كيف ولماذا تصادق بريطانيا الإرهابيين؟

كيف ولماذا تصادق بريطانيا الإرهابيين؟

مشاهدة

23/06/2020

غداة تصنيف حادث الطعن الذي هزّ مدينة ريدينغ البريطانية، السبت الماضي، بأنه "عمل إرهابي"، أفادت وزيرة الداخلية البريطانية بريتي باتيل، أمس الإثنين، بأنّ منفذ الهجوم تصرف "منفرداً".

وقالت باتيل "هذا حدث مأساوي"، دون أن تعلق بشأن ما إذا كان الرجل المقبوض عليه ليبيّاً كما ذكرت تقارير إعلامية سابقة. غير أنّها لم تنف في الوقت ذاته هذه المعلومة، مشيرة إلى أنّ "ما رأيناه هنا مساء يوم السبت في ريدينغ كان من فعل فرد واحد".

بريطانيا، بشكل خاص، وأوروبا عموماً، تحصد ثمرة هذه العلاقات الملتبسة مع جماعات الإسلام السياسي التي لا تتوخى الطرق السلمية

ومن جانبه، قال وزير الأمن البريطاني جيمس بروكنشاير، أمس، إنّ الهجوم كان عملاً مروعاً وصادماً، لكنه رفض التعليق على تقارير أفادت بأنّ المهاجم المشتبه به كان معروفاً للمخابرات البريطانية.

وتعكس هذه الاضطرابات في تصريحات المسؤولين في الحكومة البريطانية انقساماً داخل الجهاز التنفيذي الذي يدافع بعض أعضائه، تحت ذريعة حقوق الإنسان، عن الإرهابيين والقتلة، والمنتسبين إلى الجماعات الإرهابية المسلحة، وإلى جماعات تُصنف بأنها متطرفة وتتوسل العنف كجماعة الإخوان المسلمين.

تجهل أم تتجاهل وزيرة الداخلية البريطانية؟

ففي حين تجهل أو تتجاهل وزيرة الداخلية البريطانية هوية الشخص الذي نفذ الهجوم الإرهابي، كشفت صحيفة "صن" بأنّ الرجل يبلغ من العمر 25 عاماً، وأنه خرج مؤخراً من السجن بعد انقضاء مدة عقوبته. وتقول الصحفية إنه لاجئ يحمل الجنسية الليبية.

وكان حادث طعن قد أسفر، السبت الماضي، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة ثلاثة آخرين في متنزه ببلدة ريدينغ جنوب إنجلترا. وقال محققون إنّ رجلاً هاجم أشخاصاً بسكين قبل أن يعتقله أفراد عزَّل سلموه إلى الشرطة.

يرى منتقدو السلطات البريطانية، أنّ لندن تساهلت مع المتشددين، تحت ذريعة حقوق الإنسان، وهو ما أدى إلى إزهاق أرواح كثيرة

ونقلت تقارير إعلامية بريطانية أنّ الشرطة أقرّت بأنّ منفذ الاعتداء بقي غير معروف لدى أجهزة الاستخبارات. لكنه في عام 2019 شدّ إليه الانتباه حين أراد السفر إلى سوريا. وهو غير مصنّف ضمن "العناصر الخطرة".

ومن شأن هذا الحادث الإرهابي أن يثير عدداً من الأسئلة حول العلاقة التي توصف بـ"المعقدة" والشائكة بين بريطانيا ومتشددين ليبيين، بحسب صحيفة "التايمز" التي أوردت أنّ بريطانيا منحت حق اللجوء لعدد من المتشددين، بعدما جرى اتهام الزعيم الليبي الراحل، معمر القذافي، بسحق المتمردين على سلطته في 2011،  أو حتى قبل ذلك، فيما كان رئيس الوزراء البريطاني، توني بلير، قد أجرى مفاوضات مع "العقيد".

 هجمات دامية متكررة

وحينما وصل ديفيد كاميرون إلى رئاسة الوزراء في بريطانيا، دعم الجماعات الساعية إلى إطاحة القذافي، فتم السماح بسفر المئات من المهاجرين الليبيين ببريطانيا حتى يشاركوا في الحرب الأهلية الدائرة بوطنهم الأم.

اقرأ أيضاً: هجوم ريدينغ الإرهابي يكشف الخطر الداهم للإخوان والمتشددين الليبيين في بريطانيا‎

ومن بين هؤلاء الذين غادروا، كما يذكر موقع "سكاي نيوز عربية" يوجدُ أعضاء في الجمعية الإسلامية الليبية للقتال، وعدد منهم استقر في مدينة مانشستر البريطانية بعد الهروب من نظام القذافي.

أبو أنس الليبي

ويعدّ أبو أنس الليبي من أوائل عناصر الجماعة الذين وصلوا إلى بريطانيا، وتمكن من الحصول على حق اللجوء في تسعينيات القرن الماضي. وفي العام 1998، تم إدراج أبي أنس الليبي على قائمة أكثر الأشخاص المطلوبين من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي، بعدما جرى الاشتباه في تورطه في هجوم تنظيم القاعدة على سفارات أمريكية في شرقي أفريقيا.

لكن المتشدد الليبي لاذ بالفرار قبل قدوم عناصر الشرطة البريطانية إلى بيته في منطقة "شاتهام هيل"، وتمكن المحققون من العثور على كتاب يشرح فكر القاعدة ويقدم صورة عن تدريباتها والأهداف التي تضعها نصب العين في البلدان الغربية.

تربط السفير البريطاني السابق في ليبيا علاقات جيدة بحكومة الوفاق، وخاصة مع مؤسسة النفط التي عُيّن فيها مستشاراً

وتقول المصادر إنّ قوات أمريكية تمكنت من اعتقال أبي أنس الليبي في العاصمة طرابلس، العام 2013، لكنه توفي من جراء مرض السرطان قبل بدء محاكمته في نيويورك العام 2015.

في 2004، قاد توني بلير جهوداً لإدماج القذافي في المجتمع الدولي، وقام جهاز المخابرات البريطاني "MI6" بإبلاغ وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بمكان وجود زعيم الجماعة الإسلامية الليبية للقتال، عبد الحكيم بلحاج، في تايلاند.

وأضافت "التايمز" أنّ عناصر من الاستخبارات الأمريكية اعتقلوا بلحاج بشكل سري من بانكوك، ثم نقلوه إلى طرابلس؛ حيث اعتقل إلى جانب زوجته، ويقال إنهما تعرضا للتعذيب.

وعقب سقوط القذافي، بدأ بلحاج ملاحقة قانونية ضد بريطانيا حتى يدفع الحكومة، بما في ذلك وزير الخارجية السابق، جاك ستراو، إلى تقديم اعتذار.

وفي 2018، اعتذرت رئيسة الوزراء البريطانية وقتها، تيريزا ماي، لبلحاج وقالت إنه خضع مع زوجته لـ "معاملة فظيعة".

ووافقت لندن على دفع تعويض قدره نصف مليون جنيه إسترليني لعقيلته، فاطمة بوشار. وفي الوقت الحالي، أضحى بلحاج عنصراً فاعلاً في الأزمة الليبية.

الهجوم الإرهابي في مانشستر

وفي حالة ثانية، عاد مقاتل آخر من الجماعة الإسلامية الليبية للقتال، إلى مدينة مانشستر مع عائلته، ويتعلق الأمر برمضان عبيدي الذي التحق ابناه سلمان وهاشم بتنظيم داعش الإرهابي.

وخطط الابنان لتنفيذ هجوم إرهابي في المدينة التي يعرفانها بشكل جيد جداً، وفي أيار (مايو) 2017، قام سلمان، 22 عاماً، بتفجير قنبلة انتحارية ضخمة وسط الحشود خلال حفل فني بمدينة مانشستر.

وأسفر الهجوم عن مقتل 22 شخصاً وإصابة أكثر من 800. وفي شهر آذار (مارس) من العام الحالي، استدعى القضاء البريطاني الابن الآخر، هاشم عبدي، للتحقيق بشأن جرائم قتل، بعد ترحيله من ليبيا. ولم يجر الاستماع إليه حتى الآن بسبب أزمة كورونا.

اقرأ أيضاً: أصدقاء أم أعداء؟ علاقة "شائكة" بين بريطانيا ومتشددي ليبيا

ويقول مدافعون عن حقوق الإنسان إنّ هؤلاء المتشددين دخلوا إلى بريطانيا، فراراً من بلدان كانوا معرضين فيها للاضطهاد أو التعذيب على أيدي السلطات، زاعمين أنّ قرار استقبالهم لم يكن خطأ من حيث المبدأ.

لكنّ الخطأ، بحسب قولهم، هو عدم مواكبة ومراقبة هؤلاء المتشددين على نحو حثيث، قبل أن ينضموا إلى جماعات إرهابية، أو أن يترجموا قناعاتهم المتشددة إلى هجمات دامية، لاسيما أنّ شكوكاً استخباراتية كانت تحوم حول عدد منهم.

ويرى منتقدو السلطات البريطانية، أنّ لندن تساهلت مع هؤلاء المتشددين، وهو ما أدى إلى إزهاق أرواح كثيرة، تحت ذريعة تقديم الحماية لأشخاص فروا من الحكومات إلى الخارج، وصوروا أنفسهم بمثابة معارضين ونشطاء، بينما يقول الواقع إنهم غير ذلك، لأنهم لم يمارسوا العمل السياسي يوماً، بل تحركوا في إطار تنظيمات متشددة تحض على الكراهية والعنف.

 ما علاقة إخوان ليبيا ببريطانيا؟

وفي غضون ذلك، تستمر علاقة الحكومة البريطانية مع الإخوان المسلمين الذين يصدر غالبيتهم عن تصورات متطرفة لا تختلف عما يروّجه المتطرفون الإرهابيون المسلحون.

ويقود السفير البريطاني السابق لدى ليبيا بيتر ميليت لوبيّاً يتولى مهمة توثيق التحالف بين لندن وتيار الإسلام السياسي في ليبيا بما يمنع أيّ إمكانية لتعديل لندن لموقفها من الجيش الليبي.

وقال مصدر دبلوماسي ليبي إنّ "هناك لوبيّاً متنفذاً داخل مؤسسة النفط يقوده ميليت وله علاقات وثيقة بشركة (فيتول) النفطية ومصالح متبادلة مع رئيس المؤسسة مصطفى صنع الله"، وفق تقرير نشرته صحيفة "العرب" منتصف آذار (مارس) الماضي.

اقرأ أيضاً: إخوان بريطانيا: إمبراطورية الظل

وأضاف المصدر، الذي رفض الكشف عن هويته، أنه شرح مراراً للمسؤولين البريطانيين خطورة الاستمرار في دعم الإخوان وباقي التنظيمات الإسلامية على حساب الجيش بقيادة المشير خليفة حفتر لكن دون جدوى.

وتربط ميليت علاقات جيدة بحكومة الوفاق التي توصف بأنها الواجهة السياسية لتيار الإسلام السياسي، وخاصة مع مؤسسة النفط التي عُيّن فيها مستشاراً مباشرة بعد انتهاء مهمته سفيراً في ليبيا، وهي الخطوة التي اعتبرها مراقبون حينئذ بأنها مكافأة له على جهوده لإعادة الإخوان إلى السلطة من خلال اتفاق الصخيرات.

كما يهدف تعيين ميليت مستشاراً لمؤسسة النفط التي يسيطر عليها الإسلاميون كبقية المؤسسات الحيوية في ليبيا (المصرف المركزي ومؤسسة الاستثمار) لتثبيت دوره كراع دائم للتحالف بين الإسلاميين والحكومة البريطانية.

ويرتبط ميليت أيضاً بعلاقات باللوبي الليبي في بريطانيا من خلال مجلس الأعمال الليبي البريطاني، وهو لوبي مكوّن من دبلوماسيين سابقين ورجال أعمال بريطانيين ويؤثر بشكل كبير على توجهات الحكومة البريطانية.

اقرأ أيضاً: إجراءات عقابية بعد تصنيف حزب الله منظمة إرهابية في بريطانيا.. ما هي؟

في المجمل، فإنّ بريطانيا، بشكل خاص، وأوروبا عموماً، تحصد ثمرة هذه العلاقات الملتبسة مع جماعات الإسلام السياسي التي لا تتوخى الطرق السلمية في إدارة العيش والتعامل مع الاختلاف، وترى في العنف وسيلة لتحقيق تصوراتها، وما حادث ريدينغ، ومن قبلة حادث مانشتسرالمروّع، ببعيد عن الأذهان، ولعل الأيام المقبلة تثبت أنّ رهانات الحكومة البريطانية كانت على خطأ، فالنوم في عرين الذئاب يجلب القلق، ويؤدي أحياناً إلى التهلكة.


الصفحة الرئيسية