كيف نقرأ اعترافات الحلبوسي وصالح حول قمع الاحتجاجات في العراق؟

العراق

كيف نقرأ اعترافات الحلبوسي وصالح حول قمع الاحتجاجات في العراق؟

مشاهدة

21/10/2019

حمل تصريحان لرئيس الجمهورية العراقية برهم صالح، ورئيس البرلمان محمد الحلبوسي، الأسبوع الماضي، ملمحَيْن بارزَيْن، بل كانا اعترافَين متأخرَين، لكنّهما مهمان؛ فالأول وصف القمع الوحشي للاحتجاجات الشعبية بـ "وصمة عار"، والثاني اعتبرها مؤشراً آخر لفقدان الثقة بالحكم في البلاد.

اقرأ أيضاً: الغموض يلف المشهد في العراق.. تهديدات تطال ناشطين وإغلاق عدة فضائيات
وصف رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي عملية الاعتداء على المتظاهرين بـ "وصمة عار"، جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي مشترك مع المسؤولين في الحكومة المحلية والقيادات الأمنية في كربلاء، وتأكيده أنّ "المتظاهرين لديهم مطالب وعلى الحكومة الاستماع إليها وتنفيذها من خلال اللقاء بممثلين عنهم وليس الاعتداء غير المقبول".
تعبير "وصمة عار" نزل كصخرة على رؤوس القادة الذين كانوا يقفون خلف رئيس البرلمان؛ فهم بطريقة مباشرة، أو غيرها، من اشتركوا بعمليات الدفاع العنيف عن الحكم، وتوقعوا ثناءً لا وصفاً "لإخلاصهم ووفائهم بالعار".
رئيس الجمهورية العراقية برهم صالح

لكنّ السؤال كان: وصمة عار بجبين من؟
وجاء الجواب على لسان النائب وزعيم كتلة "الفضيلة" السابق في البرلمان، الدكتور نديم الجابري، في حديث متلفز مع كاتب السطور، حين قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة بغداد: إنّها "وصمة عار على جبين النظام السياسي في العراق بعد 2003".

رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي: عملية الاعتداء على المتظاهرين وصمة عار

الموقف الثاني البارز والمؤثر؛ هو ما أكّده رئيس الجمهورية، برهم صالح، من أنّ عزوف الناخبين عن المشاركة بالانتخابات الأخيرة هو "دليل واضح على ضرورة تعديل قانون الانتخابات العامة لما يمثله من استحقاق وطني عاجل لبناء الدولة، وإصلاح مؤسساتها، والقضاء على الفساد المالي والإداري، تلبية لطموحات وإرادة الشعب، وبما يعزز الحرية والديمقراطية في البلاد".
اللافت والجوهري، في حديث الرئيس صالح؛ هو قوله: "نحن في حاجة إلى إصلاحات كبيرة تعيد الثقة بمنظومة الحكم في البلاد، وأهمها مراجعة المنظومة الانتخابية بشكل جدي وهادف يؤمن للعراقيين فرصة مضمونة للتعبير عن رؤيتهم حول بلدهم بدون انتقاص وتلاعب".
وفي مناسبة أخرى، خلال الأسبوع الماضي، قال الرئيس: "أمامنا تحدٍّ كبير هو الاحتقان والسخط والألم الذي يعتصر قلوب العراقيين، ولا يمكن وصفه".
وهذا الموقف الرئاسي كان اعترافاً واضحاً بملامح من السوء تفقد الحكم شرعيته:
*الانتخابات، وهي الجانب الوحيد للديمقراطية في العراق، لا شرعية لها؛ إذ لم تكن قد جاءت بأيّ تمثيل لأغلبية الشعب (عزوف الناخبين).
*قانون الانتخابات غير عادل وتشرف على تنفيذه مفوضية معينة من قبل الأحزاب التي تستأثر عادة بالأصوات (تعديل قانون الانتخابات).
*نتائج الانتخابات مزورة (انتقاص وتلاعب).

اقرأ أيضاً: أكراد العراق.. لماذا كانوا الأقرب إلى تحقيق الاستقلال؟
*الاعتراف بحضور الفساد وقوة تأثيره كعامل مناقض للحرية والديمقراطية.
*الحكم فاقد للشرعية (لا انتخابات حقيقية وأمينة ولا ثقة به من قبل المواطنين).
*الاعتراف التامّ بحقيقة ظلّ الحكم العراقي يتلاعب بها أو يغطيها (الاحتقان والسخط والألم الذي لا يوصف ويعتصر قلوب العراقيين) مقابل الادّعاء بكونه تمثيلاً ديمقراطياً لإرادة الشعب.

رئيس البرلمان محمد الحلبوسي

تعديل الدستور "الملغوم"... لماذا؟ وكيف؟
من تلك الملامح الكارثية في جوهرها؛ جاءت دعوة الرئيس صالح للتعديل "الملغوم" للدستور العراقي، بأكثر من سبب مولّد للأزمات، وهي دعوة قوبلت بترحاب قوى واسعة، وفق وكالة الحدث الإخبارية، بينها "المشروع الوطني العراقي"، الذي أصدر بياناً يمكن التوقف عند أبرز ما فيه:

برهم صالح: نحن في حاجة إلى قانون انتخابات يؤمّن للعراقيين فرصةً مضمونةً للتعبير عن رؤيتهم حول بلدهم بدون انتقاص وتلاعب

*تأييد دعوة الرئيس برهم صالح حول إعادة النظر في الدستور عبر انعقاد مؤتمر وطني شامل للنظر في الدستور الحالي، ومراجعة نظام الدولة والعلاقات البينية بين السلطات.
*الدعوة لتعديل الدستور جاءت ردَّ فعل مستحق ومناسب للمطالب الشعبية العادلة التي عبّر عنها المتظاهرون.
*الدعوة لتعديل الدستور مفتاحٌ لكلّ الحلول الممكنة في العراق، والتي تتمركز في بنية العملية السياسية وفشلها.
*مراجعة الدستور وربما تعديله أو إعادة كتابته لا يمكن أن تجترّ بدورها الأخطاء السابقة نفسها التي ارتكبت وقت كتابته.
*استبعاد كلّ القوى السياسية التقليدية التي ساهمت في وضع الدستور الحالي من عملية المراجعة.
*وجود القوى السياسية التقليدية التي ساهمت في وضع الدستور الحالي سيكون سبباً للتشكيك بجدوى العملية بكاملها.

اقرأ أيضاً: قمع التظاهرات العراقية.. هل تغير الوضع عن النظام السابق؟
*وجود القوى السياسية التقليدية التي ساهمت في وضع الدستور الحالي سيكون مجرد وسيلة لاحتواء إرادة الشعب وكسب الوقت من أجل التسويف والدوران في الدائرة نفسها من الفشل.
ولتحويل تلك الدعوة بتعديل الدستور وتحويله إلى وثيقة قابلة للحياة، لا أن يكون معرقلاً لها، فضلاً عن ضرورة أن يكون منظماً للعلاقة بين الحكم والمجتمع، ثمة إجماع بين قطاع واسع من العراقيين على إيجاد هيئة تسند إليها مهمة إعادة كتابة الدستور شرط أن "تشمل شخصيات من الكفاءات الأكاديمية غير المنتمية إلى أيّ تنظيم حزبي أو سياسي، ولم تتقلد أيّ منصب إداري بدرجة مدير عام فما فوق".
وأن تتولى دعوة الكفاءات الأكاديمية والقانونية المتخصصة بالدساتير، وممثلي المجتمع المدني، لإقامة "مؤتمر وطني شامل".
ولأنّ الثقة باتت معدومة بهيئات السلطة الحاكمة في العراق، حتى إن كانت تسمية تلك الهيئات تحمل وصف "المستقلة"، باتت معظم القوى في البلاد ترى ألّا إصلاحات جدية ولا انتخابات حقيقة دون إشراف أممي.
هذا، وغيره، يؤكّد عليه حتى ممن تولوا المسؤولية الأعلى في البلاد، فرئيس الوزراء السابق، وزعيم "تحالف النصر" حالياً، حيدر العبادي، اقترح، الأسبوع الماضي، 7 مقترحات "تضع حدّاً للأزمة الراهنة"، أبرزها:
* تشكيل محكمة قضائية مستقلة لحسم سريع ونزيه وعادل لجميع ملفات الفساد.

حيدر العبادي: يجب ضمان آلية انتخابية نزيهة وبإشراك أممي بالإشراف على الانتخابات ونزاهتها

*الدعوة لانتخابات برلمانية ومحلية مبكرة على ألّا يتجاوز سقفها 2020، مع تعديل قانون الانتخابات الحالي، وضمان آلية انتخابية نزيهة وبإشراك أممي بالاشراف على الانتخابات ونزاهتها.
* تتعهّد الأحزاب المشاركة بالانتخابات بضمان تشكيل حكومات مستقلة، وإنهاء المحاصصة المقيتة، وتفعيل مجلس الخدمة الاتحادي، والشروع بوضع مسارات التغييرات الدستورية اللازمة، ووضع خريطة طريق واضحة لانتشال الدولة من الإفلاس والعجز؛ بسبب السياسة الريعية والذهاب إلى التنوع الاقتصادي الحيوي لتوفير فرص عمل للشباب والعاطلين عن العمل، وبضمان المصالح الوطنية بعيداً عن أيّ محور إقليمي ودولي.
الجانب الأول من دعوة العبادي لجهة محكمة قضائية مستقلة في قضايا الفساد، يأتي مناقضاً لما هو سائد؛ فالحكومة المتهمة بالفساد، بكلّ وزاراتها ومؤسساتها، هي من تقود "الجهاز الأعلى لمكافحة الفساد"، فرئيس الوزراء، عادل عبد المهدي، أسّس ذلك الجهاز مع وجود أكثر من هيئة حكومية وبرلمانية تقوم بالواجب ذاته.
وثمة جانب آخر مماثل؛ فالحكومة المتهمة بالقمع الواسع للمظاهرين، هي من تقوم بالتحقيق في تلك الجرائم عبر لجنة من وزرائها، وتمّ تشكيلها بأمر من رئيسها!
لكنّ هذا الخيار "الإصلاحي" قد لا يبدو جذاباً، في "ضوء انعدام الثقة بين الشعب والطبقة التي حكمت وأفسدت طوال 16 عاماً" كما يقول الأكاديمي، الدكتور ياسين البكري، في مقال له على موقع "ناس  نيوز"، ومع ذلك "يبدو هذا المسار الأقرب للعقلنة والأقلّ كلفة، والذي يحقق إرضاء ومكاسب نسبية للشعب، والمعادلة هنا قائمة على صعود قوى المعارضة الشعبية درجة ونزول السلطة وطبقتها السياسية درجة؛ أي إنّه مسار تدرجي ومساحة مساومة تجنب النظام السياسي والشعب خطوط القطع والمواجهة الصفرية".

الصفحة الرئيسية