كيف نفسّر سياسات حزب الله في ضوء علاقته بالاقتصاد السياسي للبنان والشيعة؟

كيف نفسّر سياسات حزب الله في ضوء علاقته بالاقتصاد السياسي للبنان والشيعة؟

مشاهدة

14/09/2020

شهد لبنان سلسلة من التحوّلات السوسيو اقتصادية الحادة، خاصة أثناء اندلاع الحرب الأهلية التي استمرّت ما يقرب من 15 عاماً؛ لتنتهي باتفاق الطائف الذي تمّ بوساطة سعودية في 30 أيلول (سبتمبر) من العام 1989 وتمّ إقراره بقانون بتاريخ 22 تشرين الأول (أكتوبر) من   العام نفسه.

 

استفاد حزب الله من نجاح الثورة الإسلامية في إيران الذي تزامن مع خفوت المد القومي العربي

أدّت تلك الحرب التي أنهكت المجتمع اللبناني إلى صعود قوى سياسية جديدة وتحلل قوى سياسية قديمة ظلت تحكم المعادلة اللبنانية لعقود، وكان حزب الله أبرز تلك القوى الصاعدة على المسرح السياسي اللبناني الذي يتسم بالتعددية الدينية والتنوع المذهبي.

أسباب الصعود

لقد استفاد حزب الله من نجاح الثورة الإسلامية في إيران الذي تزامن مع خفوت المد القومي العربي، ورغبة إيران في تصدير الثورة إلى الخارج، وإنهاك القوى الفلسطينية التقدمية نتيجة لتورطها في الحرب الأهلية اللبنانية مع الضغط الإسرائيلي العنيف عليها، كما تدعم مركز الحزب كفاعل أساسي في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.

 

حزب الله شجّع الخط الاقتصادي الصاعد ذا السياسات التحريرية والتقشفية وانحاز إلى البرجوازية العليا

يسعى كتاب “Hezbollah The Political Economy Of Lebanon’s Party of God” أو "حزب الله، الاقتصاد السياسي لحزب الله اللبناني" للباحث السوري جوزيف ضاهر للإجابة عن عدة أسئلة، أهمّها كيف نفسّر سياسات ومواقف حزب الله في ضوء علاقته بالاقتصاد السياسي للبنان وبشيعة لبنان؟ وكيف استطاع تأسيس كل تلك الشعبية؟ وما هو دور قدرات حزب الله في السيطرة على شيعة لبنان؟ وكيف يمكن أن نفسّر التطور السياسي والاجتماعي لحزب الله؟

غلاف الكتاب

براغماتية التكيف مع الرأسمالية

 يرى ضاهر، مستعيناً بالمنهج التاريخي والمادي لفهم حركات الإسلام السياسي، أنّ حركات الإسلام السياسي لا تستمدّ شرعية وجودها من مجرد المقولات والشعارات التراثية والماضوية التي تنتجها وتستخدمها، ولكن أيضاً نتيجة لإشباعها احتياجات الواقع المعيش الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأنّ صعود تلك الحركات يجب وضعه في السياق الاجتماعي والاقتصادي الذي تظهر فيه، فممارسات حزب الله على الأرض تمثل انعكاساً لطبيعة البيئة الرأسمالية التي يتعاطى معها ويسعى للتكيف معها وتعظيم استفادته منها.

 

الكتاب يسعى للإجابة عن عدة أسئلة أهمّها تفسير سياسات ومواقف الحزب في ضوء علاقته بالاقتصاد السياسي للبنان وبشيعته؟

لقد خرج حزب الله من مناطق الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية في بيروت، وهي مناطق ذات الأغلبية الشيعية الطاغية، وهي القاعدة الاجتماعية التي تغذي حزب الله بالمقاتلين والدعم المادي واللوجستي.

وقد شهدت تلك الطائفة مثل باقي لبنان عدداً من التغيرات السوسيو اقتصادية الحادة منذ إعلان استقلال لبنان عن الانتداب الفرنسي في 22 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 1943 وحتى اليوم، حيث كانت الطائفة الشيعية وقت الاستقلال الطائفة الأشد فقراً، والأكثر أميّة بنسبة 68.9% من إجمالي الطائفة؛ نتيجة اشتغالها بالقطاع الزراعي، على عكس الطائفتين السنيّة والمارونية اللتين اشتغلتا بالتجارة والخدمات، وارتبطتا بحركة التجارة الخارجية مستفيدتين من التحالف مع الانتداب الفرنسي.

كما أنّ عدد كبار الموظفين الشيعة في جهاز الدولة اللبنانية في العام 1946 لم يتعدّ 3.2% من إجمالي كبار العاملين في الدولة، برغم أنهم يمثلون 18% من سكان لبنان حينها، كما سيطرت على الطائفة حينها 6 عائلات فقط سياسياً واقتصادياً، كان فقراء الشيعة والبرجوازية الصغيرة هما القاعدة الاجتماعية التي تمدّ حزب الله في البداية قبل أن يتمدّد حزب الله ليصل إلى كلّ الطبقات الشيعية ويتحالف مع البرجوازية بكافة أنواعها الموجودة داخل لبنان وخارجه، وقد ساعد الحزب تلك القطاعات الفقيرة في الطائفة عبر تقديم الخدمات الاجتماعية والاقتصادية.

الاستفادة من الإصلاحات الاقتصادية

لقد شهدت الطائفة الشيعية تقدّماً ملحوظاً تمثل في ظهور طبقة وسطى متعلمة وطموحة تسعى لتحدي وضعها الهامشي؛ من خلال العمل في دول الخليج والهجرة إلى أفريقيا وأمريكا الجنوبية وإرسال تحويلات إلى عائلاتهم في لبنان، وقد ساعد وجود شخصيات شيعية مثل الشيخ موسى الصدر والشيخ محمد حسين فضل الله في تنظيم شتات تلك الطائفة التي عانت لعقود من التهميش عبر تأسيس مؤسسات ثقافية واقتصادية لرعاية أبناء الطائفة.

 

يرى ضاهر أن صعود تلك الحركات يجب وضعه في السياق الاجتماعي والاقتصادي الذي تظهر فيه

ووفقاً لضاهر، فقد ساعد الإصلاح الاقتصادي الذي تبنته لبنان بعد خروجها مباشرة من الحرب الأهلية العام 1990 في تعزيز مكانة الطائفة الشيعية، وعبر سلسلة من الإجراءات النيوليبرالية التي شهدها الاقتصاد اللبناني تمكنت الطائفة من امتلاك الكثير من المشروعات الرأسمالية الناجحة التي ركزت بشكل أساسي على البناء والتجارة، وكانت إعادة بناء المناطق المدمرة والفقيرة وخاصة جنوب بيروت -وهي المناطق التي تتميز بوجود تجمعات كبيرة من الطائفة الشيعية- وسيلة للاستثمار المربح لطبقة من المستثمرين الشيعة، على عكس الطائفتين السنيّة والمارونية اللتين تدهورت مكانتهما أثناء الحرب.

واللافت للانتباه أنّ حزب الله شجّع هذا الخط الاقتصادي ذا السياسات التحريرية والتقشفية، وانحاز إلى البرجوازية العليا التي ستستفيد من تلك الإجراءات الاقتصادية وستتضخم ثرواتها، وبدعم كبير من التحويلات المالية من المهاجرين الشيعة الناجحين، ومن تعويضات ما بعد الحرب أيضاً، حيث مال هذا الاستثمار إلى التركيز على فرص السكن والسياحة للعائلات الشيعية ذات الدخل المتوسط والعالي.

 

شهدت الطائفة الشيعية تقدّماً ملحوظاً تمثل بظهور طبقة وسطى متعلمة وطموحة تسعى لتحدي وضعها الهامشي

وقد تمّ تنظيم هذه الاستثمارات بشكل يقوم على النمط الطائفي والزبائني الذي يسود بقية الرأسمالية اللبنانية، ما يعني أنّ حزب الله يوظف موقعه في السلطة لصالح الشركات الشيعية، بمنحها إعانات، وموافقات البناء والتغطية الإعلامية التفضيلية، وحينما تولى عضو من حزب الله منصب وزير الزراعة، فإنه التزم بتلك الإجراءات التقشفية، ولم يجرِ أيّ إصلاحات زراعية حقيقية.

وعزّز حزب الله مكانته الاقتصادية مستفيداً من تلك السياسات، فامتلك مئات المحال ومحطات الوقود والمخازن والمطاعم وشركات السياحة وشركات البناء والتشييد معتمداً على تمويل الطبقة الوسطى والبرجوازية، عبر الزكاة وتحويلات اللبنانيين المقيمين بالخارج بالإضافة إلى الدعم الإيراني.

تحالف مع البرجوازية الشيعية

 كما عزّز حزب الله من تحالفاته مع البرجوازية الشيعية، عبر انتقاء عدد من تلك الطبقة ليكونوا ممثلين للحزب في المجلس النيابي، فـخمسة من أصل عشرة نواب منتخبين من حزب الله يحملون شهادات الدكتوراه، و4 آخرون على الأقل يعملون في مجال الأعمال بلبنان، وعلي عمار نائب حزب الله الأطول خدمة ينتمي إلى عائلة من أغنى العائلات في برج البراجنة، وقد نجح الحزب في السيطرة على أغلب النقابات المهنية اللبنانية، ففي العقد الماضي سيطر الحزب على نقابة المهندسين والمهندسين المعماريين، وعلى منصب نائب رئيس نقابة أطباء الأسنان، ونجحوا في تمثيلهم في المجموعة الحاكمة في نقابة الأطباء.

الحزب إذاً برغم مناهضته العلنية للسياسات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، وفقاً للخطاب المفتوح الذي نشره حزب الله لحظة تأسيسه في العام 1985، حيث وصف الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بعدوّي الإسلام الرئيسيين، ودعا إلى تدمير إسرائيل التي وصفها بأنها تحتل أراضي المسلمين وحتى الآن، فإنه لا مانع لديه من تبنّي السياسات النيو ليبرالية مادامت تؤدّي إلى تعزيز مركزه السياسي، حتى وإن كانت على حساب الفقراء والمهمّشين الذين دعموه قديماً.

الصفحة الرئيسية