كيف يعيد الكونغرس صياغة المقاربة الأمريكية تجاه الإسلام السياسي؟

كيف يعيد الكونغرس صياغة المقاربة الأمريكية تجاه الإسلام السياسي؟

كيف يعيد الكونغرس صياغة المقاربة الأمريكية تجاه الإسلام السياسي؟


07/12/2025

 

إثر توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الأمر التنفيذي الذي من شأنه إطلاق عملية رسمية تُستكمل خطواتها عبر مجموعة من الإجراءات والاشتراطات المختلفة، لجهة فحص وإدراج فروع معينة من جماعة الإخوان كـ "منظمات إرهابية أجنبية"، فإنّ تحرك الكونغرس هو الآخر في الاتجاه ذاته يكشف عن وجود متغيرات، خصوصاً أنّ الخطوة الأخيرة تسعى إلى "فرض التزام قانوني واضح بشأن مبدأ التصنيف الشامل"، وفق باحثة أمريكية مختصة في شؤون الشرق الأوسط، وعضو بالحزب الجمهوري، لـ (حفريات).

فالمسألة الجوهرية في هذا التحرك المزدوج، تتمثل في أنّ الأمر التنفيذي الصادر عن البيت الأبيض والمشروعات التشريعية المطروحة في الكونغرس يقومان بوظيفتين مختلفتين رغم اشتراكهما في الخطاب والتوجه العام. فالأمر التنفيذي يمنح الإدارة "مساحة للمناورة" في اختيار الفروع التي تريد استهدافها وبناء ملفات قانونية لكل حالة على حدة، بينما تسعى التشريعات المقترحة إلى تحويل هذا الخيار إلى التزام قانوني مُلزم يقيّد حرية الإدارة ويضعها أمام مسار واحد واضح، وفق المصدر ذاته. ومن هنا تنشأ المفارقة الأساسية؛ مرونة تنفيذية تسمح بالتدرج والحسابات السياسية مقابل محاولة تشريعية لفرض إلزام شامل، وهي "المفارقة التي تغذي اليوم معظم الحسابات البرلمانية والصراعات الاستراتيجية داخل الكونغرس".

المساعي التشريعية

المساعي التشريعية داخل الكونغرس لتصنيف جماعة الإخوان "تنظيماً إرهابياً" تمثل تحولاً في بنية المقاربة الأمريكية تجاه الإسلام السياسي، ليس من زاوية الأمن وحده، بل من زاوية إعادة تعريف العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط. فالمسعى التشريعي لا يقتصر على توصيف قانوني لجماعة متهمة بجرائم دموية، بل ينطوي على رغبة في إعادة رسم خريطة النفوذ الإقليمي عبر تعزيز اصطفاف واشنطن مع المحور المناهض للإخوان ودعم دول الاعتدال العربي ممثلة في مصر والإمارات والسعودية، وفق الباحث المصري المختص في الشؤون السياسية والإقليمية الدكتور عبد السلام القصاص، لافتاً في حديثه لـ (حفريات) إلى أنّ ثمة تبعات جمّة لهذا التحول في وضع الجماعة، لا سيّما في كلّ ما يتصل بقطع ارتباطاتها بشبكاتها التنظيمية والتمويلية وحواضنها الإقليمية، مثل قطر وتركيا، الأمر الذي سيعني "الضغط على هذا المحور الذي تتقاطع حساباته مع الجماعة".

وتتوافق هذه التحركات مع سياسات ترامب التي كشفت عنها الوثيقة الاستراتيجية الأمريكية الصادرة مؤخراً، والتي تقطع، بحسب القصاص، بضرورة التهدئة في الإقليم وإنهاء الحروب الأبدية في الشرق الأوسط والعالم، والاهتمام بإدارة المصالح الأمريكية في الكاريبي، والمنافسة مع الصين وروسيا. عليه، يرجح أن يعيد هذا التصنيف المتوقع "هندسة موازين القوى" في المنطقة، ومن ثم، إعادة بناء الاصطفافات والتحالفات.

وكان النائب الجمهوري ماري دياز بالارت، قد طرح مشروع تصنيف الإخوان بكامل فروعها على قوائم الإرهاب في الكونغرس، بخلاف القرار التنفيذي لترامب الذي يحدد فروعاً إقليمية محددة، ويرى المشروع الجمهوري أنّ الجماعة "تنشر العنف وعدم الاستقرار في جميع أنحاء الشرق الأوسط"، وأنّ "لديها فروعاً إقليمية كثيرة، من بينها منظمات إرهابية مثل (حماس)". 

من ثم يؤكد دياز بالارت أنّ هذا التصنيف الشامل هو "لحماية مصالح الأمن القومي الأمريكي، ومنع استخدام الأموال الأمريكية في تمكين الأنشطة الخطرة للإخوان المسلمين، وضمان منع أعضاء الجماعة من دخول الولايات المتحدة". واعتبر أنّ هذه الخطوة في حال إقرارها ستمنح الإدارة الأمريكية "السلطة الإضافية التي تحتاج إلى حماية الأمريكيين وأقرب حلفائنا من هذا التهديد الخبيث".

في حال إقرار القانون، سوف يتمّ إدراج جماعة الإخوان بكافة فروعها الإقليمية على قوائم الإرهاب وذلك على المستوى الفيدرالي، الأمر الذي يتخطى تداعيات قرار ترامب التنفيذي، ويصبح ملزماً للإدارات المقبلة والرؤوساء الأمريكيين مستقبلاً.

وشدّد النائب الديمقراطي جاريد موسكوفيتز، الذي اصطف مع المشروع إلى جانب (26) من زملائه، على أهمية أن تكون للحكومة الأمريكية السلطة اللازمة لمواجهة التهديدات الخطيرة للجماعة، مشيراً إلى "تاريخها الموثق في الترويج للإرهاب ضد الولايات المتحدة وحلفائها". وذكّر بأنّ دولاً أوروبية وعربية سبق أن اتخذت خطوات مماثلة "للتحقيق في نشاط جماعة (الإخوان) وملاحقة فروعها".

ظلّ موقف الكونغرس من جماعة الإخوان المسلمين أكثر تشدداً من موقف الإدارة التنفيذية في البيت الأبيض، لكنّه لم يكن موقفاً موحداً بالكامل، وفق الباحثة الأمريكية وعضو الحزب الجمهورية إيرينا تسوكرمان، موضحة في حديثها لـ (حفريات) أنّ "هناك كتلة وازنة، تضم أغلبية من الجمهوريين وعدداً محدوداً من الديمقراطيين، تنظر إلى الإخوان باعتبارهم العمود الإيديولوجي للتطرف السُّني، وتدفع باتجاه التعامل معهم كتنظيم إرهابي عالمي واحد". 

في المقابل، يبرز "تيار مؤسسي أكثر حذراً، يتحسب للإشكالات القانونية وللتداعيات السياسية والإقليمية الدبلوماسية الناجمة عن وضع حركة واسعة ومتشعبة في خانة قانونية واحدة. وهكذا يتشكل موقف عام شديد اللهجة في خطابه السياسي والأمني، لكنّه متردد أمام إصدار تشريعات مُلزمة وشاملة في هذا الاتجاه"، وفق تسوكرمان.

وتعتمد إمكانية نجاح الكونغرس في فرض تصنيف عالمي للإخوان كمنظمة إرهابية على جملة عوامل متداخلة، وفق الباحثة الأمريكية وعضو الحزب الجمهوري، فتقول: "هناك رغبة سياسية واضحة لدفع وزارة الخارجية نحو هذا الخيار، غير أنّ العقبة لا تكمن فقط في حذر مجلس الشيوخ، بل أيضاً في كيفية انسجام أيّ قانون جديد مع صلاحيات السلطة التنفيذية وسياساتها الجارية. فكلما أظهرت الإدارة أنّها تتعامل بالفعل مع الأسوأ من أفرع الجماعة ضمن القوانين القائمة، بات أسهل على المعارضين الادعاء بأنّ تشريعاً شاملاً ليس ضرورياً".

معضلات قائمة

يتجسد جوهر الخلاف بين نموذجين؛ الأول، وهو النموذج التنفيذي التقليدي، يعتمد على تصنيف كيانات محددة متورطة في العنف، مثل حماس وبعض الميليشيات وشبكات التمويل، دون التعامل مع الحركة ككيان موحد. أمّا النموذج الثاني الذي يدفع به الأكثر راديكالية في الكونغرس، فيسعى إلى إعلان أنّ الجماعة برمّتها تمارس الإرهاب، وأنّ أيّ فرع أو مؤسسة مرتبطة بها يجب إدراجها تلقائياً في قوائم الإرهاب. وهذه النقلة من استهداف السلوك إلى استهداف تيار سياسي كامل هي ما تثير مخاوف قانونية ودبلوماسية واسعة.

ضمن هذا السياق، تأتي مشروعات القوانين التي تحاول تقييد صلاحية الإدارة، عبر التأكيد في نصوصها على أنّ الجماعة تستوفي معايير الإدراج، وتُلزم الخارجية بتصنيفها مع جميع الكيانات التي "تملكها أو تسيطر عليها"، وفق تسوكرمان، وبذلك ينقلب الوضع الراهن، حيث إنّه بدلاً من افتراض البراءة، يصبح افتراض الاتهام، وعلى الجهات المتضررة إثبات العكس.

وتردف: "سياسياً، تبدو هذه الخطوة حازمة، وتؤكد جدية واشنطن أمام الكونغرس وشركائها الإقليميين. أمّا قانونياً، فهي تبقى في إطار مألوف يعتمد بناء الملفات الخاصة بكل فرع وإخضاعه لتدقيق تدريجي. وهكذا تتقاطع المسارات من حيث الخطاب، لكنّها تختلف في المضمون؛ فمشروعات القوانين تتعامل مع الإخوان كـ "جسم واحد"، بينما تفضل الإدارة التعامل معهم ككيانات متمايزة تبعاً للسياقات".

يمنح الأمر التنفيذي الإدارة مجالاً واسعاً للمناورة، فهي تستطيع القول إنّها تتحرك بجدية، وفي الوقت ذاته تحافظ على المرونة تجاه فروع بعينها، الأمر الذي يطمئن المشرعين القلقين من تداعيات دبلوماسية معقدة، أو من دعاوى قانونية محتملة إذا ذهب القانون بعيداً، وتبرز هنا قطر وتركيا في قلب المشهد، بحسب ما تشير تسوكرمان، وتقول: "هاتان الدولتان تستضيفان شخصيات ومنظمات قريبة من الإخوان، حتى وإن لم تكن خاضعة لقيادة مركزية، وفي الوقت نفسه تؤديان أدواراً أمنية حيوية للولايات المتحدة. أمّا أيّ قانون شامل، فسيفرض ضغطاً واسعاً لاستهداف كيانات إعلامية وتمويلية في الدوحة وإسطنبول، وهو ما قد يفجر مواجهة دبلوماسية مع دولتين تحتاجهما واشنطن بشدة في ملفات إقليمية وأمنية".

وتختتم حديثها قائلة إنّه من خلال التركيز على فروع في دول تتبنّى سياسات مناهضة للإخوان، يمكن للإدارة أن تُرضي حلفاءها الإقليميين، وتتفادى في الوقت نفسه الصدام مع قطر وتركيا. كما يسمح لها ذلك بإرسال رسالة مفادها أنّها تتخذ موقفاً صارماً حين تتوافق الظروف، لكنّها غير مستعدة لتجريم شبكات ترتبط مباشرة بنفوذ سياسي لبلدان حليفة. وهكذا يقلّ الضغط لإقرار مشروع قانون شامل. فكلما اتخذت الإدارة خطوات تدريجية، تراجعت حجة المطالبين بقانون شامل؛ إذ يمكن القول إنّ واشنطن تفعل ما يكفي بالفعل، وإنّ إدراجاً شاملاً قد يُربك تحالفاتها ويقود إلى صدامات دبلوماسية غير ضرورية.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية