لماذا أخفق التحليل النفسي في العالم العربي؟.. هذا الكتاب يجيب

لماذا أخفق التحليل النفسي في العالم العربي؟.. هذا الكتاب يجيب

مشاهدة

25/10/2020

منذ بداية عصر النهضة العربية في مطلع القرن التاسع عشر، وسؤال الحداثة يعصف بالأذهان؛ لتتعدد المدارس والتيارات للإجابة عن السؤال الذي اختصره بمهارة أمير البيان اللبناني شكيب أرسلان "لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟"، والبحث عن طوق نجاة ينقذ العرب والمسلمين من ويلات التخلف والهزيمة والاستعمار الغربي، ويمكّنهم من العودة مجدداً للدخول في التاريخ الذي خرجوا منه لقرون.

تعثر انتشار مدارس التحليل النفسي ارتبط بغياب الديمقراطية وقيم المساواة في الحياة السياسية العربية

تنوعت المناهج التي سعت لمقاربة إشكاليات المجتمع العربي، منها السياسي والاجتماعي والفلسفي الذي تعدد بتعدد المناهج الفلسفية الحديثة والمعاصرة، ولكن ظلت هناك مدرسة لم يشأ لها القدر أن تلعب دوراً على ساحة الفكر العربي، وهي مدرسة التحليل النفسي اللاكاني التي أسسها المحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان، وتتلمذ على يديه المحلل المصري مصطفى صفوان المقيم في فرنسا، والذي يضطلع وحده بدور كبير في مناقشة إشكاليات الفكر والاجتماع العربي من منظور تلك المدرسة.

الاستبداد يعدي البحث العلمي والتحليل النفسي

يرى صفوان في كتابه "إشكاليات المجتمع العربي، قراءة من منظور التحليل النفسي" الذي ضم إجاباته عن أسئلة المحلل النفسي اللبناني عدنان حبّ الله وقدم له الشاعر السوري أدونيس، أن تعثر انتشار مدارس التحليل النفسي ارتبط بغياب الديمقراطية وقيم المساواة في الحياة السياسية العربية؛ فالتحليل النفسي الذي انتشر إبان العصر الملكي برغم استبداد الملك، سرعان ما تلاشى دوره بعد ثورة الضباط الأحرار في مصر.

غلاف الكتاب

وبرغم عودة عشرات المحللين النفسيين من الغرب لاستئناف دورهم العلمي فإنهم فوجئوا، وفق الكاتب، بحصار الجامعة بالدبابات وبـ"مذبحة أساتذة الجامعة" التي أطاحت بما يقرب من 60 أستاذاً جامعياً مرموقاً لأنهم اعترضوا على سياسات دولة يوليو الوليدة بحق الجامعة المصرية؛ ليعود من أتيحت له الفرصة للعودة للغرب ومنهم صفوان نفسه.

بنية أغلب النظم العربية التي أسستها الانقلابات ذات الاتجاه القومي مركبة على تغييب متعمد لآليات نشر الديمقراطية

يصرح صفوان أنّ بنية أغلب النظم العربية التي أسستها الانقلابات ذات الاتجاه القومي مركبة على تغييب متعمد لآليات نشر الديمقراطية وتعاقب للسلطة يستند على التوريث السياسي ونشر الرعب في قلوب الرعية حتى أصبح الخوف من النقد والمعارضة ظاهرة متفشية، على عكس مدرسة التحليل النفسي التي تسعى للكشف عن المكبوت الذي يحوي في طياته الحقيقة غير المقبولة دون أن يقصدها المريض في هفوات اللسان والأفعال المغلوطة في الأحلام والأعراض.

اقرأ أيضاً: العرب المحاصرون بالأيديولوجيا .. دينية إيران وقومية تركيا

ويرى صفوان أنّ "النظم العسكرية أكثر النظم كراهية للتحليل النفسي"، فهم يجهلون المقصد منها حيث تساوي تلك النظم بين الناس جميعاً، ويجعلهم كلهم عبيداً مهما كان مركزهم، وكل واحد من هؤلاء العبيد يطالب بأن يصبح ديكتاتوراً (عظمة الدكتاتور) على أسرته النووية الصغيرة، ويسعى المثقف منهم إلى تملق السلطة، وطبيعة المحلل لا تنسجم مع هذا الجو "فالديكتاتورية ليست بحاجة إلى التحليل النفسي ولا التحليل النفسي يمكن أن يترعرع في مناخ الديكتاتورية".

اقرأ أيضاً: هل يُنعش كورونا النزعة القومية في مجال الأمن الغذائي؟

لذلك تُفضل تلك النظم العلوم النفسية السلوكية التي تبحث في علاج الأعراض النفسية، وترفض مفهوم "اللاوعي" برغم أنّ التحليل النفسي له قيمة أخلاقية غير موجودة في باقي المدارس لسعيه الدائم للكشف عن الحقيقة برغم خفوت صوتها كما يقول فرويد.

السياسة تختطف الدين لتبسط سطوتها

يؤكد المحلل النفسي اللاكاني أنّ أزمة السياسة هي الإشكالية الأساسية التي إذا حُلت سرعان ما ستُحل باقي الإشكاليات العربية، فأزمة السياسة واستبداد الدولة القومية أدت إلى أزمات أخطر للدين؛ فقد تحول الدين لوسيلة لشرعنة سياسات الدولة القومية وفشلها وإخفاقاتها وأداة لتغييب النقد فعندما تُهزم الدولة فإنها تبرر هزيمتها بإنه إرادة الله ولا راد لقضائه.

استغلال الدين في السياسة أقدم من عمر الأنظمة القومية

إنها تتستر خلف الدين لتضمن لنفسها الاستمرار بغض النظر عن الهزائم والإخفاقات والدماء التي سالت والشهداء الذين سقطوا، والدولة تُقحم الدين في علاقات القوة فيصبح السجال السياسي والهجوم على الخصوم وتكفير البعض منهم أدوات في يد السلطة لتشويه المعارضين والخصوم، مستعينة برجال دين يعملون في مؤسساتها.

 

  الأيديولوجيا تشترك مع التشدد الديني بنفاد صبرها وخوفها من العلم وغضبها من الحقيقة التي يستهدفها التحليل النفسي

ولا يقتصر الأمر على النظم القومية؛ فاستغلال الدين في السياسة أقدم من عمر النظم القومية فقد مارسه الملك فؤاد الذي أتى به الاحتلال البريطاني ليحكم مصر، كما أنّ تلك الدولة تتحالف مع القوى اليمينية الرجعية وتفسح أمامها المجال العام لتنشر الجهل والسطحية، وما حدث في أعقاب هزيمة حزيران (يونيو) من العام 1967 خير دليل على ذلك، حتى انقلب السحر على الساحر وانتشرت السلفية ونما دورها حتى هددت وجود الدولة نفسه.

اقرأ أيضاً: لماذا انحسرت التيارات اليساريّة والقوميّة في العالم العربي؟

ويرى صفوان أنّ التيارات السلفية نجحت وصعد نجمها؛ بسبب فشل الدولة في أداء دورها الخدمي والتنموي، مؤكداً أنّ القرن الواحد والعشرين هو قرن الدين بامتياز للأسباب المذكورة آنفاً، على عكس تنبؤ فرويد الذي رأي أنّ الدين سيخفت تدريجياً حتى يتلاشى مع الزمن.

المخلّص يخاطب لاوعي الجماهير

اتفق صفوان وحبّ الله أنّ ظاهرة الزعيم جمال عبد الناصر مثال للقائد الذي انتظرته الجماهير العربية لقرون، وأنه تمتع بصورة مثالية لمطلب الجماهير وتأكد لدى الشعب أنّ عبد الناصر يستحيل أن يُهزم؛ فصورة القائد ليست ملكه لكي يتخلى عنها فهي ملك الجماهير العربية فالتركيبة النرجسية المتخيلة لمفهوم القائد سبقت مجيئه بعقود.

بعد رحيل عبد الناصر ترسخت صورة الزعيم المخلّص في النظم القومية التي استولت على الحكم في العراق وسوريا وليبيا

وبعد رحيل الرئيس جمال عبد الناصر ترسخت صورة الزعيم المخلّص بعد ذلك في النظم القومية التي استولت على الحكم في العراق وسوريا وليبيا؛ فالمواطن يفتخر ويتباهى بوجود ذلك الزعيم الذي يحمل عن كاهله مسؤوليات الهزائم والانكسارات.

جمود الأيدلوجيا والدين يهزمان التحليل النفسي

وبسبب استمرار التفكير العقائدي الذي يتسم بالأصولية الفكرية والتفرقة والعنصرية والتمايز العرقي والعنصري، بمعنى التعصب للحقيقة الذاتية، يظل التحليل النفسي حياً برغم التحديات التي واجهها أمام صعود أيدلوجيات سياسية مثل الماركسية فإنه صمد أمامها.

اقرأ أيضاً: جذور الصراع على القوميّة والإسلام في مصر

ويؤكد صفوان أنّ التفكير العقائدي الصارم الذي يقف في وجه التحليل النفسي قد يكون دينياً أو علمانياً؛ فقد تم حظر التحليل النفسي في الاتحاد السوفييتي الأسبق، فالأيديولوجيا تلعب دوراً شبيهاً بدور العقائد الدينية المتشددة من حيث نفاد صبرها وخوفها من العلم وغضبها  من الحقيقة التي يسعى لها التحليل النفسي.

الصفحة الرئيسية