لماذا تثير إمامة المرأة في الصلاة الجدل؟

6584
عدد القراءات

2018-03-01

أثيرت مؤخراً قضية إمامة المرأة للصلاة، وذلك بعدما أمّت السيدة الهندية "جميدة" في شهر كانون الثاني (يناير) الماضي حوالي 50 رجلاً وامرأة، في صلاة جمعة مختلطة، أقيمت بمسجد في قرية شيركود (ولاية كيرالا الهندية)، وما تبع ذلك من تلقيها تهديدات بالقتل من قبل أصوليين.
ليست هذه المرة الأولى التي تثير إمامة المرأة جدلاً، فقبل قصة "جميدة" انتشرت صور في أيلول (سبتمبر) من العام 2015، لصلاة عيد الأضحى في مصر، تظهر اختلاطاً بين المصلين من الرجال والنساء، وهو ما أثار جدلاً واسعاً في حينه؛ حيث رأى فيه المعارضون "انتهاكاً صريحاً لثوابت الشرع والدين"، في حين اعتبره آخرون "مشهداً إيجابياً يدلّ على تطور وتجديد في الوعي والممارسة الدينية عند المسلمين".
شواهد تاريخية
تجادل عدد من الناشطات النسويات بأنّ إمامة المرأة ليست حدثاً مبتدعاً، وإنما هي ممارسة تعود إلى بداية التاريخ الإسلامي؛ حيث كان النبيّ قد أمر الصحابية "أم ورقة" بأنّ تؤم أهلها في قريتها البعيدة عن المدينة، كما كان حضور النساء في المسجد النبوي مشهداً مألوفاً آنذاك. وفي الخِطابة أيضاً، نجد أنّ زوجة النبيّ عائشة قد وقفت يوم "موقعة الجمل" لتخطب بين جمع كبير من الصحابة، دون أن يعترض عليها أحد؛ حيث تجد الناشطات النسويات في هذه الشواهد دليلاً على إقرار الرسول وصحابته بإمامة المرأة؛ بل وحتى إمامتها للذكور والإناث معاً، كما يرون فيها دليلاً على حضور المرأة وتصريحاً لها بدخول مساحة أساسية (المسجد) من المجال العام في المجتمع النبوي، وهو ما يرون أنّ الخليفة عمر كان أول من أدى إلى التحول عنه وبداية انحساره حين أمر المسلمات بالصلاة في منازلهن.

المؤيدون أكدوا أنّ مسألة إمامة المرأة "من الأمور التي سكت عنها الشرع" ولا نص يحرّمها

وتعود أول ممارسة لإمامة النساء في العصر الحديث، إلى العام 1820، حين بُني أول مسجد مخصص للنساء فقط، ما يزال مستمراً إلى اليوم، حيث تؤم وتخطب وتصلي فيه النساء، وهو مسجد "وانغجيا آلي"، الموجود بمدينة "كايفنغ" (مقاطعة هينان الصينية). وتعتبر ظاهرة المساجد المخصصة للنساء تقليداً عند المسلمين في الصين؛ حيث تنتشر اليوم العشرات منها، وهي ظاهرة يعيدها الباحثين إلى القرن الخامس عشر؛ إذ ظهرت في أعقاب غزوات مغولية طالت مناطقهم آنذاك، وأرغمت النساء على الصلاة وحدهن.

غو غينغ فانغ (يسار الصورة) الإمامة الحالية لمسجد "وانغجيا آلي" النسائي مع عدد من المصليات

أمينة ودود.. بداية الجدل
بالرغم من نشاط الحركات النسوية في القرن العشرين عبر العالم، إلا أن صعود وتشكل الخطاب النسوي الإسلامي لم يتبلور إلا في مرحلة متأخرة منه، مع عقد التسعينيات، ولعلّ هذا التأخر هو ما يفسّر غياب المحاولات والأمثلة على إمامة النساء عبر القرن، باستثناء ما يذكر عن عالمة وفقيهة تترية أمّت بالنساء العام 1922، قبل أن يعدمها ستالين مع عدد كبير من القادة والمفكرين التتار في وقت لاحق، العام 1944.

تعتبر ظاهرة المساجد المخصصة بالنساء تقليداً عند المسلمين في الصين منذ قرون

ولكن الأمر اليوم اختلف؛ ففي شهر آذار (مارس) من العام 2005، قامت "أمينة ودود" بإمامة صلاة مختلطة في مسجد بمدينة نيويورك. وقد اشتهرت ودود، وهي أستاذة أكاديمية في جامعة "كامنوث" (ولاية فرجينيا) بالولايات المتحدة، بكتاباتها النسوية، واهتمامها بحقوق المرأة في الإسلام؛ ودافعت عن فعلها معتبرةً أنّه "لا يوجد نصّ في القرآن ولا في السّنة يمنع المرأة من الإمامة"، وقد دعمت خطوتها العديد من الجمعيات المهتمة بحقوق المرأة.
أثارت خطوة "ودود" ضجة كبيرة ورد فعل واسع من قبل الشيوخ والدعاة؛ حيث وجّه الشيخ يوسف القرضاوي نداءً إليها ودعاها فيه إلى أن "تراجع نفسها وترجع إلى ربها ودينها وتطفئ هذه الفتنة التي لا ضرورة لإثارتها"، أما الرئيس السابق لحركة التوحيد والإصلاح الشيخ أحمد الريسوني، فقد صرّح بأنّ: "الاختلاط في الصلاة مجرد نكتة ومزحة لا أكثر ولا أقل"، ولكن هذه الدعاوى والاعتراضات لم تمنع "ودود" من الاستمرار في الدفاع عما تعتبره حقاً من حقوق المرأة، وشكلاً من أشكال المساواة بينها وبين الرجل في الإسلام.

ودود تؤم المصلين من الرجال والنساء

مبادرات نسائية تتحدى السائد
وبعد يومين من قيام أمينة ودود بالإمامة في نيويورك، تقدمت نعيمة غوهاني، وهي مغربية مقيمة في إيطاليا، بطلب للإمامة في مسجد محلي بضاحية توسكاف بروما، وهو ما عارضته الجالية الإسلامية المقيمة فيها. وبعد ثلاثة أعوام، وتحديداً في تشرين الأول (أكتوبر) 2008، كانت هواري فتاح، البلجيكية من أصل جزائري، أول سيدة تحوز منصب إمام وخطيب في بلجيكيا، وذلك إثر تعيينها من قبل مسجد "الصحابة" في مدينة "فرفيار" جنوب بلجيكيا، وفي العام 2010، قامت إسراء نعماني، الأمريكية من أصل هندي، بأداء الصلاة في المكان المخصص للرجال من مسجد مزدحم بمدينة لوس أنجلوس، رغم محاولات بُذلت لمنعها، وقد تلقت بعد فعلها تهديدات بالقتل، عبر البريد الإلكتروني، ومكالمات هاتفية باللغة الأردية.

ألقت مانع خطبة جمعة مختلطة بمسجد في سويسرا كما فصلت بين الخطبتين بمقطوعات موسيقية على العود

في أيلول (سبتمبر) من العام 2012، تمكّنت جميلة الزيني من إمامة الصلاة في مسجد بمدينة لوس أنجلوس، وبعد عامين، قامت عفراء الجلبي، سورية مقيمة في كندا، بإلقاء خطبة عيد الأضحى.
وكانت أشهر هذه المبادرات مؤخراً ما قامت به إلهام مانع، الأكاديمية اليمنية المقيمة في مدينة زيورخ السويسرية، وذلك في العام 2016، حيث ألقت خطبة جمعة مختلطة في مسجد بمدينة بيرن السويسرية، كما فصلت بين الخطبتين بمقطوعات موسيقية عُزفت على العود، وأمّت الصلاة من بعدها الإمامة حليمة جوساي.

الأكاديمية إلهام مانع تقوم بإلقاء خطبة الجمعة في مدينة بيرن

حليمة جوساي حسين تؤم صلاة الجمعة في مدينة بيرن

ظهور مساجد نسائية
وشهدت المبادرات النسائية تطوراً نوعياً مع قيام مجموعة من الناشطات بتأسيس أول مسجد للنساء في الولايات المتحدة، ضمن مجمع الأديان بمدينة لوس أنجلوس، وذلك في شباط (فبراير) من العام 2015.
وفي العام 2016، برز اسم شيرين خانكان، الأستاذة الدنماركية (من أصل سوري) المختصة بالدراسات الإسلامية؛ حيث قامت مع مجموعة من الناشطات بتأسيس مسجد "مريم" في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن، وعينت خانكان إمامةً للمسجد، لتكون بذلك أول امرأة تؤم الصلاة في مسجد بالدول الاسكندنافية، كما قامت خانكان بتأسيسس منظمة "Fimimam" المختصة بالدفاع عن حق المرأة في إمامة الصلاة، وفي تصريح لها لصحيفة "الغارديان" قالت خانكان إنّ "أحد أهداف المسجد هو تحدي البنية الذكورية داخل المؤسسات الدينية، وتحدي التفسيرات الذكورية للقرآن"، واعتبرت خانكان أنّ مجموعتها تمثل "النهج الروحي للإسلام الصحيح". وألقت الخطبة الافتتاحية بالمسجد، في تموز (يوليو) 2016، وكان موضوعها "المرأة والإسلام في العصر الحديث".

شيرين خانكان.. أول إمامة في الدول الاسكندنافية

وفي شهر حزيران (يونيو) الماضي، أعلنت، المحامية والكاتبة الألمانية (من أصل تركي) سيران آطيش عن تأسيس "المسجد الليبرالي" في برلين، الذي افتتحته آطيش داخل قاعة في كنيسة "يوهانس كيرشه"،  البروتستانتية، وبحسب آطيش فإن "المسجد يفتح أبوابه للطوائف الإسلامية المختلفة على حد سواء، ولن تضطر النساء لارتداء حجاب خلال أداء الصلوات المختلطة داخله، وفي تصريح لها لوكالة "أسوشييتد برس" أكدت آطيش أنّه: "سيكون للنساء الحق في إلقاء الخطب وفي النداء للأذان، تماماً مثل الرجال".

من المحرمين لإمامة المرأة من ذهب إلى تعليل ذلك بكون صوتها عورة

وتخطط آطيش لنشر كتاب بعنوان "سلام، امرأة، إمام.. كيف أسّستُ مسجداً ليبرالياً في برلين؟"، وقالت أطيش في تصريح لاحق إنّها تلقت نحو مائة تهديد بالقتل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، عقب انتشار خبر تأسيس المسجد.
وفي وقت لاحق من العام 2017، اختارت "ربيعة كيبلي" مسجداً صغيراً في مدينة بيركلي بسان فرانسيسكو ليكون أول مسجد مختلط في الولايات المتحدة، وأطلقت عليه اسم "قلب مريم"، حيث تؤدي فيه النساء الصلوات مع الرجال جنباً إلى جنب، ويسمح للنساء فيه بإمامة الرجال والنساء.

آطيش تعلم الصلاة للمصلين في "المسجد الليبرالي" ببرلين

ردود فعل متعارضة
استتبعت ظاهرة إمامة النساء في السنوات الأخيرة، منذ ظهورها مع ودود العام 2005، ردة فعل واسعة، تراوحت ما بين الاتجاه نحو النفور والتأكيد على التحريم والرفض القاطع، وما بين آراء استبشرت بالظاهرة، واعتبرتها تنويرية وتقدمية، ورأت فيها بوادر لتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة عند المسلمين.
وقد تمحور رفض المعارضين حول اعتبارهم هذه الممارسات ابتداعات تخالف النصوص الثابتة، مع التأكيد أنّه لم يثبت طيلة التاريخ الإسلامي أن خرجت امرأة على رأي الأمة التي أجمعت على إسناد الإمامة في الصلاة إلى الرجال، ومنهم من ذهب إلى اعتبار هذه المحاولات جزءاً من مشروع تخريبي ومؤامرة غربية ضد الثوابت الإسلامية، ومن المحرمين من ذهب إلى تعليل التحريم بكون صوت المرأة عورة، وآخرون استدلوا بأحديث مثل: "إن خير صفوف الرجال أولها، وشرّها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرّها أوّلها".. و"لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة".
أما المؤيدون فقد أكدوا أنّ مسألة إمامة المرأة "من الأمور التي سكت عنها الشرع"، وأنّه لا يوجد نص شرعي يحرمها، معتبرين أنّ المحرمين "مغالون" ويتّبعون الماضي، ورأوا في موقفهم "رغبةً ذكورية" في إبقاء النساء بعيدات عن الحيز العام، وحصرهن في الحيز الخاص (المنزل)، مؤكدين أنّ المعيار وأساس التفاضل بين المسلمين هو العقل والعلم وليس الجنس. ما يفتح الباب مشرعاً للتساؤل حول استبعاد المرأة عن تقلد المناصب الدينية ليس بالإسلام فحسب؛ بل بالديانات الأخرى.

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: