لماذا فشلت إيران في استثمار قرار الرئيس ترامب تجاه القدس؟

صورة عمر الرداد
كاتب أردني وخبير بالتحليل الأمني الاستراتيجي
966
عدد القراءات

2017-12-20

لا شكّ في أنّ إيران وجدتْ ضالّتها المنشودة، في خطيئة الرئيس الأمريكي "ترامب"، بقراره نقل السفارة الأمريكية إلى القدس؛ حيث قدّم لإيران ذريعةً لإعادة إنتاج خطابها الإعلامي الثوري، ضدّ قوى الاستكبار العالمي، وأمريكا وحلفائها، من الاعتدال العربي والإسلامي، لدرجة اعتقدتْ بأنّها من القوة بمكان، أنْ تطرح شروطاً على السعودية، لفتح صفحةٍ جديدةٍ، بعد قطع علاقاتها مع السعودية، ووقف الحرب في اليمن، وبما يضمن إرسال رسالة مفادها أنّ نظامها هو النظام الوحيد المدافع عن فلسطين، فيما يتخاذل الآخرون، إلّا أنّ المواقف المتقدمة، العربية والإسلامية، شعبياً ورسمياً، أفشلت المواقف الإيرانية، في ظلّ تحولات كبرى في الرأي العام العربي والإسلامي، عنوانُها المزيد من الوعي بخطابات الإسلام السياسي الثورية، بنسختيه؛ السنية والشيعية، باختطاف مطالبه، وتجييرها لصالحه.

المواقف المتقدمة العربية والإسلامية شعبياً ورسمياً تجاه قرار ترامب بشأن القدس أفشلت المواقف الإيرانية

تتناسى إيران، وعن قصد، سياساتها التي تمارسها في العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، وإعلانها أنّها تسيطر على أربع عواصم عربية، دون أنْ تشمل تلك السيطرة "القدس"، عاصمة فلسطين، وأنْ تكون هذه السيطرة في خدمة القضية الفلسطينية، وتقتصر على هدف تحقيق الحلم الإيراني، وصياغتها للصراع في المنطقة على أسس مذهبية، علاوة على ثبوت علاقاتها الوثيقة مع داعش، ومن قبلها القاعدة، وإدارة معاركها معها في إطار صفقات مع داعش، في العراق، وسوريا، ولبنان، تضمن لها ديمومة الحضور والتهديد، إضافة إلى جرائم مليشياتها، في لبنان وسوريا والعراق واليمن، أسهمتْ جميعها في خلق رأي عام، عربي وإسلامي، أصبح يتعامل مع كلّ ما يردُ من طهران في إطار الشكوك، فلا يمكن لعربي أنْ يستوعب دعوات زعيم حزب الله لتحويل الحرب مع إسرائيل إلى حرب على مواقع التواصل الاجتماعي، وبحوزته مئة ألف صاروخ، في الوقت الذي يعلن فيه، كلّ يوم، استعداده للذهاب إلى سوريا لمقاتلة "الإرهاب". ولا يمكن لعربي أنْ يستوعب هذا الصمت الإيراني على قصف إسرائيل المتكرر، للجنود والمليشيات والقواعد العسكرية الإيرانية في سوريا، الذي يرجَّح أنْ يزداد في ظل الانسحاب العسكري الروسي من سوريا، وربّما ستكون الضربات الإسرائيلية بتنسيقٍ أكثر من قاعدتي حميميم وطرطوس، وكيف لعربي أنْ يأخذَ اتصالَ قاسم سليماني "قائد فيلق القدس"، بحركتي الجهاد الإسلامي وحماس في غزة، وتأكيده على دعم المقاومة الفلسطينية، في الوقت الذي يتجوّل هو في البلدان العربية المنكوبة، متباهياً بالنصر على العرب. وهل المطلوب، في هذه المرحلة، حربٌ جديدة في غزة، تكون عنواناً للتعبئة والتحشيد لإيران، وإشغالاً عنها بملف جديد، بغية تأخير فتح ملفاتها، فيما يُطحن أهالي غزة المنهكون من حروب غير متكافئة مع إسرائيل؟!

لا يمكن لعربي استيعاب دعوات زعيم حزب الله لتنفيذ الحرب ضد إسرائيل على مواقع التواصل الاجتماعي وبحوزته مئة ألف صاروخ!

تدرك إيران، كما بقية الفاعلين في الإقليم، أنّ خطيئة ترامب فتحت الطريق لإعادة القضية الفلسطينية، وعملية السلام، على جدول الاهتمامات الدولية، وباتجاهات أصبحَ فيها مجمل الوضع العربي أفضل مما كان عليه قبل تلك الخطيئة، استناداً إلى المواقف الروسية والأوروبية والصينية، التي تؤكد حلّ الدولتين، والقدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين. ومن الواضح أنّه، إضافة إلى إعلان أمريكا خطة سلام جديدة، في بداية العام القادم، بالتوازي مع توافق دولي جديد، وأكثر جدية، على عقد مؤتمر دولي للسلام. ورغم صعوبة التكهّن بنتائج هذا المؤتمر، إلّا أنّه من المؤكد أنّ أية نجاحات يحققها تعني التفرغ للملف الإيراني، سواء على صعيد البرنامج النووي الإيراني، أو الصاروخي، أو احتلالات فيلق القدس والمليشيا الإيرانية في الدول العربية، وهو ما يفسّر التصعيد الإيراني الحالي، برفع وتائر الخطاب الإعلامي تجاه قرار ترامب.

قاسم سليماني يدعو إلى دعم المقاومة الفلسطينية بينما يتجوّل هو في البلدان العربية المنكوبة متباهياً بالنصر على العرب

تمتلك إيران فرصةً تاريخيةً، اليوم، لتعديل مواقفها وسياساتها في مناطق الصراع، رغم صعوبة تحقّق ذلك في ظل صراعات وحسابات داخلية إيرانية بين أجنحة الحكم والرأي العام، كشفت الزلازل الأخيرة في غرب إيران اتجاهاتها الحقيقية، ومواقف  الرأي العام من النووي الإيراني والصناعات الصاروخية. بإمكان إيران، مثلاً،  إرسال رسائل إيجابية، تعيدها دولة إقليمية غير عدوانية؛ فبعد إعلان روسيا سحب قواتها من سوريا، لم يعد وجود مليشياتها، ومعها حزب الله، في سوريا مبرراً، خاصة بعد انطلاق مفاوضات السلام بين السوريين، وبعد إعلانها القضاء على داعش في العراق، ومطالبات العراقيين بحلّ الحشد الشعبي العراقي، الذي تمّ تشكيله، بدعم وإشراف وتمويل إيراني، لمحاربة داعش، فلم يعد التمسك بهذا الحشد مبرراً، كذلك دعم ترشيح قائده "هادي العامري"، تمهيداً لتنصيبه رئيساً لوزراء العراق. وبدل التصعيد في اليمن، ودعم الحوثيين، والمشاركة في جرائمهم ضدّ الإنسانية، والاستهداف المتواصل بإطلاق الصواريخ على الرياض، كان بإمكانها الدعوة لمؤتمر مصالحة وسلام في اليمن، وفي الوقت الذي تتّخذ فيه السعودية مواقف وإجراءات ضدّ التطرف والتكفير، كان بإمكان إيران إعادة إنتاج الصراع الإقليمي على أسس غير مذهبية؛ إذ إنّ الاتهامات الموجَّهة للسعودية، ولدول سنية أخرى بدعم الإرهاب، لم تعد ذات معنى، في ظل: الإصلاحات السعودية، وجوهرها اجتثاث الفكر التكفيري، وإيديولوجيا التطرف والإرهاب، في الوقت الذي تواصل فيه إيران، ووكلاؤها، صياغة الصراع على أسس مذهبية، وعقد صفقات مع داعش، وربّما تحظى أسئلة استشرافية حول طبيعة واتجاهات ردّ الفعل العربي المتوقَّع، في حال تعرّض إيران وأدواتها، لضربات من قبل خصومها بالمشروعية، ما لم تُقْدم طهران على تغيير جذري في سياساتها.

اقرأ المزيد...

الوسوم: