
تعيش ليبيا واحدة من أكثر لحظات المسار السياسي حساسية منذ سنوات. فبعد أكثر من عقد على الانقسام بين مؤسسات الشرق والغرب، بدأت تتجمع مؤشرات توحي بأن القوى الدولية والإقليمية باتت تدفع باتجاه صيغة جديدة لتوحيد الدولة، لا تكتفي بإدارة الانقسام وإنما تحاول تحويل التفاهمات الاقتصادية والأمنية إلى مدخل لتسوية سياسية أوسع.
وتأتي الولايات المتحدة في مقدمة هذا التحرك، مدفوعة برغبة واضحة في تثبيت ما تحقق خلال الأشهر الماضية، وفي مقدمته الاتفاق على أول موازنة وطنية موحدة منذ أكثر من 13 عاماً. وفي أحدث موقف أميركي، أكد المستشار الرئاسي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس استمرار دعم واشنطن للاتفاق، معتبراً أن توحيد الموازنة يعزز قدرة مصرف ليبيا المركزي على حماية الاستقرار المالي والقوة الشرائية. كما جدد التزام بلاده بدعم توحيد المؤسسات الاقتصادية والعسكرية والسياسية.
لكن أهمية التحرك الأميركي لا تكمن في الموازنة وحدها. فواشنطن تحاول، وفق تصريحات بولس، البناء على سلسلة من الخطوات التي بدأت منذ العام الماضي، بينها الموازنة الموحدة ومشاركة قوات من الشرق والغرب في تدريبات «فلينتلوك 26» التي أشرف عليها الجيش الأميركي. كما تؤكد واشنطن أن مبادرتها قصيرة المدى مكملة لخريطة الطريق الأممية التي تقودها المبعوثة الأممية هانا تيتيه، وليست بديلاً عنها.
المشكلة أن توحيد الإنفاق أسهل بكثير من توحيد السلطة. فليبيا لا تزال عملياً موزعة بين حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، والسلطات المتمركزة في الشرق والمدعومة من مجلس النواب والقائد العسكري خليفة حفتر. وما زال الخلاف الأساسي يدور حول شكل السلطة الانتقالية التي ستقود البلاد إلى الانتخابات، ومن يملك حق إدارة المرحلة التي تسبق الاقتراع.
وهنا تظهر أهمية التحرك السياسي الأخير للجنة «4+4». فقد توصل ممثلو مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة إلى مسودة اتفاق أولية تتعلق بالقوانين الانتخابية وإعادة هيكلة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، في خطوة اعتبرتها واشنطن تقدماً مهماً نحو مسار انتخابي قابل للتنفيذ.
لكن الاتفاق لم يتحول بعد إلى تسوية نهائية. فهناك اعتراضات داخل المؤسسات الليبية نفسها على مدى تمثيل اللجنة للأطراف السياسية، كما أن المسودة لا تحسم بالكامل السؤال الأكثر حساسية: من يدير ليبيا في الفترة الانتقالية إلى حين إجراء الانتخابات؟ وهذا تحديداً هو أحد أسباب تعثر الاستحقاق الانتخابي منذ تأجيل انتخابات ديسمبر 2021.
في موازاة واشنطن والأمم المتحدة، تتحرك تركيا باتجاه صيغة تقوم على الحفاظ على ليبيا موحدة، مع توسيع قنوات التواصل مع الشرق وعدم الاكتفاء بعلاقتها التاريخية بحكومة طرابلس.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأن أنقرة كانت طرفاً مباشراً في الصراع الليبي خلال السنوات الماضية، بعدما دعمت حكومة طرابلس عسكرياً. لكن التحولات الأخيرة دفعتها إلى التواصل مع معسكر الشرق أيضاً، في محاولة للتعامل مع ليبيا باعتبارها دولة واحدة لا ساحة نفوذ مقسمة.
وقد التقى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مسؤولين في طرابلس وبنغازي، كما عقد لقاء مع صدام حفتر في أنقرة، في مؤشر على أن السياسة التركية تتجه نحو توسيع هامشها مع مختلف مراكز القوة الليبية. وفي الوقت نفسه، تتحرك مصر وقطر ودول أوروبية في اتجاه دعم المسار الأممي والتسوية السياسية.
وهذا التقاطع بين واشنطن وأنقرة والقاهرة والأمم المتحدة لا يعني بالضرورة وجود اتفاق كامل على تفاصيل التسوية، لكنه يعكس تحولاً مهماً: لم تعد الأولوية الدولية مجرد منع عودة الحرب، بل محاولة إنتاج صيغة أكثر استقراراً لإدارة الدولة.
وراء هذا التحرك السياسي يوجد عامل اقتصادي شديد الأهمية: النفط.
فليبيا تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، لكن الانقسام السياسي والأمني حرم البلاد من استثمار كامل إمكاناتها. وتسعى المؤسسة الوطنية للنفط حالياً إلى جذب استثمارات تصل إلى نحو 40 مليار دولار بهدف رفع الإنتاج من قرابة 1.4 مليون برميل يومياً إلى مليوني برميل بحلول 2030.
وهنا يمكن فهم أحد دوافع الضغط الأميركي والدولي باتجاه توحيد المؤسسات. فاستقرار ليبيا لا يعني فقط إنهاء الانقسام السياسي، وإنما فتح الباب أمام استثمارات ضخمة في النفط والغاز والبنية التحتية، وضمان أن تكون عائدات الطاقة تحت إدارة مؤسسات وطنية أكثر توحيداً وشفافية.
وقد ربطت واشنطن بالفعل بين تنفيذ الموازنة الموحدة والاستقرار المالي وزيادة إنتاج الطاقة والاستثمار الدولي، مع التأكيد على أهمية المؤسسات السيادية، وعلى رأسها مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط.
لكن النفط نفسه قد يتحول إلى عقبة إذا بقيت مسألة توزيع عائداته جزءاً من الصراع على السلطة. ولذلك فإن أي صفقة سياسية لن تكون مكتملة من دون اتفاق واضح على إدارة الإيرادات، والإنفاق، والرقابة، وآليات توزيع الموارد بين المناطق.
إذا كان الاقتصاد يمكن أن يشكل مدخلاً للتقارب، فإن الأمن يبقى الاختبار الأكثر صعوبة.
فلا يزال المشهد الليبي محكوماً بتعدد القوى المسلحة، فيما كشفت الهجمات الأخيرة على منشآت الطاقة والاضطرابات الأمنية عن هشاشة الترتيبات القائمة. وحذرت الأمم المتحدة من أن الانقسام المؤسساتي، وضعف التنسيق، واستمرار الضغط على الخدمات العامة كلها عوامل تهدد الاستقرار.
في المقابل، بدأت تظهر خطوات ذات دلالة، بينها اتفاق قيادات عسكرية من الشرق والغرب على إنشاء مركز عمليات مشترك في سرت، ومركز للتدريب الجوي في مصراتة، وقيادة مشتركة مدمجة. وإذا تحولت هذه التفاهمات إلى مؤسسات فعلية، فقد تكون مقدمة لمسار أوسع لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس وطنية.
لكن دمج القوى العسكرية يظل أكثر تعقيداً من مجرد إنشاء غرف عمليات مشتركة؛ لأن الأمر يتعلق بموازين القوة، وسلاسل القيادة، ومصالح مجموعات مسلحة، وموقع قوات حفتر، ومستقبل الترتيبات الأمنية في طرابلس والشرق والجنوب.
المؤشرات الحالية توحي بأن هناك فرصة حقيقية، لكنها لا تكفي بعد للحديث عن تسوية ناضجة.
فالولايات المتحدة تمتلك نفوذاً متزايداً، والأمم المتحدة توفر الإطار السياسي، وتركيا تتحرك بين الشرق والغرب، ومصر منخرطة في الاتصالات، فيما أصبح توحيد الموازنة سابقة يمكن البناء عليها. كما أن المصالح الاقتصادية الدولية تدفع باتجاه بيئة أكثر استقراراً تسمح باستثمار الثروة النفطية الليبية.
لكن العقبة الأساسية تبقى داخل ليبيا نفسها. فكل طرف يريد توحيد الدولة، ولكن من موقع يضمن له أكبر قدر ممكن من النفوذ. وكل طرف يدعم الانتخابات من حيث المبدأ، لكنه يخشى أن تؤدي قواعدها أو نتائجها إلى خسارة مكتسباته الحالية.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تريد الأطراف الدولية توحيد ليبيا؟ بل: هل تستطيع تحويل الضغط الدولي والتقارب الإقليمي إلى اتفاق ليبي قابل للتنفيذ؟
إذا نجحت واشنطن والأمم المتحدة وتركيا وشركاؤها في ربط الملفات الثلاثة ــ المال والأمن والانتخابات ــ ضمن مسار واحد، فقد تدخل ليبيا مرحلة مختلفة تقوم على صفقة سياسية تدريجية بدلاً من انتظار تسوية شاملة يصعب الوصول إليها دفعة واحدة.
أما إذا بقي كل ملف منفصلاً عن الآخر، فقد تتحول الموازنة الموحدة والتفاهمات الأمنية والاتفاقات الانتخابية إلى مجرد إنجازات جزئية، من دون أن تنهي الانقسام الذي أصبح جزءاً من بنية الدولة نفسها.
وبين الاحتمالين، تبدو ليبيا اليوم أمام فرصة نادرة: إما أن تتحول التفاهمات المتراكمة إلى تسوية تعيد بناء الدولة، أو أن تضيع مرة أخرى داخل حسابات النفوذ والصراع على من يحكم ليبيا قبل أن يُسأل الليبيون عبر صناديق الاقتراع عمن يريدون أن يحكمهم.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_10_1_2.jpeg.webp?itok=QhiBQ_PA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_3_0.png.webp?itok=7ph9CRMX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%861_1_0_3_2_0_3_0.png.webp?itok=Yxqp-0ha)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%88%D8%B1%D8%AA%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_0.jpg.webp?itok=c8J8x1wz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/research1691816762-scaled_0_0.jpg.webp?itok=wH1cL6pv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1pkoDB6xaLzTcGT7xdzFbTNxnKBNNX1BMWnlOI3H6QGUnklyLglnOUpFeLzI9fqSOH-Yo5j5Lvx14ZV2DuMEc5rBq6wVoEXeqMhDrva5p8lEemtCRLG-iUXSwHkWxLwBXRvsNWCqVyV5VfG2CKcGdfLkplYwuvncZ28JhEfJdMEAhV4aImfLINJFU2FlqYx8.jpg.webp?itok=VGfH90Ck)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_58_0.jpg.webp?itok=pbRxGqZl)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7_8_3.jpg.webp?itok=r9Tht6TC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D8%A7%D9%84_0_1_0.jpg.webp?itok=qdAPp0oH)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86%20%D8%B9%D9%84%D9%89%20%D9%85%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D9%81%20%D8%B6%D8%B1%D8%A8%D8%A9%20%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9%20%D9%81%D9%8A%20%D9%83%D9%86%D8%AF%D8%A7_0.jpg.webp?itok=qzsDwwof)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_199_0.jpg.webp?itok=z5TY_jPN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7_19_0_0_1.jpg.webp?itok=k2P5zLe4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_22_0.jpg.webp?itok=LogcsopP)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_0_0_0_0_0_0_3_0_0_0.jpg.webp?itok=hf_LUJ34)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%86%D9%83%D9%81%D8%A7%D8%A1_0.jpg.webp?itok=GlM2AIN3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/CoGHKdHI0A1hPADsf1xvDHVYJqUe203-L3Pi6M4DItYuTY-LBYbdxBlWhxyVw5eFpyA77EhAFTia-ZJfwN_pPc-dT2jAvVSmof1AU4jW-RzbK6tUu3zl53R8QNE4uB11Ku6-xRExeteqGE4nrU0FKMjgD-qSsmdO2ta_bQ1psS94XeIDmHXni2TQvZ9guYV4.jpg.webp?itok=d3qSl9vR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

