كيف وحّد فيروس كورونا اليسار واليمين والإخوان؟

كورونا

كيف وحّد فيروس كورونا اليسار واليمين والإخوان؟

مشاهدة

30/04/2020

بينما انشغلَ العالم في البحث عن طوق نجاةٍ من وباء فيروس كورونا، حاولَ أصحاب أيديولوجيات راديكالية مختلفة، فرض صورتهم على العالم، رغم انشغاله بمكافحة الموت والكساد الاقتصادي ومشاكل أخرى عديدة سببها الوباء، إلا أنّ هؤلاء، ممن يحملون نظريات الخلاص، أو نظريات المؤامرة، يرون في الفيروس فرصةً لفرض آراء عنصرية أو سياسية أو الترويج لأفكارهم الخاصة، فمن هم؟ وكيف يفكرون؟
الوباء لعنةٌ من الله
بدلاً من تكثيف الجهود البشرية إنسانياً وعالمياً لمكافحة فيروس كورونا، ورغم كل المصاعب التي تواجهها دولٌ عديدة، وستواجهها اقتصادياً وصحياً حتى لو انقضت الجائحة، بقي الشيخ والداعية التونسي المقيم في فرنسا بشير بن حسن يدعي وفق كلماته الخاصة أنّ "الفيروس جندي من جنود الله، ويقتل الناس كالحشرات". وقد أضاف الداعية في تصريحه الذي تم حذفه من وسائل التواصل لاحقاً أنّ "السلطات الصينية تستحق الوباء لأنها حاصرت مسلمي الصين وقمعتهم" متناسياً أنّه في تصريحه هذا أساء إلى الذات الإلهية، خصوصاً بعدما انتشر الفيروس في معظم أنحاء العالم، فبدا وكأنّ الداعية يصف الخالق بأنه يريد إبادة مخلوقاته والمؤمنين به كنوعٍ من العقاب، بل وحتى من هم أتباع ديانات أخرى، خلقهم الله أيضاً وسمح لهم بالوجود والاختلاف.

شكلت جماعة الإخوان المصرية لجنة عامة لمكافحة كورونا تتميز فقط بأنها تنتمي للجماعة وتصدر معلومات صحية وفقاً للناطق باسمها

وكان الداعية المصري أحمد عيسى المعسراوي، هاجم الصين بدوره بعدما قال إنّ "الصين تم عزلها من الله لأنها عزلت مسلميها". وإذا كان هذان الرجلان قد ادعيا الحديث نيابةً عن الله، وفسرا الفيروس وفق هواهما الخاص، فإنّ الرئيس الإيراني حسن روحاني الذي يعد نفسه خليفة الله على الأرض ومنفذ تعليماته والعارف بأسراره، حاول منذ بداية الجائحة "منع إغلاق مدينة قم الشيعية المقدسة ومساجدها، رغم ارتفاع عدد الإصابة بالوباء فيها" وفقاً لـ "العربية" مطلع آذار (مارس) الماضي، مدعياً أنّ أعداء الله "يريدون إغلاق إيران، والخوف من الفيروس هو مجرد مؤامرة" بحسب المصدر ذاته.
ولم يفكر روحاني ولا الدعاة الآخرون، في أنّ الفيروس أصاب المسلمين سنة وشيعة وأصاب غير المسلمين، وأنّ المواجهة معه علمية، وليست طائفية أو جغرافية وسياسية.

تحولت قُم إلى بؤرة للوباء بسبب إصرار الرئيس الإيراني على أنّ الوباء مؤامرة

طرفٌ آخر، حاول الصعود على كتف الوباء، والإعلان عن وجوده وقيمته رغم انعدام هذه القيمة في جهود مكافحة الوباء، وكان هذا الطرف، هو جماعة الإخوان المسلمين في مصر بالذات، حيث أعلنت الجماعة عن تشكيل رؤية "لكيفية المشاركة في مواجهة جائحة كورونا داخل مصر من خلال مؤتمر تم عقده من خلال شبكة الإنترنت، وذلك من خلال "تشكيل لجنة من الكفاءات المتخصصة والمهنية من أساتذة الطب والاقتصاديين وعلماء الشريعة والإعلاميين" وفق موقع "عربي 21" الذي عقد حواراً مع الناطق باسم لجنة الإخوان أحمد ثابت. الذي أجاب عن أسئلةٍ عديدة، لم تقدم معلوماتٍ ذات قيمة لا عن اللجنة ولا عن الفيروس، فهل أراد الإخوان توظيف الفيروس في الدعاية لهم؟
اللعنة في جهل العقول
بسؤاله عن اللجنة التي شكلتها جماعة الإخوان المصرية لمكافحة كورونا، وعن عملها وأهدافها، أجاب أحمد ثابت في المقابلة المنشورة معه بتاريخ 24 نيسان (إبريل) الجاري على موقع "عربي 21" أنّ "الجديد والمختلف الذي ستقدمه الحملة، هو أنها حملة تقودها جماعة الإخوان، وتريد جمع كل شرائح الشعب لمكافحة المرض" وهذا جواب غير مفهوم، إذ ظهر أنّ الحملة لا تتميز بشيء سوى الانتماء للجماعة المحظورة في مصر لأعمالها التحريضية منذ 2012 على زعزعة استقرار مصر.

اقرأ أيضاً: كورونا.. والحرب الناعمة
أيضاً، قال ثابت إنّ فعاليات الحملة تتمثل في "جمع كوادر ومستويات منها الطبي، والاقتصادي، والاجتماعي والنفسي، والشرعي، والإعلامي، لمتابعة أفكار الحملة على مواقع التواصل الاجتماعي" ربما فيما يشبه ترويجاً لأفكار لم تخطر ببال علماء ومختبرات العالم الطبية المتقدمة التي تعمل جاهدةً لمكافحة فيروس كورونا. وهو ما يبدو مستحيلاً في ظل لجنة رقمية افتراضية لا يبدو أنّها تسعى لشيء سوى لإشهار نفسها على منصة كورونا فقط. وقد ادعى ثابت في النهاية أنّ الحملة ليست سياسية، وليست لاستغلال الجائحة، بل لدعم الشعب المصري، بالدروس والنقاشات والكلام كما يبدو، ولا شيء أكثر.

الإخوان ضمن المؤتمر الرقمي الترويجي لهم في ظل مكافحة الكورونا

وغير بعيدٍ عما قاله ثابت، فإنّ مثالاً عملياً، على ممارسات أفراد الجماعة في مصر، كفيلٌ بتقويض فكرة الوعي الإنساني التي لم تروج لها الجماعة حتى الآن، إذ نقلت "سي إن إن" في الحادي عشر من الشهر الجاري "اتهام الداخلية المصرية جماعة الإخوان المسلمين بتحريض بعض أهالي قرية "شبرا الهوى" بمحافظة الدقهلية المصرية على التظاهر بهدف التصدي لدفن سيدة توفيت جراء فيروس كورونا المستجد، وذلك من خلال لجان إلكترونية إخوانية".

اقرأ أيضاً: صراع الأجنحة في إيران يقود إلى فشل في إدارة أزمة كورونا
وكان الكاتب جبريل العبيدي قال في مقالةٍ نشرتها عدة مواقع مصرية مطلع الشهر الجاري إنّ "جماعة الإخوان تحاول التلاعب بصحة مواطنين مصريين من خلال تحريضهم على الخروج في مظاهرات تكبير، جماعية رغم الأوامر الحكومية بضرورة التباعد الاجتماعية، مثلما حصل في محافظة اسكندرية المصرية منذ فترة وتكرر عدة مرات".

الإخوان يستثمرون في جائحة كورونا للترويج إلى أنفسهم دون بذل أي جهود حقيقية أو مختلفة في مكافحة الوباء

ولكن، ليس الإخوان وحدهم، ولا الدعاة، فالمسألة تشمل أشخاصاً آخرين من دياناتٍ وانتماءاتٍ أخرى، لا يمثل أيهم الإسلام ولا الديانات السماوية، فالمتطرفون اليهود نُشرت صورهم في وسائل الإعلام منذ بدء الجائحة، وهم يرفضون فكرة إصابتهم بفيروس كورونا لأنهم (شعب الله المختار) رغم عدم صحة مقولتهم الواهية عن حصانتهم ضد المرض.
أما المتطرفون اليمينيون واليساريون في أوروبا مثلاً، فقد لجأوا إلى استنزاف نظريات المؤامرة بشأن انتشار الفيروس، ونقلت "دويتشة فيله " في الحادي عشر من الشهر الجاري حيث قالت إنّ "متطرفين متدينين وآخرين من اليمين والمعارضة يروجون بأنّ خطورة الفيروس على البشر هي أمر وهمي، وأنّ هذه مجرد مؤامرة اقتصادية وربما سياسية". وهو ما يلاقي أصداءً في دولٍ أخرى عديدة حيث رأى الكثيرون من أنصار إيران وحزب الله اللبناني المدعوم من إيران في فيروس كورونا "مؤامرة غربية" بحسب موقع "eeradicalization" لدراسات التطرف، والذي أشار أيضاً في مطلع الشهر الجاري إلى أنّ "الكثير من الحركات المتطرفة والإرهابية مثل طالبان والقاعدة وحزب الله والجهاديين الشيعة بحركاتهم في سوريا والعراق وغيرها، يرون في الأمر كله مؤامرة أمريكية فقط من أجل تدمير إيران والمقاومة".
ويبدو، أنّ فوضى الأيديولوجيين والمتشددين قد تفجرت في ظل وباء كورونا، وكشفت عن أزماتِ جهلٍ كبيرة، تستحق الكثير من الانتباه والنقاش.

الصفحة الرئيسية