله ضمير الشعب التركي، وسوف يفتح جرحاً عميقاً يقوّض الصداقة والثقة المتبادلة بيننا"، وأضافت أنها ترفض وتستنكر البيان "بأشد العبارات".

وفي رد فعل من جانبه، قال وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو: إنّ اعتراف الرئيس الأمريكي جو بايدن "يستند فقط إلى الشعبوية".

 وكتب تشاوش أوغلو على تويتر في أول رد فعل على بيان من البيت الأبيض: "الكلمات لا يمكن أن تغير التاريخ أو تعيد كتابته".

وأضاف: "ليس لدينا ما نتعلمه من أي شخص فيما يتعلق بماضينا. الانتهازية السياسية هي أكبر خيانة للسلام والعدالة".

في المقابل، رحب رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان بالقرار التاريخي للرئيس الأمريكي، معتبراً أنه "خطوة قوية جداً لصالح العدالة والحقيقة التاريخية"، وفق ما أوردت وكالة "أسوشيتد برس".

الذكرى الـ 106 للإبادة الجماعية للأرمن

وأبلغ باشينيان الرئيس الأمريكي جو بايدن في رسالة أمس بأنّ الاعتراف بالإبادة مسألة تتعلق بأمن أرمينيا، وخاصة بعد الأحداث التي جرت في المنطقة العام الماضي، عندما اندلعت الحرب في إقليم ناجورنو قرة باغ.

وقال باشينيان في رسالته لبايدن نُشرت على موقعه الإلكتروني: "تلقى الأرمن في أنحاء العالم بحماس شديد وترحيب بالغ الاعتراف بالإبادة".

وفي السياق، أعربت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي عن أسفها لأنّ "حقيقة هذه الجرائم الشنيعة تم إنكارها في كثير من الأحيان، والتقليل من وحشيتها".

 

"حزب الشعوب الديمقراطي": تركيا لم تواجه الإبادة الأرمنية، وهذه الجريمة تكررت لأنها لم تواجَه، وامتدت إلى اليوم

 

وأضافت: إنّ "التاريخ يعلمنا أننا إذا تجاهلنا أحلك فصوله، سيتحتم علينا أن نشهد فظائع الماضي تتكرر".

وأشاد النائب الديمقراطي آدم شيف بوفاء بايدن بتعهده، بما يتعلق بالإعلان رسمياً عن الإبادة الجماعية التي تعرّض لها الأرمن.

وقال شيف في بيان نقلته وكالة رويترز: "بالنسبة إلى الأرمن الأمريكيين، وكل من يؤمن بحقوق الإنسان والحقيقة، يمثل اليوم معلماً تاريخياً: لقد تحدى الرئيس بايدن التهديدات التركية، واعترف بذبح 1.5 مليون أرمني، أول إبادة جماعية في القرن الـ20."

بدوره، قال رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي السيناتور الديمقراطي بوب مينينديز: "اليوم في الذكرى الـ 106 للإبادة الجماعية للأرمن، نحافظ على ثقتنا وإيماننا بأولئك الذين يقفون في وجه الظلم في أي مكان حول العالم، كما نكرم أولئك الذين فقدوا حياتهم ونتذكر كيف ماتوا".

أدى القمع من جانب مرتكبيه العثمانيين إلى مذابح راح ضحيتها مئات الآلاف من الأرمن بين عامي 1894 و1896 في شرق الأناضول

وقدّم السيناتور مينينديز شكره للرئيس بايدن الذي توافق مع إجماع الكونغرس والأكاديميين واعترف بالإبادة.

وأضاف: كما قلت في عام 2019، عندما أقرّ مجلس الشيوخ بالاعتراف وإحياء ذكرى الإبادة الجماعية، فإنّ التغاضي عن المعاناة الإنسانية ليس من صفاتنا، وليس ما ندافع عنه كأمّة.

وتابع أنه يشعر بالإلهام بشدة بتفاني الجالية الأرمنية لضمان الاعتراف بالإبادة الجماعية باعتبارها حقيقة تاريخية لا يمكن دحضها. واليوم نكرم ذكريات 1.5 مليون من الأبرياء الذين قتلوا وجوّعوا وأجبروا على ترك وطنهم.

 

أردوغان: تسييس قضية الإبادة الجماعية بحق الأرمن، وتحويلها إلى أداة تدخل ضد تركيا، لم يحقق منفعة لأي أحد

 

وتابع: فقط من خلال الاعتراف والفهم يمكننا أن نتعلم من أحلك ساعات التاريخ. دعونا نبنِ مستقبلاً أكثر سلاماً معاً.

وترى مديرة معهد الدراسات الأرمنية بجامعة جنوب كاليفورنيا سالبي غازاريان أنّ الاعتراف بالإبادة الجماعية سيكون له صدى يتجاوز أرمينيا، ويؤكد جدية بايدن بشأن احترام حقوق الإنسان كمبدأ أساسي في سياسته الخارجية.

وقالت:"أصبح الالتزام الأمريكي بالقيم الإنسانية الأساسية موضع تساؤل داخل الولايات المتحدة وخارجها منذ عقود. من الأهمية بمكان أن يواصل سكان العالم التشبث بالأمل والإيمان بأنّ القيم الأمريكية الطموحة ما تزال قائمة، وأنه يمكننا في الواقع القيام بالعديد من الأشياء في وقت واحد. يمكننا في الواقع الاستمرار في العلاقات التجارية وغيرها مع البلدان بينما ننادي أيضاً بحقيقة أنّ الحكومة لا يمكنها الإفلات من قتل مواطنيها".

وبالعودة إلى الداخل التركي طالب حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد في تركيا الحكومة التركية الاعتراف بـ "المذبحة".

ونصّ بيان "حزب الشعوب الديمقراطي" الذي نقلته صحيفة "زمان" التركية على أنّ "إبادة جماعية" للأرمن حدثت على الأراضي التركية" مطالباً بـ"العدالة".

وأشار بيان "حزب الشعوب الديمقراطي" إلى أنّ تركيا لم تواجه الإبادة الأرمنية، وأنّ "هذه الجريمة تكررت لأنها لم تواجَه، وامتدت إلى اليوم، ومرّت الجريمة الكبرى بلا عقاب، والتمييز وجرائم الكراهية أصبحت شائعة".

 

رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان يشيد بالقرار التاريخي لبايدن، ويعتبره خطوة قوية جداً لصالح العدالة والحقيقة التاريخية

 

في السياق نفسه، قدّم النائب عن "حزب الشعوب الديمقراطي" بارو بايلان (من أصول أرمنية) اقتراحاً برلمانياً يطالب فيه "بالاعتراف بالمذبحة الأرمنية، وإزالة أسماء فاعليها من مجال الملك العام، وإدخال تعديلات على قانون الجنسية التركية".

أمّا "حزب الشعب الجمهوري"، أكبر أحزاب المعارضة في تركيا، فعبّر عن أسفه لبيان بايدن، وقالت رئيسة "حزب الخير" المعارض ميرال أكشنر إنها تدين بشدة بيان الرئيس الأمريكي، معتبرة أنه يمثل "هجوماً شديداً" على تركيا.

وعلى صعيد متصل، طالب فرع إسطنبول لجمعية "حقوق الإنسان التركية" بوقف إنكار المذبحة الأرمنية. وجاء في بيان للجمعية أنّ "إنكار المذبحة، هو استمرارية للمذبحة. أنهوا الإنكار، واقبلوا الجريمة بجميع نتائجها الحقوقية".

هذا، وتوافد الآلاف من الأرمن أمس في العاصمة يريفان إلى النصب التذكاري لأحداث "إبادة الأرمن".

وتطالب يريفان بتعويضات مالية من أنقرة واستعادة حقوق الملكية لأحفاد الذين قتلوا في 1915-1918.

وجاء القرار الأمريكي بعد أوّل اتصال هاتفي جمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مع نظيره الأمريكي جو بايدن.

وأوضحت المصادر التي نقلت عنها وكالة "رويترز" أنّ بايدن استخدم خلال الاتصال الهاتفي عبارة "الإبادة الجماعية" خلال وصف أحداث 1915.

ووفق تقارير إعلامية، أوضح بايدن لأردوغان خلال الاتصال الهاتفي أنه مستعد للاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن، فضلاً عن عدم قبوله بالاعتراضات التركية على ذلك.

ووقعت الجرائم الفظيعة عام 1915 عندما بدأ الأرمن الذين كانوا يعيشون في الإمبراطورية العثمانية، والذين بلغ تعدادهم مليوني نسمة، في التعبير عن طموحاتهم الوطنية.

وأدى القمع من جانب مرتكبيه العثمانيين إلى مذابح راح ضحيتها مئات الآلاف من الأرمن بين عامي 1894 و1896 في شرق الأناضول، شرق تركيا حالياً.

اقرأ أيضاً: الذكرى الـ106 لـ"المذبحة".. أبرز المعترفين بالإبادة الجماعية للأرمن

وقُتل عدة آلاف أيضاً في القسطنطينية، إسطنبول حالياً، في آب (أغسطس) عام 1896 بعد استيلاء الأرمن على البنك العثماني.

وبينما كان العثمانيون يقاتلون القوات الروسية في شرق الأناضول في الحرب العالمية الأولى، شكَّل كثير من الأرمن مجموعات قتالية لمساعدة الجيوش الروسية.

ويوم 24 نيسان (أبريل) عام 1915 ألقت الإمبراطورية العثمانية القبض على آلاف المثقفين والسياسيين والاقتصاديين الأرمن وقتلتهم.

وفي أيار (مايو) عام 1915 بدأ القادة العثمانيون في إبعاد جماعي للأرمن عن شرق الأناضول، وتوجّه الآلاف جنوباً إلى سوريا وبلاد الشام.

ويقول الأرمن: إنّ مليوناً ونصف مليون ماتوا في المذابح أو من الجوع والإجهاد في الصحراء.

وسعياً لدفن صراع استمرّ قرناً، وقّعت الدولتان اتفاق سلام في عام 2009 دعا إلى تشكيل لجنة خبراء دوليين لدراسة أعمال القتل التي وقعت في عام 1915، والتي أصرّت أرمينيا على إعلانها إبادة جماعية.

اقرأ أيضاً: كيف استعدت تركيا لذكرى إبادة الأرمن؟ وما علاقة أمريكا؟

واتفقت الدولتان على إقامة علاقات دبلوماسية وفتح حدودهما بشرط التصديق البرلماني على الاتفاقية، لكنّ يريفان وأنقرة تبادلتا الاتهام بإعادة كتابة نصوص الاتفاقية، وفي غضون 6 أشهر تمّ تعليق التصديق.

وفي عام 2018 ألغت أرمينيا الاتفاقية رسمياً، وفي العام الماضي دعمت تركيا بقوة أذربيجان في حربها التي استمرت 6 أسابيع مع أرمينيا، حول جيب ناجورنو قرة باغ، وقد استولت خلالها قوات أذربيجان على أرض من القوات الأرمينية.

وكانت قد اعترفت عشرات الدول بأنّ أعمال القتل في عام 1915 إبادة جماعية.

الصفحة الرئيسية