لماذا غاب الإخوان المسلمون عن الحراك الشعبي في الأردن؟

صورة عمر الرداد
كاتب أردني وخبير بالتحليل الأمني الاستراتيجي
7794
عدد القراءات

2018-06-07

يطرح غياب جماعة الإخوان المسلمين عن الحراك الشعبي الذي يشهده الأردن منذ 30 أيار (مايو) الماضي، وأطلقته النقابات المهنية على خلفية قضية قانون جديد للضريبة على الدخل، تساؤلات حول أسباب هذا الغياب، وفيما إذا كان مرتبطاً بعوامل ذاتية تتعلق بفقدان الإخوان المسلمين القدرة على الحشد الجماهيري، أو أنّ قيادات الجماعة أدركت أنّ السياقات العامة للحراك لا توفر فرصة للإخوان باقتناص الحراك، واختطافه، وركوب موجته، أو أنّ عدم المشاركة يعود لأسباب ذاتية وموضوعية معاً.

الحراك بدأ نخبوياً بقيادة النقابات المهنية، التي تلقى فيها الإخوان، قبل أقل من شهر، هزيمة انتخابية قاصمة، بخسارتهم نقابة المهندسين لصالح التيار المدني، وتحول هذا الحراك سريعاً باتجاه حركة جماهيرية واسعة، وهو ما أنتج حراكاً شعبياً جديداً مختلفاً، يمكن وصفه بالحراك المدني المطلبي؛ حيث غابت عنه الأحزاب التقليدية؛ يسارية وقومية وإسلامية، وشعاراتها الكبرى، فيما كان الارتباك عنواناً لأوساط حكومية ونيابية، وحتى لمجلس النقابات المهنية، في التعاطي مع الأزمة، فلم يكن لدى الحكومة تقديرات بحجم الغضب الشعبي على قراراتها الاقتصادية، فيما حاول النواب اللحاق بالحراك الشعبي، بمجاراته وإصدار مواقف رافضة لمشروع قانون الضريبة، حال وصوله إلى مجلس النواب، وانكفأ مجلس النقباء لتحديد أهدافه من إطلاق دعواته للإضراب العام بتحقيق هدف سحب مشروع الضريبة، دون الالتفات و"التورط" بالمطالب الشعبية، في ظلّ سياقات تجاوزت الضريبة وثلاثية الحكومة والنواب والنقباء المهنيين.

برنامج الإخوان المسلمين، ما فوق قُطري ووطني مرتبط بتوجهات وتعليمات التنظيم الدولي للإخوان

هذه الحركة الجماهيرية، كانت خارج سياقات تكتيكات الإخوان المسلمين، ومقارباتهم وخطاباتهم، باعتبارهم الحركة الأكثر تنظيماً وقدرة على الحشد وقيادة الشارع، على غرار الحراكات التي شهدها "الربيع العربي" في نسخته الأردنية.

ورغم أنّ غياب الإخوان المسلمين تبدو قضية هامشية، في ظلّ تطورات المشهد بإقالة الحكومة وتكليف شخصية جديدة (د. عمر الرزاز) بتأليف الوزارة الجديدة، إلا أنّ ذلك لا يحول دون إلقاء الضوء على تفسير أسباب غياب الإخوان عن المشهد في حراكات أيار (مايو) 2018، وأبرزها:

أولاً: الضعف الذي شهدته جماعة الإخوان المسلمين ارتباطاً بأفول نجم الإسلام السياسي عربياً، بعد الإطاحة بحكم الإخوان في مصر، وانعكاس ذلك على تنظيمات الإخوان القُطرية في البلدان العربية، وما تبع ذلك من تصنيف الإخوان المسلمين في بعض الدول  على أنها جماعة "إرهابية"، إضافة إلى انعكاسات تداعيات الأزمة الخليجية، وانسحاب تأثير مقاطعة الدول الرباعية لقطر على الإسلام السياسي، ومنه جماعة الإخوان في الأردن.

اقرأ أيضاً: هل اختطف الإخوان حركية الجماهير العربية؟

ثانياً: إنّ برنامج الإخوان المسلمين، ما فوق قُطري ووطني، مرتبط بتوجهات وتعليمات التنظيم الدولي للإخوان، وقضية الضرائب في الأردن قضية هامشية لا تعني الإخوان إلا بقدر خدمتها لأجندات التنظيم الدولي، ويبدو أنّ عدم اتخاذ الأردن موقفاً متشدداً تجاه الجماعة، على غرار الإمارات والسعودية ومصر، دفع الإخوان لعدم المشاركة في الحراك الجماهيري بصورة رسمية، للحفاظ على علاقة مع الحكومة الأردنية التي تتعامل مع الإخوان في إطار "اللاحرب واللاسلم".

انشقاقات عميقة في صفوف الإخوان المسلمين في الأردن

ثالثاً: الانشقاقات العميقة في صفوف الإخوان المسلمين في الأردن؛ حيث توالدت لتاريخه أكثر من ست جماعات انشقت عن الجماعة الأم في المملكة، على خلفية تداعيات حوارات حول الإصلاح وأسئلة الفصل بين الدعوي والسياسي، والوطني والإسلامي.

رابعاً: تلك الانشقاقات، وغيرها من العوامل، أسهمت في تراجع شعبية الإخوان المسلمين، في انتخابات الهيئات التمثيلية؛ بدءاً من مجلس النواب، ومروراً بالاتحادات الطلابية، ووصولاً إلى النقابات المهنية، وأكبرها انتخابات نقابة المهندسين، التي تعدّ أبرز وأهم المعاقل النقابية التاريخية للإخوان المسلمين، وضعف أداء الكتلة النيابية لنواب الإخوان المسلمين وشبهات الفساد التي طرحت خلال قيادتهم للنقابات المهنية.

اقرأ أيضاً: احتجاجات الأردن: صحوة المجتمع المدني في مواجهة الفساد والإقصاء

خامساً: امتلاك القوى المدنية، التي تمثل قوى يسارية وقومية سابقة وقوى شبابية صاعدة غير مؤدلجة، زمام المبادرة في قيادة الشارع، هذه القوى المدنية أنتجت حراك أيار الجماهيري، وفق أسس جديدة، كان أبرز مظاهرها غياب مشاركة الإخوان وأساليبهم المعروفة في إدارة وتنظيم الحراكات، وهتافاتهم وتكبيراتهم.

حراك أيار الأردني شكّل فرصة  لكافة القوى وعلى رأسها الإخوان لإعادة النظر في برنامجها وسياساتها

لا شكّ في أنّ أدبيات الإخوان المسلمين تطرح بعض شعارات الحراك الجماهيري، من إسقاط الحكومات، والمطالبة بحكومة إنقاذ وطني وقانون انتخابات جديد يحقق مصالحهم فقط، إلا أنّ قيادة الحراك من قبل خصومهم في العمل العام، أحد أبرز الخطوط الحمراء في سياسات الإخوان، إضافة إلى سياسات الجماعة التاريخية التي تقوم على ممارسة انتهازية معروفة في هكذا حراكات، جوهرها إرسال الرسائل للحكومة باستعدادهم للتفاوض لتحصيل مكاسب ضيقة مرتبطة بالتنظيم.

اقرأ أيضاً: تحريض مكشوف ضد السعودية والإمارات على وقع الاحتجاجات الشعبية في الأردن

يبدو أنّ حراك أيار الأردني، بتداعياته ونتائجه، شكّل فرصة مناسبة لكافة القوى، وعلى رأسها الإخوان المسلمون، لإعادة النظر في برنامجها، وسياساتها ومواقفها، في ظلّ قناعات بأنّ هذا الشارع لم يعد معنياً، اليوم، بالأفكار الكبرى ولا المقاربات الأيديولوجية، وأنّ تياراً مدنياً يتشكل بأدوات ومقاربات وطروحات جديدة، وفي ظلّ تحولات عميقة في الإدارة العامة للدولة، فإنّ الشارع سيطرح تساؤلات أعمق حول التحولات الموازية في الأحزاب التقليدية، خاصة بعد أن حلت قوى جديدة في الشارع، أنهت ثنائية تصوير المشهد بصراع بين الحكومة والإخوان.

اقرأ المزيد...

الوسوم: