كيف استغلت جماعة الإخوان المراكز الثقافية الإسلامية للحضور داخل أوروبا؟

كيف استغلت جماعة الإخوان المراكز الثقافية الإسلامية للحضور داخل أوروبا

كيف استغلت جماعة الإخوان المراكز الثقافية الإسلامية للحضور داخل أوروبا؟


26/03/2026

تعمل جماعة الإخوان بسياسة ملء الفراغ عادة، حيث تستغل وجود أيّ فراغ سياسي أو اجتماعي أو ديني لتملأه وتقدّم نفسها من خلاله. ومع تنامي الحضور الإسلامي في القارة الأوروبية، أدركت الجماعة أنّ الفراغ الديني والثقافي الذي يعيشه المهاجرون يشكّل بيئة خصبة لإنشاء مؤسسات تمتلك القدرة على التأثير طويل الأمد. ويتميز الوضع الأوروبي بغياب مرجعية إسلامية تنافس الجماعة على قيادة المجتمع، ومن ثم شكّل انتشار المراكز الثقافية الإسلامية في أوروبا منذ سبعينيات القرن الماضي إحدى أهم أدوات جماعة الإخوان المسلمين لبناء نفوذ اجتماعي وفكري داخل الجاليات المسلمة. 

وانطلقت جماعة الإخوان من الضغط على التعددية التي تزعم أوروبا أنّها ميزتها الرئيسية، واستغلت صفة وجود المسلمين كقوة ضمن التعددية الثقافية للتنظير لشرعية وجودها، وتقديم أفكارها. وتعرف الجماعة البراعة الكافية للتخفي خلف المؤسسات واستغلال مساحة الحرية التي تبيحها القوانين، ومن ثم سيطرت على الخطاب الإسلامي في أوروبا، ووفق الوصاية التي تزعمها جماعة الإخوان على الإسلام والمسلمين أعلنت نفسها وصية على الجاليات المسلمة، وأسست "مجلس مسلمي أوروبا"، وتدير من خلاله عملية انتشارها وسيطرتها على الجاليات الإسلامية. 

مجلس مسلمي أوروبا وقيادة الجاليات الإسلامية 

تأسس مجلس مسلمي أوروبا على يد يوسف القرضاوي المعروف بدعمه وتنظيره لجماعة الإخوان المسلمين، ويتحدث هذا المجلس باسم مسلمي أوروبا، ويجمع العديد من المراكز الدينية (مجالس الأئمة والمجالس الفقهية في أوروبا)، وثمة قيادي معروف بانتمائه إلى تيار الإخوان، هو "خالد حنفي"، شغل منصب رئيس مجلس الأئمة، ويشغل حاليّاً رئيس لجنة الفتاوى بألمانيا.

ووفق ما يقدّم مجلس مسلمي أوروبا في أوّل أهدافه فإنّه تعهّد للمسلم الأوروبي بالتكوين بما يرتقي به في مراتب التديّن واكتساب السلوكيات والأخلاق الحميدة وبناء علاقات إنسانية، وهي وصاية على تكوين المسلم الأوروبي تجعل عملية التكوين في يد المجلس بتكويناته. وحسب مرجعية المجلس وتأسيسه يُعدّ الذراع السياسية والثقافية للإخوان في أوروبا، ومقرّه بروكسل، ومن خلاله تعمل الجماعة على تجنيد الشباب وانضمامهم للتنظيم، وقيادة عملية تكوين المسلم في أوروبا.

وتعتمد سياسة جماعة الإخوان على تأسيس الجمعيات الخيرية وقيادة المراكز الثقافية والفكرية، وإنشاء مؤسسات إعلامية، وتعلن أنّ هدفها تثقيف الجاليات المسلمة في أوروبا، لتسيطر على هذه الجاليات ويكون لديها غطاء قانوني مشروع. وتستغل جماعة الإخوان مظلة الحرية التي تصنعها القوانين الأوروبية، وهذا ما دفع البرلمانات نحو اقتراح تجريم الإسلام السياسي، والعمل به، وهو ما يُعارض قانون ومبدأ الحريات الذي يُعاقب على الأفعال العنيفة حين تخرج عن إطار الدعوة إلى الوجود العنيف والمسلح. 

واعتمدت جماعة الإخوان على تأسيس جمعيات ومراكز ومساجد تحمل أسماء ثقافية وخيرية لا تُظهر انتماءً مباشراً للتنظيم، ممّا أتاح لها الحصول على شرعية قانونية والتعامل المفتوح مع الحكومات والمجتمع المدني. ومع الزمن أصبحت هذه المراكز منصّات لنشر خطاب ديني ـ سياسي متدرج، يجمع بين ظاهر الاعتدال ومضمون يستبطن أدبيات الجماعة حول الهوية، والتمكين، وأولوية الجماعة على الدولة الوطنية.

وتتسم تحركات الإخوان في أوروبا عن غيرها من البلدان العربية بأنّها ذات آلية عمل شبكية وليست هرمية كما هي في البلدان العربية، فليست هناك قيادة عامة أو مظلة إسلامية سياسية في أوروبا يمكن أن تعمل من خلالها جماعة الإخوان، بحيث تعطي الأوامر وتضع الخطط لمن هم أقلّ في التسلسل الهرمي للتنظيم كما حدث في مصر، والمغرب، وتونس، وغيرها.

وهذا ما أكده الباحث في شؤون الجماعات الجهادية أحمد زغلول شلاطة لـ (حفريات) قائلاً: "يرجع السبب في ذلك إلى التضييق الذي تضعه أوروبا على جماعات الإسلام السياسي بالعموم، وجماعة الإخوان المسلمين بالخصوص، ووجدت نفسها مضطرة لوجود التنظيم الشبكي بديلاً عن الهرمي، فالعلاقة بين الجمعيات الدينية أو الثقافية أو المساجد التي تتبنّى الإسلام السياسي علاقة شبكية ترابطية اعتمادية تعتمد على بعضها البعض في جمع التبرعات، وأموال الزكاة، في الإنفاق على الأعمال الاجتماعية عموماً، ويظهر هذا بوضوح في أوكرانيا ضمن جمعية "الرائد"، حيث يشارك البعض في تشجير الشوارع ضمن حملة أعلنت عنها الدولة للتشجير، أو حملة تبرع بالدم أو نشاطات اجتماعية أخرى، فالعلاقة الشبكية تمكّنها من الاندماج في المجتمع حسب القانون الأوروبي عامة. 

ولم يقتصر النشاط على المجال الديني، بل امتد إلى بناء شبكات مدنية وسياسية، مثل اتحادات طلابية وروابط نسائية ومنظمات حقوقية، قدّمت الإخوان بصفتهم "الممثل الشرعي" للمسلمين في النقاشات الرسمية حول الهوية والاندماج. ومع الدعم المالي القادم من تبرعات الجاليات وبعض الجهات الخارجية، تحوّلت هذه المؤسسات إلى بنية نفوذ مستقرة قادرة على التأثير في السياسات المحلية.

من المراكز الثقافية إلى أقسام الدراسات الإسلامية  

تمدد النفوذ الإخواني داخل المراكز عبر السيطرة على إدارتها وتمويلها، وإرسال أئمة ومدربين تربويين تلقّوا تكويناً مستنداً إلى فكر الجماعة. وركّزت المراكز على استقطاب الشباب والطلاب من خلال المخيمات والأنشطة الثقافية والدورات الدينية، وهو ما أنتج أجيالاً مرتبطةً بالخطاب الإخواني دون وعي مباشر بالانتماء التنظيمي.

وانتبهت أوروبا إلى عمليات الأسلمة التي تخضع لها، وسيطرة الإسلام السياسي على المساجد والجاليات المسلمة، فكانت إدارة المساجد عادة تخضع لإدارة الإخوان والسلفيين، وفي ألمانيا كان اتحاد "ديتيب" يستقبل أغلب الأئمة من تركيا، وكانت رواتبهم جميعاً تُقدّم من قبل الهيئة الحكومية للديانات في أنقرة، بما هو معروف عن تركيا من تحالفها مع الإسلام السياسي ولا سيّما جماعة الإخوان التي تُعدّ الذراع السياسية للمشروع التركي في المنطقة العربية. 

وهذا ما دفع الحكومة الألمانية نحو تدريب الأئمة في ألمانيا؛ وذلك للخروج من سطوة الإخوان المسيطرة على الجاليات المسلمة داخل أوروبا، وقالت وزيرة الداخلية الألمانية نانسي فيزر: "نحتاج وعاظاً يتحدثون لغتنا ويعرفون بلدنا ويدافعون عن قيمنا، وتُعدّ هذه ركيزة أساسية لاندماج ومشاركة الجاليات المسلمة في ألمانيا."

وفي محاولة للخروج من سيطرة الإخوان على المراكز الثقافية والمساجد لقيادة وإدارة الجاليات المسلمة في أوروبا، أنشأت أوروبا مراكز الدراسات الإسلامية في جامعاتها لفهم الإسلام وإنتاج أئمة ومسلمين مندمجين داخل المجتمعات الأوروبية، والخروج عن سيطرة المراكز الثقافية الإسلامية التي تخضع لإدارة الإخوان، وتقود من خلالها المسلمين في أوروبا. 

وفي تصريح لأستاذ العلوم الإسلامية بمركز الدراسات الإسلامية بجامعة "ماربورج" الألمانية عاصم حفني لـ (حفريات) قال: "إنّ أوروبا أدخلت بالفعل دراسات العقيدة الإسلامية في الجامعات الأوروبية بهدف تخريج أئمة ومدرّسي دين إسلامي مؤهلين داخل أوروبا، على إلمام بلغات وطبيعة المجتمعات الأوروبية ونظمها الفكرية"، والواقع أنّ أوروبا كانت مضطرة إلى إنشاء هذه المراكز للخروج من فكّ امتلاك الإسلام الذي تزّعمه الإخوان، وتسيطر من خلاله على الجاليات المسلمة وتنفذ من خلالها مشروعها السياسي الذي يعادي القيم الأوروبية، ومن ثمّ يدفع أوروبا نحو الانقسام.  


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية