لماذا نخجل من التعددية الفكرية؟

لماذا نخجل من التعددية الفكرية؟

مشاهدة

18/01/2021

"الاختلاف في الآراء والتقاتل السلمي على المبادئ من نواميس الحياة على الأرض، وليس ظاهرة تحلّل، أو إشارة فساد".
بديهية من هذا النوع ما تزال في حاجة إلى ترديد وتأكيد، كنّا نظن أنّ العالم قد فرغ منها، وأنّنا قد انتهينا إليها، إلا أنّ الواقع يقول خلاف ذلك؛ فلا العالم فرغ منها، ولا نحن قد انتهينا إليها، فما نزال في نفق مظلم نخاف من الأفكار التي تتحرك في العالم من حولنا، بل ونخاف من أفكار بعضِنا.

الطبيعة الإنسانية ذاتها تُملي الاختلاف والتنوع ثم يأتي دور الثقافة في تنظيم الاختلاف

فـ "جماعات التمايز بالإسلام عن المسلمين" أشاعت، وهو ما أصبح جزءاً من ثقافتنا؛ أنّ خلاصَ الأمّة في وحدتها الفكرية، مطالبين بالإجماع والاتفاق على صيغة فكرية واجتماعية وسياسية وثقافية واحدة، بحجة "وحدة الأمة"؛ فشأنهم شأن من أراد أن يحلّ مشكلة المرور، وبدلاً من أن يبني مجتمعاً مدنياً راقياً يحترم اختلاف الطرق، وتعدّد اتجاهات السير، ولا يتعدّى على الطريق المخالف، قرّر أنّ الحلّ هو أن يسيرَ المشاة والسيارات كلّهم في اتجاهٍ واحد؛ فالتسطيح وغياب النظرة المعمقة من أخطر ما تسبّب فيه خطاب الجماعات الإسلاموية التي أنتجت تصورات حول الوحدة الفكرية، تنافي مُبتدَى وأصل الاجتماع الإنساني القائم على الاختلاف، فلا يخلو مجتمع من تنوع وتعدّد، ولا يبرأ اعتقادٌ من شكّ ومُخالفة؛ فالطبيعة الإنسانية ذاتها تُملي الاختلاف والتنوع، ثم يأتي دور الثقافة في تنظيم الاختلاف، فكما أنّ التنوع والاختلاف، بلا أهداف مشتركة، تشتتاً وتضارباً، فكذلك الوحدة لا تعني أن يُصبّ كلّ شيء في قالب واحد مُصمت مُغلق على نفسه، بل على العكس تماماً؛ لا تتأتى الوحدة الخصبة الخلاقة إلا بتنوع، وتغاير، وجدل المتغايرات؛ أي بالاختلاف، ولا حكَم في هذا الاختلاف إلا العقل، لا السلطة بمختلف أنواعها.

اقرأ أيضاً: التعددية.. نعمة أم نقمة؟
فالاختلاف ضرورة عقلية وشرعية، فلو كان الناس متماثلين لضاعت الفردية؛ أهمّ ما يُميز الوجود الإنساني، فكيف يكون التفرّد في آية: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ (مريم: ٩٥) دون اختلاف! إذ إنّ التّفرد يقتضي حرية الفكر والاجتهاد، القائمة على تعدّد الحقّ النظري؛ لتنوع طرق الاستدلال تبعاً لاختلاف المجتهدين، ووحدة الحقّ العملي؛ لأنّ الصالح العام الذي يهدف الاجتهاد إلى تحقيقه واحد.

العقل الإسلامي الذي أنتج التراث لم يصدر عن منظومة فكرية موحّدة متجانسة

غير أنّ الجماعات، في سياق توهّمِ إمكانية تحقيق وحدة حول أفكارها، روّجت، عن عمدٍ، لمغالطتين: الأولى تاريخية، مفادها "أننا لم نعرف وحدة إلا في ظلّ الخلافة، وأنّ التدهور العربي والإسلامي مرتبط بغيابها"، متجاهلين أنّ أعظم خلاف وقع في أمّة العرب، ومن ثمّ بين المسلمين؛ هو الخلاف في الإمامة/ الخلافة؛ "إذ ما سُلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية، مثل ما سلّ على الإمامة في كلّ زمان"، كما لاحظ ذلك مؤلّف "الملل والنّحل"، أبو الفتح الشهرستاني (٤٧٩-٥٤٨هـ/ ١٠٨٦-١١٥٣م)، أحد علماء أهل السنّة، جماعة الأشاعرة، فمنذ وفاة الرسول، صلى الله عليه وسلم، "ذرّ الخلاف قرنه"، فكانت الخلافة منشأ الاختلاف وبداية المغايرة، ووقعت الفتن والحروب، وتشكّلت الأحزاب السياسية، فلا يستطيع زاعم أن يزعم أنّ قيام سلطة "الأمويين" استندت إلى اختيار حرّ ووحدة حقيقية بعيدة عن القهر والتعسف، ثمّ ما كاد العباسيون يستحوذون على الخلافة من حكم بني أمية في الشام، حتى قامت للأمويين خلافة ثانية في الأندلس، وتزايد مجال الاختلاف في العصر العباسي، حتى انقسمت الخلافة، وتعدّدت إلى دول وممالك شتى، باستقلال الأمصار، وقيام دولة الشيعة في المغرب، فالخلاف غير المنضبط هو الدّاء المُزمن للاجتماع العربي.

