كيف تحوّلت غزة من مصدّر للورود إلى مستورد لها؟

غزة

كيف تحوّلت غزة من مصدّر للورود إلى مستورد لها؟

مشاهدة

22/04/2020

تغريد علي

انتكاسة كبيرة أصابت قطاع زراعة الزهور في غزة، بعد أكثر من 20 عاماً من ازدهار زراعتها وتصديرها إلى معظم الدول الأوروبية، إلا أنّ عراقيل التصدير والحصار الإسرائيلي جعلت أصحاب مزارع الورود في القطاع غير قادرين على الاستمرار في زراعته وتصديره، وهو ما أدى إلى تقليص المساحات المخصصة لزراعة الورود، وتراجع الإنتاج بشكل جلي، وانصراف المزارعين عن زراعتها، للخسائر الكبيرة وغياب التمويل، ليتحول قطاع غزة من أبرز مصدّري الورود إلى أوروبا إلى مستورد لها، لتغطية العجز الحالي في الأسواق المحلية.

اقرأ أيضاً: هل يفتك كورونا بالنسيج الاجتماعي في غزة؟

ووفق بيانات صادرة عن وزارة الزراعة الفلسطينية؛ فإنّ قطاع غزة كان ينتج، قبل جائحة كورونا، نحو 55 مليون زهرة في عام 2000، وبسبب حصار الاحتلال الإسرائيلي والتضييق على التصدير، وصلت أعداد الزهور في قطاع غزة إلى 40 ألف زهرة فقط عام 2016.

تحول قطاع غزة من أبرز مصدّري الورود إلى أوروبا إلى مستورد لها

ورغم التكاليف الباهظة التي يتكبدها مزارعو الزهور، إلا أنّ هذا القطاع يبقى من القطاعات الإنتاجية الزراعية المهمة في قطاع غزة؛ إذ يسهم بحوالي 25 مليون دولار سنوياً من الدخل القومي، ويبلغ عدد العمال الذين يعملون في قطاع الزهور 4500 عامل، وذلك بشكل مباشر أو غير مباشر.

اقرأ أيضاً: سيدات في الحجر الصحي بغزة: غياب الخصوصية وانعدام النظافة

وتسبّب توقف "المشروع الهولندي"، الذي بدأ عام 2006، لدعم زراعة الزهور في قطاع غزة إلى توقف زراعتها في القطاع؛ حيث شكل المشروع نقطة تحول إيجابية لأصحاب المزارع الذين دعموا بمبلغ ثلاثة آلاف دولار لكلّ ألف متر، وقد توقف المشروع في بداية عام 2012؛ لأنّ الأسواق الهولندية لم تعد قادرة على تحمل ما تفرضه إسرائيل عليها من إغلاق أمام رغبتها في الحصول على ورود غزة، وقد جعلت إسرائيل التُجار يعجزون عن الإيفاء بالتزاماتهم، لتبحث هولندا عن أسواق جديدة.

انتكاسة كبيرة
من جهته، يقول المزارع سلمان القاضي (40 عاماً) من رفح جنوب قطاع غزة، والذي كان يمتلك 42 دونماً مزروعة بأنواع مختلفة من الورود، والحسرة تملأ وجهه؛ إنّه وبعد العام 2012، تعرّضت زراعة الورود لانتكاسة كبيرة، نتيجة توقّف الدعم الهولندي لمزارعي الورود، إضافة إلى إغلاق المعابر، ووقف تصدير الزهور إلى هولندا وألمانيا وبعض الدول الأوروبية".

عدم تصدير الورود للخارج وفقر السوق المحلية في شراء الكميات المزروعة في غزة، دفع المزارعين إلى العزوف عن ذلك

وتابع القاضي، في حديثه لـ "حفريات": "زراعة الورود كانت تدرّ أموالاً جيدة في السابق، لكن مع مرور الوقت أصبحت هذه الزراعة غير مجدية اقتصادياً، وتتسبّب بخسائر مالية باهظة للمزارعين، وقد تمّ استبدال زراعة الزهور بالخضروات، وذلك لصعوبة تسويق المنتج للخارج بفعل الإجراءات الإسرائيلية، الأمر الذي دفعني إلى تقليص مساحة الأراضي المزروعة بالزهور إلى 3 دونمات فقط، آملاً في أن يتحسن وضع هذه الزراعة من جديد، والباقي تم تخصيصه لزراعة أنواع متنوعة من الخضروات".

زراعة الورود كانت تدرّ أموالاً جيدة في السابق

ولفت إلى أنّ "زراعة الورود تحتاج إلى أيدٍ عاملة كبيرة للعناية بالأشتال الصغيرة والتي يتمّ جلبها من هولندا وإسرائيل وألمانيا، من بداية زراعتها حتى قطف المحصول؛ حيث كان يعمل لديه في السابق أكثر من 50 عاملاً، قام بتسريح 35 منهم، وانتقل العمال الباقون لمتابعة زراعة الخضروات، ويتقاضى كلّ عامل منهم مبلغ 1000 شيكل شهرياً، بعد أن كان العامل في دفيئات الورود يتقاضى 1400 شيكل إسرائيلي (400 دولار أمريكي)".

صعوبات كبيرة
وبيّن أنّ "الورود الغزية كانت تتمتع بسمعة طيبة في الدول الأوروبية، رغم ارتفاع تكاليف الإنتاج؛ حيث تقدر تكلفة زراعة الدونم الواحد ما بين 8 إلى 14 ألف دولار أمريكي، بالإضافة إلى حاجة الزهرة إلى عناية كبيرة وأدوية ومياه معدنية، وتستغرق هذه الفترة أكثر من 7 شهور، مشيراً إلى أنّ الوردة الواحدة كانت تباع في أوروبا، خاصة هولندا، بمبلغ 35 سنتاً وتباع مثيلتها من الوردة الأوروبية بمبلغ 17 سنتاً، حتى كان يطلق عليها محلياً "بترول غزة"، نظراً للعوائد المالية المرتفعة التي كانت تحققها زراعة الورود لدى المزارعين".

زراعة الورود تستغرق أحد عشر شهراً، وتبدأ من شهر حزيران، ويتمّ قطف المحصول في أيار

ووفق القاضي؛ كانت أرضه تزرع بأنواع متنوعة من الزهور؛ كاللوندا، والقرنفل الأمريكي والعادي، والجوري، والخرسيوت، والجربيرا، واللوعري، والعضعاض، إضافة إلى أشتال أخرى تصل إلى 100 نوع تقريباً، وكانت تصدّر إلى أوروبا، أما الآن فتقتصر الزراعة على القرنفل البلدي، الذي يفضّل المزارعون الفلسطينيون زراعته، وذلك لقدرته على تحمّل عوامل الطقس المتقلبة؛ حيث تباع جميع هذه الأنواع حالياً في الأسواق المحلية.

وعن أبرز الصعوبات التي تواجه زراعة الورود في الوقت الحالي، يقول القاضي: إنّ "إغلاق المعابر وعدم وجود الدعم الرسمي لهذه الزراعة، إضافة إلى منافسة الورد الصناعي للورد الطبيعي، الذي يتزايد الإقبال عليه لانخفاض أسعاره مقارنة بالورد الطبيعي، والذي يشبهه إلى حدّ كبير، وهي أزهار يتم تصنيعها من الجلد والقماش، ولا تتعرض للتلف سريعاً، وتحتفظ ببريقها لوقت طويل، على عكس الورود الطبيعية التي تتعرض للتلف بشكل كبير". 

الزهور طعام للأغنام والحيوانات
ولم يكن حال المزارع غازي صيام بأفضل من القاضي، والذي يمتلك 25 دونماً مزروعة بأنواع مختلفة من الورود، ويروي لـ "حفريات" تفاصيل معاناته في زراعة الزهور، فيقول إنّه اضطّر قبل عامين إلى قطف محصول الزهور وتقديمه كطعام للأغنام والحمير والأحصنة، بعد أن تعذّر تصدير محصوله إلى الخارج، وفشل في تسويقها داخل الأسواق المحلية.

زراعة الزهور أصبحت تشكّل خسارة وعبئاً كبيراً لمزارعيها

ولفت صيام (38 عاماً)، في حديثه لـ "حفريات"، إلى أنّ "زراعة الزهور أصبحت تشكّل خسارة وعبئاً كبيراً لمزارعيها، نظراً إلى تعرضها للتلف السريع؛ حيث يتطلب تصديرها حفظها في ثلاجات لا تتجاوز درجة حرارتها ثلاث درجات مئوية، ونتيجة انتظار الزهور على المعابر الإسرائيلية، وتعرضها لأشعة الشمس المباشرة دون حفظها في ثلاجات مخصصة، تفقد جودتها من حيث الرائحة واللون، بالتالي أصبحت هذه الزراعة تفتقر للمنافسة في الأسواق الأوروبية".

النهوض بزراعة الورود
وتابع صيام: "زراعة الورود تستغرق أحد عشر شهراً، وتبدأ من شهر حزيران (يونيو)، ويتمّ قطف المحصول في أيار (مايو)، وتضاف محاليل مخصصة للزهور ليتم تعقيمها من أية ميكروبات ضارة عالقة فيها، وتزداد مبيعاتها بغزة في عدة مواسم وأعياد؛ كعيد الأم، وعيد الحب، وفي الأفراح والأتراح".

اقرأ أيضاً: أطباء يعتلون منابر المساجد في غزة للتوعية بفيروس كورونا

وأضاف: "أرضي تمّت زراعتها بعدة أنواع من الزهور، كالقرنفل والجوري، لسهولة العناية بها"، مبيناً أنّ "سعر وردة القرنفل يصل إلى 1.5 شيكل، في حين يبلغ سعر زهرة الجوري 2.5 شيكل، وهي أسعار منخفضة مقارنة بالأسعار التي كانت تشتريها بها الشركة الإسرائيلية من المزارعين، لتصديرها إلى هولندا ودول غرب أوروبا، وهو الأمر الذي اضطرني إلى تسريح عدد كبير من العمال، الذين أصبحوا الآن في صفوف العاطلين عن العمل".

وطالب صيام بضرورة وجود دعم رسمي ودولي للنهوض بزراعة الورود في غزة، وإتاحة الأسمدة اللازمة للحفاظ على الأزهار من الأمراض، وإدخال أنواع وسلالات جديدة من الشتلات والأزهار المجدية اقتصادياً، لتشجيع زراعة الورود من جديد في قطاع غزة.

خسائر فادحة
بدوره، يقول رئيس جمعية أصحاب التوت الأرضي والزهور، محمد خليل، لـ "حفريات": "قطاع غزة كان يصدّر، قبل عدة أعوام، بين 45 إلى 55 مليون زهرة إلى بعض الدول الأوروبية سنوياً، وهي تشكّل ما نسبته 20% من إجمالي صادرات القطاع الزراعي، أما خلال الأعوام السبعة الماضية، لم يتم تصدير الورود من غزة إلى أوروبا، وذلك بسبب توقف دعم الحكومة الهولندية لمزارعي الزهور، وإغلاق المعابر الإسرائيلية في وجه تصديرها، وهو ما كبّد المزارعين خسائر مالية فادحة".

خلال الأعوام السبعة الماضية، لم يتم تصدير الورود من غزة إلى أوروبا

ولفت إلى أنّ "عدم تصدير الورود إلى الخارج وفقر السوق المحلية في شراء الكميات المزروعة في غزة، دفع المزارعين إلى العزوف عن هذه الزراعة واللجوء لزراعة محاصيل أخرى أكثر جدوى اقتصادية منها، مع منافسة دول عربية، كمصر والجزائر، للزهور الغزية، التي تقوم بتسويقها داخل أوروبا"، مبيناً أنّ "أكثر من 700 دونم في قطاع غزة كانت مزروعة بأنواع متنوعة من الزهور، قبل عدة أعوام، وتقلصت هذه المساحات تدريجياً لتصل إلى 10 دونمات تقريباً".

وتابع خليل: "زراعة الزهور في حاجة إلى أسمدة كيماوية مخصصة، وكذلك تربة صالحة لزراعتها، ومياه عذبة، وأيدٍ عاملة لقطف المحصول، وهي تكاليف مرتفعة تثقل كاهل المزارعين، وكان لذلك تبعاته السلبية على هذه الزراعة بتقليص المساحات المزروعة بالزهور"، مشيراً إلى أنّ "أوضاع مزارعي الورود باتت سيئة للغاية".

الصفحة الرئيسية