لعنة بيكاسو تطال الموروث الأمازيغي في الجزائر

لعنة بيكاسو تطال الموروث الأمازيغي في الجزائر

مشاهدة

31/03/2021

عاد الأديب الجزائري، امحمد بن ديدة، ليطرح أسئلة مثيرة للاهتمام بشأن الموروث الأمازيغي في بلاده، جرّاء ما انتاب قصة الفنان العالمي الإسباني، بابلو رويز بيكاسو (25 تشرين الأول (أكتوبر) 1881 _ 8 نيسان (أبريل) 1973)، مع منطقة مدريسة التابعة لمحافظة تيهرت الجزائرية (340 كيلومتراً غرب العاصمة) مع نهاية العام 2020 ومطلع العام الحالي.

في تصريحات خاصة بـ "حفريات"، استهجن بن ديدة ما سمّاها "صناعة أسماء لا وجود لها بالتاريخ، وصوراً مفبركة، وأحداثاً ملفقة تبتكر اعتباطاً بيكاسو/ مدريسة، تأتي كلّ هذه الخوارزمية الوهمية على طرح التساؤل الجوهري: "من يقف وراء هذا التلفيق الموجـَّه؟!".

نحات جزائري في لقاء تلفزيوني 2007: بيكاسو جزائري أمازيغي الأصول واسمه الحقيقي؛ بلقاس"، وسلفادور دالي هو "دّا علي"

ولاحظ بن ديدة: "كثيراً ما تصاب الذاكرة الجمعية بتلوثات فتاكة ضمنية؛ مثلما يصاب عقل إنسان ما بهلوسات تبلبل رشده، كذلك يحدث للمدن والمجتمعات، أن تعشّش فيها هلوسات غير منطقية لدهر هشّ معفن بالخرافات النخرة، التي تعمل عملها في حفر مضامين القيمة للمدينة والإنسان حفراً مُسيّساً ومُسوّساً قد يهدم الأسس وينشر الرّميم، ما لم تُستدرَك الحقيقة باحتضان المواجهة، كحال ما حلَّ بقصة بيكاسو، مؤخراً، مع منطقة مدريسة، حين تلوّنت الأسباب المحيطة بتاريخ هذه الأكذوبة الكبرى لعقد من الزمن؛ ظلَّ مسكوتاً عنها طواله، لتنبثق فيما بعد بألوان الزّيف الذي يكاد اليوم يتحوّل إلى حقيقة شربتها العقول بعادة استهلاك مجتـرّة من غير تمحيص لما يجب أن يناسب معدة التاريخ من أطعمة منتقاة!".

الأديب الجزائري، امحمد بن ديدة

وبعد نشر "حفريات" تقريراً حول الموضوع، خرج الناصر مسعودي (مدّعي العثور على لوحات بيكاسو في بلدة مدريسة)، ليتكلّم عمّا أسماها "الحقائق الخطيرة حول لوحات بيكاسو التي سُرقت بالجزائر تكشف لأول مرّة"، وعن ذلك يؤكد بن ديدة: "ساق المعني الكثير من أحابيل اللـفّ والدّوران حول صناعات عديدة لصياغات متناقضة؛ منها صورة تثبت مجيء بيكاسو إلى بلدة مدريسة، هذه الصورة تشبه الصور الشبحية المفبركة زمن "توماس إيديسون" حين كانوا يوهمون الناس في البداية أنّ تلك الآلات تلتقط صور أشباح الموتى، وظهر هنالك علم السبيريتيزم، يوم كانت تجرّب أول الأطياف لمحاولة التقاط صورة، ولو أنّ الناصر مسعودي في خرجة مضحكة له قال للناس إنّ شبح بيكاسو قد ظهر في النادي الرّيفي هذه الأيام، فقد عادت روحه إلى المكان، والتقط له صورة، وهذا ما أتوقعه في الخرجة السريالية القادمة له، لكان ذلك أقرب إلى المنطق في مجتمع يؤمن بظهور الأشباح والجنّ، ولحَقّق فيها باحثون بحقل البارانورمالوجيا، ولأحرزت من الشهرة أمواجاً كاسحة، خيراً له من أن يفبرك صورة بتلك السخافة والأخطاء الفظيعة في تصميم التصوير الجانبي لشبه بيكاسو الهزيل..".

مخادعة العقل الجمعي

يقول الناصر مسعودي؛ إنّ" تلك الصورة تؤرّخ لمجيئ بيكاسو إلى النادي الرّيفي بمدريسة؛ إذ رسم لوحة عليها الرّمز الأمازيغي الشهير المعروف بحرف " Z " الذي يستخدمه الأمازيغ في الكثير من الدلالات التقليدية والحضارية لديهم، وهو يريد بذلك مخادعة عقل جمعي لشعب بأكمله، كما لو كان يظن أنّه يتحدث إلى طفل صغير يريد أن ينوّمه على رنين أقصوصة من خرافات لافونتين، حكاية الذئب الذي قام يطلي أرجله ليمثل دور العنزة كي يخادع صغارها على أنه الأم الحلوب".

ويوقن بن ديدة: "بلدة مدريسة الصغيرة لا يكاد يوجد بها شيء يدعو إلى الفضول، لا زارها بيكاسو، ولا رسم بناديها الرّيفي، وأغلب ما فيها خراب يتراكم فوق خراب؛ وليس ما في الأمر كله سوى خدعة أقرب إلى نشر دعاية رمادية على عادة استخباراتية بغية تمرير هدف ما في خلفية الكواليس حال الظروف الأمنية التي يعيشها العالم اليوم، والجزائر بالخصوص، مثل ما ظهرت في سنوات مضت حكاية حليب العتروس (ذكر العنزة)، وأنّه يشفي كل الأمراض، وظهور أشخاص خارقين في قدرات عقلية غير مألوفة، ومخترعي أدوية معجزة في الطب، والبيوت التي تحترق من تلقاء ذاتها؛ وكذلك الكثير من الدّعايات؛ كالمنامات التي يدّعي البعض أنّهم رأوا فيها الرّسول صلعم، وأخبرهم بمستقبليات خطيرة، ثم يُطلب من الناس نسخ تلك الرؤيا والاستمرار بتوزيعها".

..

وبمنظور بن ديدة؛ فإنّ من يدرس علم المخابرات وفنّ الجاسوسية، سيفهم جيّداً من كان وراء تسيير هذه الأحابيل، مثل نشر الدعايات السوداء والغائصة والزاحفة، ...وغيرها من أنواع هذا الأسلوب الناشر للإشاعات التي هي من متاهات الظروف الاستثنائية في الخطّ الأمني.

ويرى محدّثنا؛ أنّ "هذا ما يدلّ بوضوح على السبب الجوهري لظهور قضية بيكاسو/مدريسة في الظرف الجزائري الرّاهن بالضبط، على الرّغم من أنّها كانت معروفة (قصة بيكاسو/مدريسة) منذ يوم إخراجي لكتاب "مذكرات الحجر الأصّم"، فقط لم يرّوج لها الإعلام بشكل ساخن.. ذلك الكتاب الذي أخذه مني بعض رجال الأمن من رتب عالية، هذا الخط الخفي الذي يستخدم في الكواليس حال الظروف الحسّاسة في الأوطان؛ ما يُعرف استخباراتياً بـ "تعليب الوعي" الذي يستخدم فيه التهويل الإعلامي، ثم يرمي القضية لتحتضنها الزوايا المتعدّدة، بقصد أو بغير قصد، لأجل نشرها على طريقة التوليد المعلوماتي؛ وقصة بيكاسو/ مدريسة، وجدت باختصار لتطعيم هذا الغرض السّري!".

مناورة وترهلات

هنالك عِتراتٌ كثيرة لعفن التمزيق وترهلات الهويّة؛ أن يعبث عابث بقصة رمز له تأسيسه، ثم يربطه اعتباطاً وتعسفاً بشخصية عالمية تدعى بيكاسو، ويوهم الناس بأنّه هو من رسم الرّمز الأمازيغي في بلدة مدريسة بالنادي الرّيفي؟!

والمعروف أنّ الرّمز الأمازيغي الشهير المعبر عن الرّجل الحرّ، لم يُعرف إلا في بداية سبعينيات القرن الماضي كرمز سياسي معتمد لدى البربر، لما تمّ اتخاذه في الرّاية التي يستخدمها الأمازيغ، أمّا في الأربعينات، يضيف بن ديدة: "يدّعي الناصر مسعودي أنّ بيكاسو رسمه في النادي الرّيفي بمدريسة خلال تلك الفترة، وهذا من المجازفات الوهمية الضاربة للتاريخ؛ لأنه لم يكن معروفاً إطلاقاً على أنّه رمز للقضية الأمازيغية، ولا أنثروبولوجياً؛ وهنا تجاوز فظيع لم يرقب الناصر ثغراته، لعدم اطلاعه بالموضوع، وهو ما يدلّ على زيف الصّورة من الأساس!".

...

وردّاً على ما ورد على لسان" الناصر مسعودي"، حين ذكر أنّ هنالك لوحة بعنوان "Madame Z"، رسمها بيكاسو، وأنّ الصورة التي التقطت له، على زعم الناصر دوماً، داخل النادي الرّيفي بمدريسة، بين عامَي 1943 و1944، وهو يرسم هذا الرّمز الأمازيغي في ذلك المكان، إنما تبرّر ما يتحدث به عن بيكاسو، يؤكد بن ديدة: "هذا بعيد عن الحقيقة؛ لأنّ هذا الرّمز هو نفسه حرف  Z، في الكتابة التيفيناغية، لكنّ الناصر نسي أنه تحدّث عن تواجد بيكاسو بمدريسة سنة 1944، أما لوحة "Madame Z" فهي لوحة شهيرة جداً للفنان بابلو بيكاسو".

الأديب امحمد بن ديدة لـ"حفريات": لا يمكنني الخوض في مسائل سرّية ومعقدة من حياة بيكاسو ورمزية الانتماء لما فيها من اشتباهات كثيرة

ولقد أخذ لنفسه صورة محترمة إلى جنبها لما كان يحبها كثيراً بين كل أعماله، ولأنّه كان بعمر 72 سنة يوم تعرّف إلى الفتاة الفرنسية الرّسامة وعارضة الأزياء، جاكلين روك، العام 1953، وكان يذهب إلى بيتها متخفياً، يخطّط بالطباشير أزهاراً وحماماً طائراً على جدار الحديقة خلسةً كي يثير فضولها لتعرف أنّ هنالك من يهتم لعشقها، قبل أن توافق هي على حبّه لها، وكانت في مقابل عمره الشائخ فتاة غضّة الروح والجسد بعمر 27 سنة، لم تقبل به جاكلين مراهقاً شيخاً يغازلها إلا بعد ستة أشهر من تلك المحاولات التي لم يسأم فيها بيكاسو من استمالتها إلى عشقه، ثم تزوّجها عام 1961، وجعل لها هذه اللوحة  "Madame Z" تكريماً لها، بعنوان آخر "جاكلين بالأزهار"، وقام برسمها في أول عام للتعارف بينهما، 1954، وأسماها بذلك الحرف Z  لأسباب يعرفها علم الرّموز/ السيميولوجيا  والسيميائيات التشكيلية ـ

حقيقة الرمز

يوضّح بن ديدة بالتحليل؛ أنّه رمز مرتبط بدموع الآلهة في الأساطير التي تعلق بها بيكاسو في بداياته حين كان يرسم بقلم الرّصاص، وحرف Z يرمز لذلك كأنّ جاكلين هي الخلاصة لرحلة دمعه الأسطورية، وهو كذلك الحرف السادس في الكتابة الإغريقية، وله دلالات روحية وحضارية في ترتيبه السادس تعني بيكاسو أيضاً،

ويضيف بن ديدة: "لا يمكنني الخوض في مسائل سرّية ومعقدة من حياة بيكاسو ورمزية الانتماء لما فيها من اشتباهات كثيرة وشيفرات خفية، كذلك هو الحرف الأخير في الأبجدية الفرنسية والإنجليزية، يرمز إلى أنّ "جاكلين روك" ستكون آخر نساء بيكاسو، بعد عشيقته التي شغلت حبّه بين عامَي 1943 و1952، الكاتبة الفرنسية  المشهورة، فرانسواز جيلوت، وهذا لما بلغ بيكاسو من العمر 72 عاماً، فبدى له أنّه في أواخر عمره وسترافقه فقط جاكلين حينذاك، ولا علاقة لهذا من خلال لوحة بيكاسو "Madame Z" برمز الأمازيغ، هنا يحاول الناصر مسعودي إلصاق روابط اعتباطية لا يمكن تقبلها منطقياً، ولأنّه يحاول أيضاً إثارة الموضوع باستعطاف أمازيغي ليربح أكثر شعبية بالترويج لهلوساته الجامحة، لكنّني أكاد أجزم أنّه ليس وحده من يفكر ويفبرك في تعقيد رواق هذا الخط، ولعلّ من ورائه يد تدفعه لابتكار الكثير من هذه المجازفات الوهمية والأحابيل الجهنميّة!".

...

ويجزم بن ديدة بأنّ الصورة التي بحوزة الناصر مسعودي " تؤكد زيف الموضوع بشكل كبير"؛ لأنّه لا توجد في حياة بيكاسو أيّة صورة التقطت له، إلا وكانت على درجة عالية من الجودة في كلّ أرشيفه، لأنّه كان ثرياً ويمتلك آلات تصوير فائقة الجودة، ولمن أراد التأكد من ذلك فليعود إلى أرشيف الصور المتعلقة بحياة بيكاسو على الإنترنت، سيجدها بجودة ممتازة كما لو أنّها أخذت له بآلات اليوم.

والمعروف أنّ بيكاسو كان يوثّق لأغلب محطات حياته الفنية والعائلية واليومية، ومن غير المعقول أن يقوم بزيارة سياحية إلى مدريسة، غرب الجزائر، لدى أصدقائه من المعمّرين الإسبان، على حدّ زعم الناصر، ولا يأخذ معه آلة تصوير ذات جودة عالية، وكيف لصديقه، الذي ابتكره الناصر باسم "François Gomez "، أن لا يأخذ معه صوراً في النادي الريفي من الدّاخل، وأثناء عمله؟ فتلك تعدّ فرصة تاريخية لا يجب أن تضيع، وحلم كلّ واحد أن يأخذ صورة تذكارية مع بيكاسو، إن التقى به، خاصة أنّ بيكاسو كان بالغ الشهرة في تلك الفترة التي يتحدث عنها الناصر مسعودي؟

استثمار المجهول

ذكر الناصر مسعودي؛ أنّ هنالك صورة لبيكاسو مع فرانسوا جوميز (François Gomez)، وعن ذلك يوضّح بن ديدة: "أنا أعرف حقيقة الناصر؛ لقد طالع كتاباً للمعمّر الفرنسي، سيرج كاريل (Serge      

CARLLES)، والمنشور بتاريخ 1999، والمعنون "مدريسة: نشأة وحياة وتشتت آخر قرية للكولونيالية" (1928 – 1962). 

MEDRISSA/ Naissance, Vie et Dispersion du dernier Village de Colonisation créé par la France en Algérie 1928 – 1962 MONOGRAPHE

حدّثني الناصر مسعودي بذلك ذات لقاءات جمعتني به في الماضي، وكان يستثمر كثيراً في الصور المنشورة بهذا الكتاب الفرنسي عن مدريسة، كتاب ثري بالمعلومات الحقيقية والصّور الموثقة عن بلدية مدريسة من التأسيس وحتى الاستقلال الجزائري، ذاك الذي يعرفه جيّداً مثقفو بلدة مدريسة، وطالعه كثيرون منهم".

...

ويستطرد صاحب رواية "مذكرات اللغز المسموم": "توجد، في الصفحة 239 من ذلك الكتاب، صورة للنادي الرّيفي الفرنسي بمدريسة الكولونيالية، يقف أمام مدخله رجلان، لا يعرفهما أحد، ولا أخبر مؤلف الكتاب من يكونان؛ فاستثمر الناصر في هذا المجهول، وادّعى أنّ أحدهما بيكاسو، والثاني صديقه "François Gomez"، كما أنّه، ولو بالمجهر، لا نستطيع رؤية ملامح الواقفين هناك، لبعدهما في الصورة، واسودادها الشديد. هنا كارثة كبيرة في هذا التلفيق؛ هي أنّ الناصر يقول إنّ بيكاسو تواجد بمدريسة بين 1943 و1944، بينما في الحقيقة التاريخية فإن النادي الرّيفي لم يكن قد تم بناؤه أصلاً في هذه السنة، بدليل ما كتبه سيرج كاريل، في الصفحة 204، وهي المعلومة الحقيقية لبناء النادي الرّيفي بمدريسة، وهنا يبدو أنّ قراءة الناصر للكتاب كانت عابرة وغير مدققة ففاتته هذه الثغرة".

وهذا نصّ ما كُتب في تلك الصفحة: 

L’Eglise fut financée par la population du village, elle fut inaugurée en mai 1952. Un chapitre de ce livre lui est consacré. Le foyer rural fut construit plus tard, trop tard peut- être car il fut surtout utilisé comme cantonnement par les Groupes Mobiles de Sécurité et très peu comme salle des fêtes. 

اختلاقات النادي الريفي

أدرج سيرج كاريل، في الصفحة 239، من كتابه، صورة لبطاقة العضوية التي خصصت للمعمّر الفرنسي الشهير إيميه ديشور (Aimé Deshors)، في مدريسة، والذي كان مراسلاً صحفياً لجريدة "L’Echo d’Oran" فترة الخمسينيات؛ وهو الذي كان المشرف الرّسمي على مشروع النادي الرّيفي، فكيف لا توجد له صور مع بيكاسو، وكيف لم يكتب عن مجيئه التاريخي في تلك الصحيفة التي كان يعمل بها مراسلاً صحفياً؟ وهو الذي كان يجلب الأفلام لعرضها سينمائياً بالنادي الرّيفي في الخمسينات دوماً؛ ولقد ذكر بعض عناوينها في الكتاب؛ وبطاقة عضوية "إيميه ديشور" تلك، تحمل التاريخ 1949، الفترة التي كان يجمع فيها التبرعات للنادي الرّيفي بين العرب والفرنسيين من أجل استثمارها في البناء، كي يكون مخصصاً للمسرح وعروض الأفلام السينمائية في ذلك الزمن، وكلّ هذا وثقه سيرج كاريل في كتابه؛ أي أنّه، في هذا التاريخ فقط (1949)، تمّ الاتفاق على بناء النادي الرّيفي بشكله التام المعروف ببلدة مدريسة، وانتهى البناء في أوائل الخمسينيات؛ فأين هو بيكاسو من التواريخ التي نادى بها الناصر مسعودي ووسائل الإعلام وعلاقة ذلك بالنادي الريفي؟!

...

أما عن وجود شخصية (François Gomez)؛ فهذا من" اختلاقات الناصر"، مستنداً في ذلك دوماً إلى كتاب سيرج كاريل، وأخذ شبه بيكاسو، من أصول إسبانية يسمى، أودون جوميز (Odon Gomez)، والذي يرى ملامح هذا الشخص يجدها شبيهة بملامح بيكاسو تماماً، كما لو أنّ الناصر أراد أن يضع بينهما نسبة قرابة ما، توجد صورته في ملحق الصور من ذلك الكتاب، واختلق اسم فرانسوا الذي لا وجود له، وللعلم فإنّ أغلب الإسبان الذين كانوا معمرّين في بلدة مدريسة هم من أصول يهودية.

ويعود بن ديدة إلى "تحليل الزيف في الصّورة التي أعلن عنها الناصر مسعودي"؛ بالقول: "المعروف عن بيكاسو، أنّه إذا انطلق من نقطة ليرسم خطاً أو قوساً، فإنّه لا يهتز ولا يرتجف؛ كأنّ الرّسم سابق في أعماقه ومكتمل، ولديه ليونة في تلك الحركة بالغة الندرة قد تخصُّه وحده، بالرّغم من سهولة ما يعمله وسذاجته على أنه مجرّد خطوط، لكن يوجد في الصورة التي قدّمها الناصر ارتجاف كبير ورديء في رسم الرّمز الأمازيغي، أيّ مشاهد سيعرف أنّها ليست لبيكاسو، بغضّ النظر عن التظليل والإنارة والمحو والضبابية في الصّورة التي تبدو كلها متداخلة كالقطع المتقاطعة الملصقة فوق بعضها، وهذا من رداءة توظيفه لترتيب الـ "calques"، الذي استخدمه، وعدم إتقان الناصر له؛ ذاك الذي يظهر جلياً في تعديلاته الفظيعة بالفوتوشوب".

رماد الوهم

يرى بن ديدة أنّ اختيار الناصر مسعودي، باعث قصة بيكاسو/ مدريسة من رماد الوهم، لم يكن عارضاً، ويتكئ محدثنا: "المعني ركـّز على انتماء بيكاسو الأمازيغي المزعوم، بالرّجوع إلى كتابي" مذكرات الحجر الأصمّ"، الصفحتان 62 و63؛ حين ذكرتُ فيه أنّ النحات الجزائري المعروف، محمد بوكرش، قال ذات استضافة له ببرنامج" لقاء " التلفزيوني الجزائري، الذي كان يستضيف مشاهير الفنّ والأدب (بتاريخ التاسع يناير 2007): إنّ "بيكاسو جزائري أمازيغي الأصول واسمه الحقيقي؛ بلقاس"، هذا وأكثر، وسلفادور دالي هو "دّا علي"، وعلى حدّ زعم بوكرش أيضًا؛ الغرب لا يريدون ذكر هذه الحقيقة، ويكتفون بوصف أنّ اللمسة التكعيبية ذات أبعاد أفريقية عموماً، وهذه المدرسة بالضبط، التي أسّس لها بيكاسو وجورج براك، نشأت في الحضن الإفريقي، ويتنكر الغرب على القول إنّها نشأت بالضبط في شمال أفريقيا؛ ما يثبت أنّ بيكاسو عربي ـ أمازيغي، من الجزائر، هذا عموم كلام بوكرش".

...

ما تقدّم استند "الناصر مسعودي" عليه في القول إنّ فرنسا تريد إخفاء حقيقة بيكاسو/ الجزائر، وبالضبط بيكاسو/ مدريسة؛ وغير ذلك من الهذيان الذي لا يستند إلى أيّ مستند تاريخي أصلي، والذي أصابنا جميعاً بالوهم، بسبب أقوال محمد بوكرش يومها، فصرنا نتخيّل بلدة مدريسة، من غرب الجزائر تحديداً؛ قطعة من الأندلس التي صنعت بيكاسو، ولا رأينا كتابه "سعادة الصفر" يومها؛ الذي قال إنه سيذكر فيه كل تلك الحقائق والدراسات.

ويذكر بن ديدة؛ أنّ الناصر مسعودي، حين التقى به بعد استلامه لكتابه "مذكرات الحجر الأصم"، وقراءته له صائفة 2011، أنّه تأسف لعدم مشاهدة برنامج لقاء مع بوكرش يومها، لكنّه من المؤكد أنّه بحث عنه، ويروي بن ديدة: "قال لي ذلك بعظمة لسانه؛ إنّه سيبحث عنه ويراجع ما جاء فيه لأهميته القصوى فيما يعني بيكاسو/مدريسة؛ وتكلّم معي في الكثير من زوايا هذا الموضوع والكتاب؛ واستلهم منه في ربط الفنان بيكاسو بالرُّوح الأمازيغية، ووجد دسامة في إعادة صياغة المشهد على طريقته الإيهامية".

ومن كلّ هذه التوليفة، ابتكر مسعودي على تلك الأنقاض قصة زواج بيكاسو بالمرأة الأمازيغية التي كانت، على زعمه، من بنات مدريسة تدعى" عمارة الجوهر"، وهذا كلّه هذيان لصناعة أحداث على طريقة النحات والفنان الجزائري الكبير، محمد بوكرش، الذي أوصلنا بالفعل إلى "سعادة الصِّفر"!، على حدّ توصيف بن ديدة.

محذور الجوهر

لا جرَمَ أن فلسفة علم الجمال، تقيم الفرق بين الدلالة اللغوية والدلالة الرّمزية، فتظهر الرّمز على أنّه تركيبة سيميائية من دال ومدلول، يضاف إليهما شحنة عاطفية، فيتحوّل الرّمز إذّاك بكونه علامة إنسانية إلى معنى قداسي يشكّل طفرة روحية في مآخذ الضمير الجمعي لأيّ شعب من الشعوب.

وعليه يتصور بن ديدة؛ أنّ "الناصر مسعودي دخل عبر هذه الشحنة العاطفية ليمرّر وهم بيكاسو هذه المرّة من خلال القضية الأمازيغية؛ تلك الشحنة التي اختلسها الناصر مسعودي، ولم يراقبها مضاد فيروسات الذاكرة الجمعية لمجتمع يشكّك في الغالب بالكثير من عناصر هويته في الأصل، وقليلاً ما يحمي ذاته من دخائل غريبة، قد تتحوّل في ظروف غامضة إلى رُكام مشبوه من بقايا الموروث الشعبي والعالمي عبر كرونولوجيا صياغة الإنسان والحضارة، فينهار الجوهر الصميم وتنبني الأوهام، لدى أيّ شعب من الشعوب، قد تصاغ ذاكرته من لوحات فنية ما، فيها ألوان من الزيف وافتعال الدّعاية، أو غيرها من التسجيل الفني والثقافي المهم ما لم تطله المراجعة في صميمه المُدلـّس؛  ولعلّ في ذلك عبثاً ممنهجاً يمكن تتبع بصماته الآثمة من ومضة شكّ إلى أخرى!".

...

ويقدّر بن ديدة؛ أنّ "الناصر مسعودي صنع بيتاً عنكبوتياً عميق التشبيك من تضاربات كثيرة، وهكذا صار يفبرك من حين لآخر قصصاً جديدة كلّما وجد رأس الخيط للخروج بما قد يُبقي دوماً على دسامة موضوع العثور على لوحات بيكاسو في مدريسة، لكن لا أعتقد هذه المرّة أنّه وحده من يقوم بهذه التصاميم المعقـّدة في القصة، ولن أعرّج على ما ذكره من تشعبات أخرى متعبة في الموضوع ومضاجعاته وإجهاضاته؛ فذلك فيه مُساءلات وتساؤلات لا تنتهي، وأنا هنا لا ألوّن هذا الشخص بكاريزما عباقرة الاحتراف في التقليد والمهارات المراوغة للعقول؛ من اختلاقات وفبركة لأحابيل الأقاصيص المزيفة ضمن صميم تاريخ ثقيل، بل أصحّح ما أراه غير صائب، من وجهة نظري، وما أعرفه من حقائق حول الموضوع عموماً".

أعماق لويزة وباية وجميلة

ينتهي الأديب أمحمد بن ديدة إلى لقائه مع مواطنته الثائرة المخضرمة، لويزة إيغيل آحريز، ويقول: "تكلمتُ معها بخصوص إيواء الفنان العالمي، بابلو بيكاسو، لها في بيته حال فرارها من السجن، فحدّثتني بالموضوع، وقالت إنّه كان متابعاً لأخبار الثورة الجزائرية باهتمام شديد كما لو كان أحد هواجسه؛ وسألتها عن الوشاح الذي أهداه لها بيكاسو، فقالت لي إنّه سرق منها، وأحرق بيتها كذلك مؤخراً، وأنا أستمع إلى ألمها ذاك وأرقب تأملها للوحاتي وأجيب عن أسئلتها، التي كانت بحقّ عميقة التحليل حول كلّ منجزاتي الفنية، التي وقفت عندها واحدة واحدة".

ويتساءل بن ديدة: "كيف لامرأة مثل هذه التي قضت أكثر من شهر في منزل الرّسام بيكاسو، أن لا توجد لها صورة معه، أم إنّ هناك صوراً يخفيها الأرشيف الفرنسي؟ لأنّ بيكاسو كان يصوّر كلّ تفاصيل يومياته، حتى زيارة عابرة لأيّ شخص لبيته، كان يصوّرها في الغالب، فلديه عشرات الصور لصديقات عابرات في حياته، ليوم أو يومين، فكيف بشخصية مثل لويزة إيغيل آحريز، أن لا توجد لها صورة مع بيكاسو؟ كذلك مع باية محي الدين شهرزاد، ومع جميلة بوباشا، التي رسم لها بيكاسو بورتريه بأسلوبه الجميل؟".

ويخلص بن ديدة إلى أنّ هذا التساؤل جدير بالغوص فيه وبحث الحقيقة، وهو، أيضاً، موضوع عادة ما تمّ التشكيك فيه أيضاً! ومثل هذه الموضوعات جديرة بالبحث فيها حول بيكاسو ونساء الجزائر، وليس الاختلاقات مثل "عقد زواج جوهر عمارة" المكذوب بمدريسة/ بيكاسو، والصور بالغة الزيف والتاريخ الملفّق كالسراب".

الصفحة الرئيسية