كيف سلّم حزب الله اللبناني العميل الفاخوري لأمريكا؟

كيف سلّم حزب الله اللبناني العميل الفاخوري لأمريكا؟

مشاهدة

28/03/2020

إنّ الزعم بوجود سلطة في لبنان اليوم، قادرة على الحكم خارج إطار سلطة حزب الله؛ أمر مثير للسخرية، وهو ما يُدركه الحزب الذي لا يعترف بالجيش اللبناني ولا بعلم الدولة اللبنانية، ولا يخرج عن كونه داخل دولة؛ لها جيشها وأسلحتها وسياساتها وعلاقاتها، ويؤكّد صباحاً ومساءً على لسان قائده، حسن نصرالله، بأنّه جزء من دولةِ ونظام الولي الفقيه في إيران، يبني علاقاته مع الأطراف اللبنانية "مسيحية وسنّية" بقدر اقترابها أو ابتعادها عن التوافق مع سياساته، وربما لا تحتاج هذه المقاربة لشواهد وإثباتات منذ حرب تموز عام 2006، التي أكّدت أنّ كل ما يقوم به حزب الله من حروب أو أدوار في سوريا أو اليمن أو العراق وحتى في أمريكا اللاتينية وأوروبا؛ يتم بتنسيق كامل من قبل القيادة الإيرانية وبما يخدم أجندتها.

ما يقوم به حزب الله من حروب أو أدوار في سوريا أو في اليمن أو في العراق وحتى في أمريكا اللاتينية وأوروبا؛ يتمُّ بتنسيق مع إيران

في سياق هذه المقاربة، يمكن قراءة ما حدث في لبنان قبل أيام من تسليم العميل الإسرائيلي "عامر الفاخوري" للسلطات الأمريكية؛ حيث حطّت طائرة هليكوبتر في بيروت واستلمت الفاخوري من سجنه بإشراف "السلطات اللبنانية"، دون أن تعترضها منظومات صواريخ حزب الله اللبناني الإيرانية الصنع، القادرة على إصابة أهدافها بدقة.
ومعلوم أنّ عامر الفاخوري لبناني يحمل الجنسية الأمريكية، عمل في جيش لبنان الجنوبي، الذي تمّ تشكيله من ضباط لبنانيين خلال المواجهات بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية المُسلّحة، وهدفه مساندة إسرائيل في صدّ هجمات الفصائل اللبنانية والفلسطينية ضدها، ثمّ تحوّل هذا الجيش إلى قوة عسكرية مدعومة من إسرائيل بعد اجتياحها بيروت عام 1982.

اقرأ أيضاً: حزب الله وتطبيع الخيانة
وكعادته؛ كان لا بدّ لحزب الله من مواجهة فضيحة تسليم الفاخوري، خاصة بين قواعده التي تعرف جيداً أنّ الحزب يقود لبنان وأنّ قراراً بمستوى تسليم عميل بوزن الفاخوري، ما كان ليتم لولا موافقة الأمين العام نصر الله شخصياً؛ فظهر الأخير بخطاب أعلن فيه أنّه ومعه حركة أمل لا علم لهما بالعملية، ويبدو أنّ نصر الله كان يقصد أنّه لم يطّلع على تفاصيل وكيفية عملية التسليم التي نُفذّت من قِبل رئيس الجمهورية وصهره الوزير "جبران باسيل"، وليس مطلوباً من حزب الله أن يكون أمينه العام مطلعاً على التفاصيل.
ولعلّ التساؤل المطروح هو سياقات تسليم الفاخوري، وما الذي أراده حزب الله وحليفه "رئيس الجمهورية" من هذه العملية؛ التي تُخالف شعارات الحزب بمواجهة أمريكا وإخراجها من المنطقة، خاصة بعد قيامها بقتل قاسم سليماني، المفترض أنّ دماءه لم تجف بعد؟

اقرأ أيضاً: "حزب الله"... خلايا قائمة وقادمة
الحقيقة المؤكدة، أنّ حزب الله مطلع على عملية التسليم والمفاوضات التي تمّت قبل العملية؛ من خلال رئاسة الجمهورية اللبنانية، والمُرجّح أنّ عملية التسليم قرار لحزب الله وليس لميشال عون، وتمّت بأوامر من المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، خاصة وأنّ تسليم الفاخوري تزامن مع عمليات تسليم أمريكيين مسجونين في إيران، ومع دول أوروبية منها فرنسا، كما أنّ عملية بهذا الحجم تُشكّل ورقة بيد حزب الله تُفندّ مزاعم أمريكية وأوروبية بأنّه يُسيطر على الحكومة اللبنانية، التي يبدو أنّ رئيسها "حسان دياب" تابع أخبار تسليم الفاخوري من وسائل الإعلام.

عامر الفاخوري لبناني يحمل الجنسية الأمريكية، عمل في جيش لبنان الجنوبي الذي تمّ تشكيله من ضباط لبنانيين بهدف مساندة إسرائيل

أمّا بالنسبة لوزير الخارجية جبران باسيل؛ فإنّ موافقته على تسليم الفاخوري غير بعيدة عن تقديم براءات حسن سلوك؛ تُمهّد له الطريق لخلافة ميشال عون في رئاسة الجمهورية، وهو ما يعمل عليه جاهداً عبر اتصالات مع قوى دولية على رأسها الولايات المتحدة، فضلاً عن الإشارات المتضاربة والمتكررة تجاه إسرائيل، التي لا تُنهي تحالفه مع حزب الله اللبناني.
إنّ تسليم الفاخوري، وبمعزل عن مزاعم حزب الله، أكدّ مجدداً أنّ الحزب هو من يقود لبنان وأنّ سياساته القادمة ستبقى رهينة لتطورات الصراع بين أمريكا وإيران، وأنّ لديه الاستعداد لاتخاذ أية خطوات تخدم إيران فقط، بما في ذلك الأدوار التي يمارسها في لبنان وسوريا وفي العراق واليمن. وعلى خلفية ما يجري في إيران من تدهور حاد، ليس بعد تفشي كورونا فحسب، وإنما في إطار الصراعات الداخلية الحادة، فمن المرجّح أن يُقدِم حزب الله على خطوات غير متوقعة تتجاوز مسألة تسليم عميل إسرائيلي لأمريكا، تعكس التحولات الإيرانية القادمة، التي أصبحت خياراتها محدودة جداً، أقربها واقعية؛ هو التعاطي مع ما تطرحه أمريكا.


الصفحة الرئيسية