اقرأ أيضاً: لماذا رفضت إندونيسيا فكرة الدولة الإسلامية وكيف صارت نموذجاً للتسامح والتعددية؟

المغالطة الثانية: توهّمُ أنّ العقل الإسلامي، الذي أنتج التراث، صدر عن منظومة فكرية موحّدة متجانسة؛ وتجاهل كون التراث نِتاج مجموعة من الأنساق الفكرية المختلفة، التي تعكس حالة من التعددية الاجتماعية والعرقية والثقافية للمجتمعات المسلمة، فتكوّنت عشرات المذاهب الفقهية الفردية وبضعة مذاهب فقهية جماعية، وثلاث وسبعون فرقة كلامية، ومذاهب فلسفية، وطرق صوفية متنوعة، واختلفت مناهج المفسرين بين المنقول/ الأثر، والمعقول/ الرأي، وتنوّعت طرق نظر البلاغيين والأصوليين حول فهم مراد الله بين منتصر للفظ ومنتصر للمعنى.

إعادة بناء الهوية وصنع الوحدة لا يكون بالقفز فوق حقّ الاختلاف والهروب من مواجهة ذلك

على هذا النحو التعدّدي تكوّن التراث، الذي أسهم في ازدهار الحضارة الإسلامية، حتى كانت ذروة الصراع بين تلك الأنساق في سعيها نحو الهيمنة والسيطرة بدافع من العصبية، وزعم امتلاك الحقيقة، مستندة إلى دعم السلطة أحياناً، ومدفوعة بالخوف من العدو الخارجي إلى تدشين أحادية فكرية أحياناً أخرى.
وقد أشار أبو المعالي الجويني، المُلقَّب بإمام الحرمين (٤٧٨-٤١٩هـ /١٠٢٨-١٠٨٥م) في مقدمة كتابه "الإرشاد"، إلى تلك الحالة بقوله: "كان في ذلك العصر (القرن الخامس الهجري) شيعة يدعون الناس لإمام اضطر للاختفاء، وإليه يرجع العلم، ومنه تلتمس المعرفة، ومعتزلة يرفضون التقليد، ويمجدون العقل ويرفعونه مكاناً علياً، ورافضة يعملون على قلب النظام، وجعل الناس في أمر مزيج؛ ليصلوا وسط هذه الفوضى إلى الحكم والسلطان، وفلاسفة غايتهم وكدّهم بثّ فلسفات لم تكن تهيأت لها العقول بعد كما يجب؛ وحنابلة يتشددون في علوم في الدين، ويثورن لهذا على السلطة القائمة حيناً، وعلى المتكلمين حيناً آخر. وإلى جانب كلّ هؤلاء جميعاً؛ نجد الأشاعرة من المتكملين، الذين يرون أنّهم وحدهم أهل السنّة، والقوامون على دين الله وتأييده، والدعاة للعقائد الدينية الحقّة، والباذلون أقصى الجهد في الاستدلال لها، وتمكينها من القلوب والعقول، وكانت تحدث أحياناً غير قليلة فتن دامية، وجماع أسباب هذه الفتن هو العصبية في غير حقّ، وعجْز الدولة عن الهيمنة على الأمر، ثم نصرة بعض الخلفاء أو الأمراء لهذا المذهب أو ذاك على مخالفه".

أخفت الجماعات الإسلاموية عن عمد تعددية التراث الفكرية معتمدة على الاستشهاد الانتقائي

أخفت الجماعات الإسلاموية عن عمد تعددية التراث الفكرية، معتمدة على الاستشهاد الانتقائي والتمسك بظواهر الشواهد، متجاهلين طبيعة الخطاب القرآني الذي لا يُمكن استقصاء معانيه أو حصر دلالاته؛ لذا تباينت التفاسير والتأويلات، واختلفت الطرق والمذاهب وتعددت الفرق والمقالات؛ فالقرآن الكريم والسنّة يشتركان في الأسلوبية العربية بما تحمله من احتمالية دلالية.
فالبحث عن وحدة فكرية بمثابة بحث عن قطة سوداء، لا وجود لها في غرفة مُظلمة، فلنختلف ولنتحاور دون تقاتل وتكفير واتهام متبادل بالخيانة والعمالة؛ دون تجزئة طائفية وعشائرية وقبلية؛ إذ إننا نختلف في الوسائل/ الأطر النظرية التي ننطلق منها لتحقيق أهداف واحدة؛ من حرية وعدالة اجتماعية، وتعايش سلمي، فالتسليم بالاختلاف، بل بحتميته، يُرسّخ قيم التسامح والحرية والعقلانية، فيُؤسس معرفياً، لا أخلاقياً فحسب، لمبدأ أنّ الحقّ لا يعرفه إلا الله الحقّ، فلا يزعم طرف امتلاك الحقيقة المطلقة.

اقرأ أيضاً: أزمة التعددية القطبية
أخيراً الاختلاف ليس تفكيكاً للهوية ودعوة للتفتت والتشرذم، فإعادة بناء الهوية وصنع الوحدة لا يكون بالقفز فوق حقّ الاختلاف والهروب من مواجهة حقيقة أنّ الواحد هو شطر الآخر، وأنّ العقائد والمذاهب هي وجوه لحقيقة واحدة، فاحترام الاختلاف هو اعتراف بحقّ الغير بأنّ له حقيقته ومساحته الخاصة من الوجود.

الصفحة الرئيسية