
ترجمة وتحرير عبود الجابري
يُنظرُ إلى الذاكرةِ عادةً بوصفِها إحدى أهمِّ قدراتِ الإنسانِ، ويرتبطُ امتلاكُ ذاكرةٍ قويةٍ بالذكاءِ والقدرةِ على التعلُّمِ. لكنَّ علماءَ الإدراكِ يشيرونَ إلى جانبٍ آخرَ لا يقلُّ أهميةً عن النسيانِ، فالعقلُ الذي يحتفظُ بكلِّ شيءٍ سيكونُ مثقلًا بمعلوماتٍ غيرِ ضروريةٍ وذكرياتٍ مؤلمةٍ وتفاصيلَ فقدتْ قيمتَها، لذلك فإنَّ النسيانَ ليسَ خللًا، بل وظيفةٌ أساسيةٌ تساعدُ الدماغَ على العملِ بكفاءةٍ.
يقولُ علماءُ الأعصابِ إنَّنا نبدأُ بالنسيانِ منذُ اللحظةِ التي نبدأُ فيها بالتذكُّرِ، وهذا أمرٌ صحيٌّ، فالأشخاصُ الذينَ يمتلكونَ ذاكرةً استثنائيةً جدًا قد يعانونَ أحيانًا من عجزِهم عن التخلُّصِ من التفاصيلِ غيرِ المهمةِ، ومن أشهرِ الأمثلةِ حالةُ الصحفيِّ الروسيِّ سولومون شيريشيفسكي، الذي كانَ قادرًا على تذكُّرِ كمياتٍ هائلةٍ من المعلوماتِ، لكنّه كانَ يعاني من ازدحامِ ذهنِهِ بالذكرياتِ المتنافسةِ، حتى إنَّه حاولَ التخلُّصَ من بعضِ الذكرياتِ بكتابَتِها ثمَّ إحراقِها، دونَ أن ينجحَ في محوِ آثارِها.
في الحياةِ اليوميةِ يحدثُ معظمُ النسيانِ بصورةٍ تلقائيةٍ، لأنَّ المعلومات التي لا ننتبهُ إليها أو لا نحتاجُ إليها غالبًا؛ لا يتمُّ تخزينُها بقوةٍ في الذاكرةِ، كما تضعفُ بعضُ الذكرياتِ مع مرورِ الوقتِ أو تتأثرُ بذكرياتٍ جديدةٍ تحلُّ محلَّها، غير أنَّ العلماءَ اكتشفوا نوعًا آخرَ من النسيانِ أكثرَ إثارةً للاهتمامِ، وهو النسيانُ المتعمَّدُ أو المحفَّزُ، حيثُ يستطيعُ الإنسانُ بدرجةٍ معينةٍ التحكُّمَ فيما يريدُ الاحتفاظَ به وما يريدُ إبعادَهُ.
وأظهرتْ تجاربُ عالمِ الأعصابِ جوناثانَ فاوست أنَّ الإنسانَ قادرٌ على إضعافِ بعضِ الذكرياتِ بمجرَّدِ توجيهِ انتباهِهِ بعيدًا عنها، حيث عُرضتْ على المشاركينَ في تجاربِ "النسيانِ الموجَّهِ"، قوائمُ من الكلماتِ، ثمَّ طُلبَ منهم تذكُّرُ بعضِها ونسيانُ بعضِها الآخرِ، وكانتِ النتيجةُ أنَّ الكلماتِ التي طُلبَ نسيانُها أصبحتْ أضعفَ حضورًا في الذاكرةِ مقارنةً بتلكَ التي طُلبَ الاحتفاظُ بها.
ولا يعني هذا أنَّ الإنسانَ يستطيعُ حذفَ ذاكرتِهِ كما يحذفُ ملفًا من جهازٍ إلكترونيٍّ، لأنَّ الدماغَ يمتلكُ آلياتٍ تساعدُهُ على تقليلِ قوةِ بعضِ الذكرياتِ أو منعِ استعادَتِها، فنحنُ في حياتِنا اليوميةِ نعيدُ تشكيلَ ذكرياتِنا باستمرارٍ من خلالِ اختيارِ ما نركِّزُ عليهِ وما نتجاهلُهُ.
ومن أشكالِ النسيانِ المتعمَّدِ ما يُسمَّى "النسيان الناتج عن الاسترجاع"، فعندما نستعيدُ ذكرى معيَّنةً بصورةٍ متكرِّرةٍ، قد تنمو هذه الذكرى بينما تضعفُ ذكرياتٌ أخرى مرتبطةٌ بها، وبذلكَ نعيدُ بناءَ قصَّتِنا الشخصيةِ بالطريقةِ التي نرى بها أنفسَنا، فالشخصُ الذي يعتقدُ أنَّهُ إنسانٌ مسؤولٌ، مثلًا، يميلُ إلى تذكُّرِ المواقفِ التي تؤكِّدُ هذه الصورةَ عن نفسِهِ، وقد تصبحُ الأخطاءُ الصغيرةُ أقلَّ حضورًا مع مرورِ الوقتِ.
أمَّا عالمُ النفسِ المعرفيُّ مايكل أندرسون فقد درسَ طريقةً أخرى للتحكُّمِ في الذكرياتِ من خلالِ تجاربَ أطلقَ عليها "التفكيرَ وعدمَ التفكيرِ"، فطلبَ من المشاركينَ أن يربطوا كلماتٍ معيَّنةٍ بذكرياتٍ، ثمَّ يحاولونَ منعَ استحضارِ بعضِ هذه الذكرياتِ عندَ رؤيةِ الكلماتِ المرتبطةِ بها، فأظهرتِ النتائجُ أنَّ الدماغَ يستطيعُ بالفعلِ إرسالَ إشاراتٍ تمنعُ ظهورَ الذكرى، بطريقةٍ تشبهُ قدرةَ الإنسانِ على إيقافِ حركةٍ جسديةٍ قبلَ حدوثِها.
وتشيرُ دراساتُ الدماغِ إلى أنَّ عمليةَ كبحِ الذكرياتِ ترتبطُ بدورِ قشرةِ الفصِّ الجبهيِّ التي ترسلُ إشاراتٍ إلى الحُصينِ، وهو الجزءُ المسؤولُ عن تخزينِ واسترجاعِ الذكرياتِ، ومعَ تكرارِ هذه العمليةِ، تصبحُ بعضُ الذكرياتِ أقلَّ وضوحًا وأقلَّ تأثيرًا عاطفيًّا.
وقد استخدمَ الباحثونَ هذه التقنيةَ لمساعدةِ الأشخاصِ على التعاملِ مع الأفكارِ المقلقةِ، ففي دراسةٍ حديثةٍ، تدرَّبَ المشاركونَ على إيقافِ التفكيرِ في مخاوفَ مرتبطةٍ بجائحةِ كوفيد-19 وتجاربَ مؤلمةٍ أخرى، وبعدَ التدريبِ أصبحتِ الذكرياتُ أقلَّ تفصيلًا وأقلَّ إزعاجًا، واستمرَّ هذا التأثيرُ لدى كثيرٍ منهم بعدَ مرورِ أشهرٍ.
لكنَّ النسيانَ لا يعني الهروبَ من الماضي أو محاولةَ محوِ كلِّ تجربةٍ مؤلمةٍ. فبعضُ الذكرياتِ السلبيةِ ضروريةٌ للتعلُّمِ والنموِّ، والفكرةُ الأساسيةُ هي أنَّ الإنسانَ يمتلكُ قدرةً على إدارةِ انتباهِهِ وذكرياتِهِ بدلَ أن يكونَ أسيرًا لها، في وقتٍ أصبحتْ عمليةُ التذكُّرِ فيه، أكثرَ تعقيدًا في عصرِ التكنولوجيا، فالهواتفُ الذكيةُ ووسائلُ التواصلِ الاجتماعيِّ تعيدُ إلينا صورًا وذكرياتٍ ربما كنَّا قد نسيناها، وعندما يظهرُ الهاتفُ صورةً قديمةً، فإنَّهُ لا يستعيدُ فقط ذكرى معيَّنةً، بل قد يعيدُ تشكيلَ الطريقةِ التي نفهمُ بها ماضينا، وقد يؤدِّي الاعتمادُ المتزايدُ على هذه التقنياتِ إلى جعلِ بعضِ الذكرياتِ أكثرَ حضورًا، بينما تتراجعُ ذكرياتٌ أخرى لم تُوثَّقْ بالصورِ.
يرى العلماءُ أنَّ النسيانَ الجيِّدَ لا يقلُّ أهميةً عن الذاكرةِ القويةِ، فهو يساعدُنا على التخلُّصِ من القلقِ، وإعادةِ بناءِ صورتِنا عن أنفسِنا، وجعلِ أدمغتِنا أكثرَ مرونةً، ويعتقدُ بعضُ الباحثينَ أنَّ النسيانَ قد يكونُ عنصرًا أساسيًّا في الإبداعِ؛ لأنَّ العقلَ يحتاجُ إلى مساحةٍ لإعادةِ تركيبِ الأفكارِ القديمةِ وإنتاجِ أفكارٍ جديدةٍ.
إنَّ ما ننساهُ لا يقلُّ أهميةً عمَّا نتذكَّرُهُ، فالذاكرةُ ليستْ سجلًّا ثابتًا للحياةِ، وإنّما هي عمليةٌ مستمرَّةٌ من الاختيارِ وإعادةِ البناءِ، ومن خلالِ فهمِنا للقدرةِ على النسيانِ، نكتشفُ أنَّ العقلَ لا يحفظُ الماضي فقط، بل يعيدُ تشكيلَهُ بما يساعدُنا على الاستمرارِ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ شايلا لوف: صحفيةٌ تقيم في بروكلين، تكتبُ عن العلوم والصحة والعقل، وتهتمّ بدراسة كيفية تفاعل التاريخ والثقافة والفلسفة مع الأبحاث المعاصرة.
ـ المصدر: nationalgeographic.com

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/StMPEl1Fc9xKmBXazZnIjk-Qf2HwVEc9IMLSJyyYwvnL-nbkldTJkVyF0xZ4wmZTqx4wF8zOrmNxGT9rEVwLKsidfRueyzzMk7YUS6q9nMldJtUVWz-DmwTkPc8m9mN-QnPpzYWhM8AWNniyOaQi8U8H6-F616d49rb4vUC-akA3riYxHsDJ6eMN7GeWHp4O.jpg.webp?itok=AHmLtY3j)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_206_0.jpg.webp?itok=54BJ5L6Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%86_6_2_0_4_1.jpg.webp?itok=HiSjRkaZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0.jpeg.webp?itok=GwiyL61a)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B1%D8%AF%D9%88%D8%BA%D8%A7%D9%86_92_1_0_0.jpg.webp?itok=C4z25v-X)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/F48mg1VTbIqzfAicFS7Rpivte6VpRUzZukpWNLTJHcx7imSU4Bqq58f1gzPNdAYSMGkdgyrEGEHismcmElVJUbPk4fX8cPue1gvDzSbGFaCX8K6fvt429_F0vinT4mEhOUPq7rbq53C37onaHHa8aRhrdq_PgmDRNHfpL983i6sTe__4awjL5a81Nfz0GADB.jpg.webp?itok=K6176ejz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_1_5_1.png.webp?itok=Fb6uB5fW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/KwVHMk9_iXW2OmEEwYzKw9YwtnojyB58oWT2f8aqcH2oxPDboVp672B3lIznXWDzyHwtCTD_IG3v80sV3yfOBP0d54vKq0PhgrsZ9xgCULQKjJIVUoO5aC2E8247S0SM0410uXoA-I06c-smYPMwz2pBPTCSKFVEHLVjWcy3KIzrKXaLLN8633CRzGHDqDUy.jpg.webp?itok=A0vfHZK1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_40_0.jpg.webp?itok=qv1UIFJ2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0_1_0.jpg.webp?itok=hImxY3gi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1_1_6_0_0_0_1_2_1_0.png.webp?itok=pHZz6M_H)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/G8aSC3poWT22tcUMyixO__4tQqNBq8w6f5n8Ng0kNzKzU817899X4Cy-okoyZf-AFMRWoARG4d5hHpS9zHYq2eLyk6J2hUKB35h6akd7e9rLkFCrwgFRF0esXNQzuggReKZC_Q4D3ReNI2JKHzESJ63I8O5Dqsd593N0aQ37U5BJGzL4PSKQ9BMn2iKhhT7g%20%281%29.jpg.webp?itok=rQ_sZOWG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0_5_0.jpg.webp?itok=C6ynXhh9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_5.png.webp?itok=h3R86nbr)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%81_5.jpg.webp?itok=I2pS18mO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_0_0_0_0_0_0_2_0_1_2.jpg.webp?itok=Eub_WwrE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_93.png.webp?itok=wop19a6T)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/900_0.png.webp?itok=FYTtVJ5O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

