كراهيَّةُ الشّعر

كراهيَّةُ الشّعر

كراهيَّةُ الشّعر


26/07/2026

ترجمة عبود الجابري

لم يُستنكرْ فنٌّ كما استُنكِرَ الشعرُ، وحتى الشعراءُ أنفسُهم كثيرًا ما يشاركونَ في هذا الاستنكارِ، وقد كتبتْ ماريان مور ذاتَ مرةٍ: "أنا أيضًا أكرهه"،  وربما لا يوجدُ فنٌّ آخرُ يتفقُ عددٌ أكبرُ من الناسِ على كراهيتِهِ، في حينَ يختلفونَ جذريًّا حولَ تعريفِهِ وماهيتِهِ. أنا أيضًا أكرهُ الشعرَ، ومعَ ذلكَ فقد رتبتُ حياتي حولَهُ إلى حدٍّ كبيرٍ، ولا أرى في ذلكَ تناقضًا، لأنَّ الشعرَ وكراهيةَ الشعرِ مرتبطانِ بعلاقةٍ عميقةٍ؛ فالشعرُ، في جوهرِهِ، ينبعثُ من الرغبةِ في بلوغِ شيءٍ يتجاوزُ حدودَ اللغةِ، ثم يواجهُ استحالةَ الوصولِ الكاملِ إلى ذلكَ الشيءِ.

في كتابي "كراهيةُ الشعرِ" أتخذُ من هذه الكراهيةِ نقطةَ بدايةٍ للتفكيرِ في طبيعةِ هذا الفنِّ، وحين أعودُ إلى الذينَ هاجموا الشعرَ عبرَ التاريخِ، بدءًا من أفلاطونَ الذي رأى أنَّ الشعراءَ لا مكانَ لهم في المدينةِ الفاضلةِ؛ لأنَّهم يضللونَ الناسَ ويقدمونَ صورًا بعيدةً عن الحقيقةِ، وصولًا إلى النقاشاتِ الحديثةِ التي تتكررُ فيها الدعواتُ إلى إعلانِ موتِ الشعرِ أو اتهامِهِ بالعجزِ عن مخاطبةِ العالمِ، غيرَ أنَّ السؤالَ الذي يهمني هو: لماذا ظلَّ الشعرُ، أكثرَ من أيِّ فنٍّ آخرَ، مرتبطًا بهذا القدرِ من الرفضِ والدفاعِ؟ لماذا يستطيعُ الناسُ أن يتفقوا على كراهيةِ الشعرِ، بينما يعجزونَ عن الاتفاقِ على تعريفِهِ؟

قصيدةُ ماريان مور: بدايةُ الكراهيةِ

في الصفِّ التاسعِ، طلبتْ منا معلمةُ اللغةِ الإنجليزيةِ حفظَ قصيدةٍ وإلقاءَها أمامَ الزملاءِ. ذهبتُ إلى أمينةِ مكتبةِ مدرسةِ توبيكا الثانويةِ وطلبتُ منها أن تقترحَ أقصرَ قصيدةٍ تعرفُها. أعطتني قصيدةَ ماريان مور "الشعرَ"، التي تبدأُ بهذه الكلماتِ:

"أنا أيضًا أكرههُ".

واعتقدتُ آنذاكَ أنني اخترتُ الطريقَ الأسهلَ، فكان زملائي يحفظونَ قصائدَ طويلةً، بينما لم تكنْ قصيدتي سوى بضعةِ أسطرٍ. شعرتُ بشيءٍ من التفوقِ عليهم، كأنني اكتشفتُ حيلةً ذكيةً للتهربِ من المهمةِ، لكنني اكتشفتُ لاحقًا أنني كنتُ مخطئًا. فقد كانت قصيدةُ مور، رغمَ قصرِها، شديدةَ الصعوبةِ في الحفظِ، وقد فشلتُ في إلقائِها أكثرَ من مرةٍ، بينما كان زملائي يضحكونَ. كانت سخريتي من الواجبِ ناقصةً، لأنَّ القصيدةَ التي ظننتُ أنَّها سهلةٌ بقيتْ عالقةً في ذاكرتي أكثرَ من كثيرٍ من القصائدِ الطويلةِ، ومنذُ ذلكَ الوقتِ ظلتْ عبارةُ "أنا أيضًا أكرههُ" ترافقني؛ عندما أفتحُ كتابًا للشعرِ، أو أبدأُ الكتابةَ، أو أستمعُ إلى شاعرٍ يلقي قصيدتَهُ، أسمعُ في داخلي تلكَ الجملةَ، وعندما يقولُ لي أحدٌ إنَّه لا يفهمُ الشعرَ أو يعتقدُ أنَّه فقدَ قيمتَهُ، تعودُ العبارةُ نفسها إلى ذهني: أنا أيضًا أكرههُ.

وتبدو هذه العبارةُ أحيانًا كأنَّها شكوى متكررةٌ، وأحيانًا تبدو كأنَّها نوعٌ من الدعاءِ، فهي تكشفُ المفارقةَ الأساسيةَ في الشعرِ: أيُّ فنٍّ آخرَ يفترضُ وجودَ كراهيةِ جمهورِهِ له؟ وأيُّ فنانٍ آخرَ يجعلُ نفسَهُ شريكًا في هذا الشعورِ؟ وحدهُ الشعرُ فنٌّ يبدو مكروهًا من الخارجِ والداخلِ معًا، كونهُ يحتاجُ إلى هذه المسافةِ بين الرغبةِ والرفضِ كي يوجدَ.

الحلمُ الذي لا يمكنُ اقتباسهُ

تروي لنا كتبُ التاريخِ قصةَ كايدمون، أوّل شاعرٍ إنجليزيٍّ معروفٍ باسمِهِ، كان راعيًا أميًّا لا يعرفُ الغناءَ، وعندما كان الناسُ يجتمعونَ في الولائمِ ويمررونَ القيثارةَ بينهم ليغنيَ كلُّ شخصٍ دورَهُ، كان كايدمون ينسحبُ خجلًا، مدعيًا أنَّه مضطرٌّ إلى الذهابِ لرعايةِ الحيواناتِ، وفي إحدى الليالي، وبعدَ أن هربَ من القيثارةِ إلى الإسطبلِ، غلبَهُ النومُ. هناكَ ظهرَ له كائنٌ غامضٌ، ربما كان ملاكًا أو شيطانًا أو اللهَ نفسَهُ، وقالَ له: "غنِّ لي"، فأجابَهُ كايدمون بأنَّه لا يستطيعُ الغناءَ، لكنَّه تلقّى الأُمرَ مرةً أخرى بأن يغنيَ، فسألَ: "ماذا أغني؟"، فجاءَهُ الجوابُ: "غنِّ عن بدايةَ الخليقةِ"، فما لبث كايدمون أن فتحَ فمَهُ، فخرجتْ منه أبياتٌ عظيمةٌ تمجدُ الخالقَ. وعندما استيقظَ، كان قد أصبحَ شاعرًا.

غير أنَّ  القصيدةَ التي أنشدَها بعدَ عودتِهِ إلى عالمِ اليقظةِ لم تكنْ شبيهةً بالقصيدةِ التي سمعَها في الحلمِ، ويقول بيد، مؤرخُ الكنيسةِ الإنجليزيةِ، إنَّ الأغانيَ مهما بلغتْ من الجمالِ لا يمكنُ نقلُها من لغةٍ إلى أخرى من دونِ أن تفقدَ شيئًا من جمالِها وقيمتِها، وإذا كان هذا صحيحًا في الترجمةِ بينَ اللغاتِ، فهو أكثرُ وضوحًا عندما نحاولُ ترجمةَ الحلمِ إلى واقعٍ،  فالقصيدةُ التي يسمعُها الشاعرُ في لحظةِ الإلهامِ لا يمكنُ تجسيدها كاملةً إلى الورقِ، وما يصلُ إلينا منها ليسَ سوى أثرٍ منها.

المسافةُ بين الشعرِ والقصيدةِ

وهنا يظهرُ الفرقُ بينَ الشعرِ والقصيدةِ، فالشعرُ هو ذلكَ المثالُ المتخيَّلُ، ذلكَ الصوتُ الكاملُ الذي يشعرُ الشاعرُ أنَّه يقتربُ منهُ؛ أمّا القصيدةُ فهي الشيءُ الذي يستطيعُ أن يكتبَهُ فعلًا داخلَ حدودِ اللغةِ والزمنِ والتجربةِ الإنسانيةِ، وتبدأ الرغبةُ في كتابةِ الشعرِ من محاولةِ تجاوزِ العالمِ المحدودِ؛ عالمِ البشرِ بما فيهِ من اختلافٍ وصراعٍ ونقصٍ. يريدُ الشاعرُ الوصولَ إلى شيءٍ خالدٍ، إلى معنى يتجاوزُ اللحظةَ الفرديةَ. لكنْ بمجردِ أن تتحولَ هذه الرغبةُ إلى كلماتٍ، تصبحُ مقيّدةً باللغةِ التي يستخدمُها البشرُ، حيث يمكنُ للكلماتِ في الحلمِ أن تتحررَ من تاريخِها، وأن تقولَ ما يبدو مستحيلًا قولُهُ. أمّا في الواقعِ، فتعودُ الكلماتُ إلى أصولِها واستعمالاتِها وحدودِها. وهنا يبدأُ الفشلُ، غيرَ أنَّ هذا الفشلَ ليسَ عيبًا في الشعرِ، وإنَّما هو مصدرُ قوتِهِ. فالقصيدةُ العظيمةُ ليستْ قصيدةً حققت الكمالَ، وإنَّما قصيدةٌ كشفتْ عن صعوبةِ الوصولِ إليهِ،  فهي تحملُ داخلَها أثرَ المحاولةِ، وأثرَ المسافةِ بينَ ما أرادَهُ الشاعرُ وما استطاعَ التعبيرَ عنهُ.

لماذا نواصلُ كتابةَ الشعرِ؟

ربما لأنَّ الشعرَ لا يعدُنا بالنجاحِ الكاملِ،  ويقدمُ لنا شيئًا أكثرَ تعقيدًا: تجربةَ مواجهةِ المستحيلِ. نحنُ نكتبُ لأنَّ هناكَ شيئًا نريدُ قولَهُ، ونفشلُ لأنَّ اللغةَ لا تستطيعُ أن تحملَ كلَّ ما نشعرُ بهِ، وهذا الفشلُ هو ما يجعلُ الشعرَ إنسانيًّا، لأنَّ القصيدةُ لا تنتمي إلى عالمِ الكمالِ، وإنَّما إلى عالمِ المحاولاتِ. إنَّها دليلٌ على رغبةِ الإنسانِ القديمةِ في تجاوزِ نفسِهِ، وفي العثورِ على لغةٍ تصلُ بينَ التجربةِ الفرديةِ والوجودِ المشتركِ، ولهذا السببِ، لا أرى أنَّ كراهيةَ الشعرِ عدوٌّ للشعرِ، فربما كانتْ جزءًا من طبيعتِهِ،  فكلُّ شاعرٍ يحملُ في داخلِهِ شكًّا تجاهَ ما يكتبُهُ، وكلُّ قصيدةٍ عظيمةٍ تحملُ سؤالًا خفيًّا: هل كان يمكنُ أن تكونَ أفضلَ؟ هل اقتربتْ بما يكفي من ذلكَ الصوتِ الأولِ الذي سمعَهُ كايدمون في الحلمِ؟

يعيشُ الشعرُ في هذهِ المسافةِ تحديدًا؛ بينَ ما نحلمُ بهِ وما نستطيعُ قولَهُ، بينَ القصيدةِ التي لم تُكتبْ بعدُ والقصيدةِ التي نحاولُ كتابتَها،  ومن هذهِ المسافةِ يولدُ جمالُهُ، ومن هذا الفشلِ يستمدُّ وجودَهُ.

المصدر: بن ليرنر: شاعرٌ وروائيٌّ أمريكيٌّ / (The Hatred of Poetry)

  دار  Farrar, Straus and Giroux، 2016




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية