
في الوقت الذي كانت فيه العواصم الأوروبية مثل لندن، والمدن التركية مثل إسطنبول، تمثل الرئة التي يتنفس منها التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، طرأت تحولات جيوسياسية كبرى دفعت قادة التنظيم للبحث عن "ملاذات أكثر أماناً" وأقلّ عرضة للمقايضات السياسية.
في هذا السياق، برزت باكستان ليس كحليف إيديولوجي فحسب، بل كـ "واجهة لوجستية" مفضلة لعقد الاجتماعات السرّية والعلنية، وكمنصة انطلاق لأنشطة التنظيم الدولي التي تستهدف إعادة ترتيب الصفوف بعد الضربات التي تلقاها في المنطقة العربية.
خريطة الاجتماعات... "المنتدى العالمي" كغطاء شرعي
لم يعد التنظيم الدولي يجتمع تحت مسمّى "مكتب الإرشاد العالمي" بشكل علني، بل استعاض عن ذلك بواجهات برلمانية ونقابية ودعوية في باكستان توفر الغطاء الأمني والسياسي للقاءات القيادات.
رصدت تقارير متابعة لأنشطة الجماعة تحول لاهور وإسلام آباد إلى مراكز لاستضافة "المنتدى العالمي للبرلمانيين الإسلاميين". خلف ستار هذه الاجتماعات التي تبحث قضايا "الأمة"، تعقد "الشورى العالمية" للإخوان اجتماعات جانبية مغلقة يحضرها ممثلون عن فروع الجماعة في (مصر، السودان، الأردن، دول المغرب العربي، جنوب شرق آسيا).
وتُعدّ باكستان مقراً نشطاً للقاءات القيادات الشبابية للتنظيم الدولي. هذه اللقاءات لا تهدف فقط للتعارف، بل لتنسيق الأدوار في "الفضاء الرقمي" وتدريب الكوادر على إدارة الحملات الإعلامية العابرة للحدود، بعيداً عن الرقابة المشددة في الدول العربية.
لماذا باكستان؟ "السيادة المخترقة" والملاذ الآمن
وفقاً لمراقبين، هناك عدّة أسباب جوهرية جعلت قادة التنظيم الدولي يفضلون باكستان كوجهة لاجتماعاتهم في الآونة الأخيرة:
ـ الحماية عبر "الجماعة الإسلامية": على عكس تركيا التي قد تضطر لتسليم مطلوبين أو التضييق على أنشطتهم لتحسين علاقاتها مع الدول العربية، تمتلك "الجماعة الإسلامية" في باكستان (الفرع المحلي للإخوان) نفوذاً عميقاً داخل مؤسسات الدولة الباكستانية، بما في ذلك القضاء والأجهزة الأمنية والبيروقراطية، وهذا النفوذ يوفر "حصانة غير رسمية" لقادة التنظيم الدولي الزائرين.
ـ سهولة الدخول والتحرك: توفر باكستان تسهيلات كبيرة في منح تأشيرات الدخول تحت غطاء "الزيارات الدينية" أو "العمل الخيري". كذلك الجغرافيا الواسعة ومدنها المكتظة تتيح للقادة التحرك وعقد اللقاءات في "بيوت ضيافة" تابعة للجماعة الإسلامية بعيداً عن أيّ ملاحقة دولية.
ـ غياب الضغط الدولي: لا تدرج باكستان جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية، كما أنّ الضغوط الغربية على إسلام آباد تركز غالباً على ملفات (طالبان والقاعدة)، ممّا يترك مساحة واسعة للإخوان للعمل تحت الرادار الدولي دون إثارة الكثير من الجلبة.
أبرز الأنشطة... تنسيق الموارد وبناء "التحالفات العابرة"
تتركز أنشطة التنظيم الدولي في باكستان حول (3) ملفات استراتيجية يتم نقاشها في الاجتماعات المغلقة:
ـ إدارة صناديق الدعم: تُستخدم باكستان كغرفة مقاصة لتوزيع الموارد المالية على الفروع المتعثرة. ومن خلال شبكة "مؤسسة الخدمة" Al-Khidmat Foundation الضخمة يتم عقد لقاءات تنسيقية بين مسؤولي التمويل في التنظيم الدولي وبين متبرعين من دول إسلامية، تحت لافتة "الإغاثة الإنسانية".
ـ صناعة السردية البديلة: تُعقد في لاهور ورش عمل تضم قادة إعلاميين من الإخوان (خاصة الفارين من مصر) مع خبراء إعلاميين باكستانيين، لإنتاج محتوى بلغات متعددة (الأوردو، الإنجليزية، العربية) يروج لمظلومية الجماعة ويهاجم الأنظمة العربية، مستغلين في ذلك المناخ الإعلامي المنفتح والمؤدلج في باكستان.
ـ التواصل مع "الجيل الجديد" من الجهادية: توفر باكستان نقطة التماس الوحيدة التي تتيح لقادة التنظيم الدولي لقاء ممثلين عن حركات إسلامية مسلحة (مثل طالبان أو الحركات الكشميرية) لبحث آليات التعاون "السياسي والدعوي"، وهو ما لا يمكنهم القيام به في أيّ عاصمة أخرى دون التعرض للاعتقال.
القيادات الفاعلة... "مهندسو اللقاءات"
تشير المتابعات إلى أنّ الشخصيات التي تدير هذا المحور هي قيادات تجمع بين العمل الأكاديمي والحركي.
يرتبط قادة من "جبهة العمل الإسلامي" في الأردن، وقيادات من "إخوان السودان" المقيمين في الخارج، بعلاقات وثيقة مع قيادة "الجماعة الإسلامية" في باكستان (مثل سراج الحق). هؤلاء القادة هم من ينسقون جدول أعمال "الشورى العالمية" التي تُعقد بشكل دوري في إسلام آباد، مستغلين المؤتمرات السنوية للجماعة الباكستانية كغطاء لاجتماعاتهم الخاصة.
التداعيات... خطر "الأفغنة" السياسية
بعد تصنيف العديد من فروع الإخوان وقادتها في قوائم الإرهاب الأمريكية والعربية، أصبحت باكستان "منفذاً خلفياً" للالتفاف على هذه العقوبات. فمن خلال باكستان يمكن للقادة إجراء اتصالات دولية، واستخدام جوازات سفر أو وثائق سفر محلية بتسهيلات من الحلفاء، والوصول إلى حسابات مالية في بنوك إقليمية لا تلتزم بدقة ببروتوكولات التفتيش الدولية.
يمكن القول إنّ تحول باكستان إلى مقر اجتماعات التنظيم الدولي ينطوي على مخاطر كبرى، أبرزها:
ـ راديكالية متصاعدة: لقاء كوادر الإخوان (الذين يميلون للعمل السياسي) مع الجماعات الراديكالية في باكستان يؤدي إلى "عدوى التطرف"، حيث بدأت أدبيات الإخوان في باكستان تتبنّى لغة أكثر عنفاً وتكفيراً للدولة الوطنية.
ـ الضغط على إسلام آباد: قد تجد الحكومة الباكستانية نفسها في مواجهة ضغوط دبلوماسية من حلفائها العرب، خاصة مع توفر أدلة على أنّ أراضيها باتت منطلقاً لمؤامرات تستهدف أمن المنطقة العربية تحت عباءة "النشاط الإسلامي العالمي".
لاهور... "العاصمة السرّية" المؤقتة
إنّ اختيار باكستان واجهة لأنشطة واجتماعات التنظيم الدولي للإخوان ليس خياراً طوعياً بقدر ما هو "خيار الضرورة". فالتنظيم فقد قدرته على المناورة في البيئات العربية والأوروبية، ولم يبقَ له سوى العمق الآسيوي المتمثل في باكستان، حيث تتداخل الإيديولوجيا مع النفوذ القبلي والسياسي للجماعة الإسلامية.
لكنّ هذا الرهان يبقى هشاً؛ فباكستان دولة تمرّ بأزمات اقتصادية وأمنية طاحنة، وتحتاج لرضا المجتمع الدولي وحلفائها العرب. لذا، فإنّ "الغرفة العملياتية" التي بناها الإخوان في لاهور قد تتحول في أيّ لحظة إلى عبء سياسي تضطر الدولة الباكستانية للتخلص منه، تماماً كما حدث للجماعة في محطات تاريخية سابقة. حتى ذلك الحين تظل باكستان هي "الرئة" التي يحاول التنظيم الدولي من خلالها ضخ الدماء في عروقه المتيبسة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/05erlanger-superJumbo_0_0.jpg.webp?itok=-Tza18-v)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=GITWNTHB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_0_0_0.jpg.webp?itok=uJwkIJTA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_6_0_0_1_13_1_9.jpg.webp?itok=h5nc3PPx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1000009697_0.jpg.webp?itok=JAIdHlpn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%83%D9%84%20%D9%83%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AB%D9%8A%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%A9%20%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D8%AC%D8%A7%D9%86%20%D8%B9%D8%A8%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84_0_0.jpg.webp?itok=-CP5rEqg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/banna_9.jpg.webp?itok=7S1FOv5R)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_37_0_0_0.jpg.webp?itok=X_cwWGwT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_2_0_0.jpg.webp?itok=PovzOHl2)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/SNGZDFKJ2_9prgp7ql5B9129WyEmpUs-UKOADbixh_qXbiwowHq7ChMr4jRIS6ihFHxzpIG5kfBpOIdHtWgE9m_iB76kRJO-dkOJS_-G1Iqb3tVRXr2dpiBX0FqgsSuimkVnRsISBSGXXWdzCkaaX6BtrWdxUWEIJ8T5Te3-UXE7d85VNOKRdK7TVnjNv257.jpg.webp?itok=aZkbWm9D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_133_0_0_0.jpg.webp?itok=XgaEsisb)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

